رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

ثغرات تُهدد عدالة منظومة التأمينات الاجتماعية

"طلاق على الورق وزواج في الخفاء".. الباب الخلفي لصرف معاشات غير مُستحقة (تحقيق استقصائي)

صورة صُممت بالذكاء
صورة صُممت بالذكاء الاصطناعي

ولاء فتحي (اسم مستعار)، صاحبة الـ ٤٥ عامًا، واحدة من هؤلاء الذين لجأوا إلى الطلاق الصوري، من أجل استمرار صرف معاش والدها المتوفى قبل ١٤ سنة تحديدًا في العام ٢٠١٢، وبعدها بنحو عام أو عامين طُلقت بشكل صوري من زوجها، وتزوجت منه عُرفيًا.

وجاءت فكرة الطلاق الصوري لـ “ولاء” عندما توقف معاش والدها لعدم وجود أبناء قُصر بدون زواج وغياب جميع الشروط المطلوبة لصرفه، وكان مبلغ المعاش كبيرًا وهي تعاني من ظروف الحياة الصعبة، بسبب غلاء المعيشة وعدم عمل الزوج.

وتملك ولاء 3 أخوة من الذكور وأخت متزوجة، وجاء تنفيذها لهذا التلاعب بالاتفاق مع الزوج على أن يُطلقها بشكل رسمي، ثم التزوج منه عُرفيًا، لتحصل على المعاش، ومن وقتها للآن وهي تصرف المعاش، ويتم تقسيم المبلغ عليها هي وإخوتها من الذكور، هي تحصل على نصف المعاش وهم النصف الآخر منه.

حالات ليست فردية.. والحاجة ليست السبب 

بطرق ملتوية ومسارات موازية وأساليب غير شرعية، تتم في الخفاء بعيدًا عن أعين الدولة، يتم استنزاف المال العام وأموال التأمينات الاجتماعية، خلف ستار الظروف المعيشية الصعبة ومتطلبات الحياة الكثيرة، تحول هذه الأمور من مجرد حالات استثنائية إلى قنوات مستترة، للتحايل على القانون، وأصبحت طريقة للاستمرار في صرف المعاش دون وجه حق.

ولم يعد الطلاق الصوري مجرد حالات فردية مدفوعة بالحاجة، بل تحول إلى ظاهرة، فمن الناحية القانونية وعلى الورق تكون امرأة مطلقة أو غير متزوجة وتستحق المعاش، بينما في الواقع هناك حياة زوجية قائمة بالفعل في الخفاء، بعيدًا عن أعين الدولة وعن أوجه الرقابة والمتابعة، وذلك في ظل ضعف المتابعة الإلكترونية الدقيقة.

وفي هذا التحقيق الاستقصائي، نكشف بالأدلة والشهادات الحية، كيف يُستغل عقد الزواج العرفي والطلاق الصوري، كـ غطاء شرعي لاستمرار صرف معاش الأب أو الزوج المتوفى، ويمنحها حقًا ماليًا ليس من حقها، وأين تكمن الفجوة الحقيقية بين الشرعية القانونية والواقع الفعلي لوقف نزيف المعاشات المخترقة؟..

90 % من الحالات يتم اكتشافها بالصدفة

اكتشفنا بالفعل عدد من الحالات التي تتحايل على القانون لاستمرار صرف المعاش عن الزوج أو الأب وهم غير مستحقين له، بهذه الطريقة و90% من هذه الحالات يتم اكتشافها بالصدفة، هذا ما قاله مصدر رسمي بالهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية - فضل عدم ذكر اسمه - للوفد.

وتوجد الكثير من حالات الزواج العرفي والطلاق الصوري التي اكتشفتها هيئة التأمينات بالفعل، وهي طرق يتبعها الكثيرون للتحايل واستمرار صرف المعاش عن الزوج أو الأب وهم غير مستحقين له، و90% من هذه الحالات يتم اكتشافها بالصدفة.

والغالبية العظمى من الحالات التي اُكتشفت كانت ناتجة عن شكوى من أخت لأختها، بسبب إن إحداهن مثلًا زوجها توفى أو حدث طلاق فتأتي لتحصل على معاش والدها لتجد أن أختها تصرفه بالفعل من فترة دون علمها بسبب زواجها العرفي أو طلاقها الصوري من زوجها الذي تعيش معه، فبعد أن كانت ستحصل على ثلثين المعاش، تجد نفسها تتقاسمه مع أختها، فتقوم بالإبلاغ عنها، وفقًا للمصدر ذاته.

حالات عدم الاستحقاق للمعاش

ويظهر من المستندات الرسمية الصادرة عن الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، أن الاستمرار في صرف المعاش بعد زوال سبب الاستحقاق لا يُعد مجرد خطأ إداري، بل يعتبر نوع من الاستيلاء على المال العام ويضع صاحبه تحت طائلة القانون.

وتتمثل حالات عدم الاستحقاق وقطع المعاش وفقًا لما حددته الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، ووفقًا لقانون التأمينات والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، في زواج الابنة، فبمجرد زواج الابنة أو الأخت المستحقة للمعاش، يسقط حقها في الصرف، وببلوغ الأبناء السن القانوني يُقطع المعاش عند بلوغ الابن سن 24 عاماً (للحاصلين على مؤهل متوسط) أو سن 26 عاماً (للحاصلين على مؤهل جامعي) ما لم يكن عاجزاً عن الكسب.

وكذلك يقطع المعاش عند الالتحاق بعمل وذلك في حال حصول المستفيد على وظيفة أو دخل يوازي قيمة المعاش أو يزيد عنه، يتوقف حقه في الاستفادة من المعاش، وإذا بدأ المستحق في مزاولة مهنة تجارية أو غير تجارية منظمة بقوانين أو لوائح لمدة تزيد على 5 سنوات، أو وفاة المستحق.

أسباب تدفع للتلاعب

من الأسباب التي قد تدفع البعض لهذا التلاعب هو أن القانون قديمًا كان يسمح للأرملة في حالة زواجها ومن ثم طلاقها كانت تعود لصرف معاش زوجها الأول، أما الآن إذا تزوجت وفشلت الزيجة فلا تعود للمعاش التي كانت تأخذه، لهذا تخفي بعض السيدات الزواج الثاني خوفًا من عدم الاستمرار فتخسر المعاش، حسبما يراه مصدر رسمي بالتأمينات، فضل عدم ذكر اسمه، ولكن بشكل عام لا يمكن أن يكون ذلك مبرر للتحايل، والأساس في هذه الأزمة هي الضمير الإنساني وأن من يلجأ لذلك يعرف أن هذه الأموال هي أموال تدخل بيوتهم.

"أمي كان ليها معاش كبير وأنا وولادي أولى بيه"

"هو أكيد مش حرام علشان ربنا عالم بظروفي".. كلماتٍ بررت بها ماجدة (اسم مستعار) استمرار صرفها لمعاش والدتها، بعد انفصالها عن زوجها على الورق لتتمكن من استحقاقه؛ رغم زواجها العُرفي منه ومكوثها في نفس مسكن الزوجية.

لم تُفكر ماجدة في هذا الأمر سوى منذ أشهرٍ قليلة، بعد أن ضاق بها الحال، إذ تعرض زوجها لحادث جعله يترك عمله، قائلة: "الحياة ضغطتنا جدًا ومبقيناش عارفين نصرف منين، هخرج اشحت ولا أسرق؟ أمي كان ليها معاش كبير وأنا وولادي أولى بيه".

وكانت جارة ماجدة هي من نصحتها بذلك، رأفة بحالها وكـ محاولةٍ منها لتقديم يد العون والنصيحة، إذ أقنعتها أنه لا سبيل أمامها سوى ذلك، لتتمكن من توفير مصاريف أولادها واحتياجاتهم الأساسية في الحياة من مأكل ودواء، بحسب ماجدة.

وروت ماجدة للوفد أنها في البداية، كانت رافضة تمامًا، إلا أنها عندما وجدت بيتها خالِ من الطعام، وأولادها صغار ولن تستطع الاعتماد عليهم في كسب المال والرزق، فكرت كثيرًا ثم ذهبت للمأذون وطلبت منه البدء في إجراءات الانفصال عن زوجها.

ومن ناحية أخرى، أحضرت ماجدة وثيقة زواج عُرفي وأتمت الاتفاق من زوجها حتى تتمكن من العيش معه تحت سقف واحد دون وجود ما يُحرم ذلك، وبعد أشهرٍ من السعي في تجميع الأوراق المطلوبة واتخاذ الإجراءات اللازمة تمكنت من صرف معاش والدتها كـ "مطلقة"، وفقًا لروايتها.

حيلة لا تجوز شرعًا

ولايجوز الزواج الصوري من الناحية الشرعية وهو أمر يجب أن يتنبه فاعلوه إلى خطورة ما يقعون فيه، فالتحايل على القانون بالطلاق الرسمي ثم الزواج العُرفي مرة ثانية من أجل الحصول على المعاش تدليسًا وتزويرًا ويؤدي إلى الحرام، وكل ما يؤدي إلى الحرام فهو حرام، بحسب الدكتور عبدالفتاح العواري، عميد كلية أصول الدين السابق.

وليس هناك مبرر أبدًا بأي حال من الأحوال للوقوع في مثل في الحالات التي تفشَّت وانتشرت في مجتمعنا حيث تقوم الزوجة بإتمام الطلاق رسميًا ثم تعود إليه بزواج عُرفي شرعي ولكنه غير موثق ولم يسجل في دفاتر المحاكم التي يحملها مأذون القضاة واصفًا ذلك بالتدليس والكذب، كما ذكر العواري.

وشدد العواري إلى أن ذلك يُعد افتئات على ما تقرره قوانين الأحوال الشخصية، قائلًا: "لا يجوز التلاعب بالقوانين والتدليس على الدولة من أجل الحصول على المعاش، فأموال هذا المعاش سحت وحرام والنبي عليه الصلاة والسلام بين لنا أن كل لحم نبت من سحتٍ فالنار أولى بها.

لا يوجد حصر دقيق 

وبتواصل الوفد مع الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، تم التأكيد على أنه لا يوجد حصر دقيق وشامل لحالات الزواج العرفي أو الطلاق الصوري في مصر، ولا يمكن لأي جهة أن تجزم بأن هذه هي عدد الزيجات العرفي في مصر.

بعض حالات الزواج العرفي تكون مخفية عن الأهل، فكيف يمكن حصر عددهم بشكل دقيق، وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، الذي أوضح للوفد، أن النشرة التي تخرج من الجهاز الخاصة بأرقام الزواج والطلاق تكون متعلقة بالطلاق والزواج الرسمي، الذي يكون على يد مأذون أو في المحاكم.

وأما عن الأرقام التي تخرج عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء الخاصة بالزواج العرفي، فهي خاصة بزواج التصادق، وهو الزواج الذي يُضفى عليه صفة شرعية ويتحول لزواج رسمي، مثلما يحدث في القرى عند زواج البنت وهي أقل من 18 سنة فتتزوج بشكل عرفي  وعندما تصل إلى السن القانوني للزواج يتم تحويله إلى زواج رسمي.

وبالتالى فالأرقام التي تخرج للزواج العرفي تكون لهذا النوع من الزواج الذي تحول لزواج رسمي، إنما حصر دقيق للزواج العرفي أو أن نقول أن الزواج العرفي في مصر هذا عدده فهذا خطأ كبير، لأن من الوارد أن يكون هناك حالات زواج عرفي لم يتحول لرسمي وبالتالي مش نستطيع معرفتها، هذا ما أكده الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء للوفد.

التحايل لصرف المعاشات جريمة جنائية

لم يعد التحايل على أحكام المعاشات مجرد مخالفة إدارية، بل قد يرتقي إلى جريمة جنائية متى اتخذ صاحبه من تغيير الحقيقة أو إخفاء الوقائع المؤثرة في الاستحقاق وسيلة للحصول على مال لا يستحقه قانونًا، إذ إن الحماية الجنائية لا تنصرف إلى الشكل الظاهري للتصرفات، وإنما إلى حقيقتها ومقصدها، بحسب المستشار بهاء الدين أبوشقة الفقيه القانوني والدستوري.

ويمكن أن تلجأ بعض السيدات إلى إتمام طلاق صوري مع استمرار الحياة الزوجية الفعلية مع الزوج، والإقامة معه وممارسة كافة مظاهر الزوجية، ثم تتقدم إلى الجهات المختصة باعتبارها مطلقة بهدف الحصول على معاش أو ميزة مالية مقررة للمطلقات، رغم انتفاء الحالة القانونية التي يرتب عليها القانون هذا الاستحقاق، كما أوضح أبوشقة.

كما يمكن أن تقوم أرملة بالزواج من شخص آخر زواجًا عرفيًا صحيحًا، ثم تخفي هذا الزواج عن جهة صرف المعاش للاستمرار في صرف معاش الزوج المتوفى، رغم أن قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019 ينص  على أن زواج الأرملة يوقف استحقاقها للمعاش.

العقوبات المتوقعة لوقائع التحايل على صرف المعاش

ووفقاً للمادة 66 من قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات، رقم 148 لسنة 2019، فإن العقوبات المترتبة على الصرف بدون وجه حق، تكون بالغرامة المالية التي تتراوح بين 20 ألف جنيه ولا تجاوز 50 ألف جنيه ، فضلاً عن إلزام المخالف برد كافة المبالغ التي صرفها بالزيادة.

وتوجد عدد من الإجراءات الآخرى التي جاءت بموجب المادة 121 طبقاً لنص القانون 148 لسنة 2019، تتمثل في امتلاك الهيئة سلطات واسعة لاسترداد أموالها، من الخصم المباشر من الراتب حيث يتم مخاطبة جهة العمل لحجز 25%  شهرياً وبقوة القانون دون الحاجة لموافقة الموظف.

وإعمالاً لنص المادة 71 من نفس القانون يُلزم المخالف بسداد مبالغ إضافية (فوائد تأخير) تُحسب عن كل شهر تأخير، مما يضاعف قيمة الدين، كما تقع المسؤولية على عاتق جهة العمل أيضاً في حال تراخيها عن تنفيذ الخصم، مما يجعل المؤسسات والشركات شريكاً في المسؤولية المالية.

الظروف المعيشية الصعبة سببًا للتحايل

"أبويا كان طول عمره ساترني، وبرضه لما مات سترني خاصة إن جوزي وجوده زي عدمه".. بهذه الكلمات بدأت منى (اسم مستعار)، كلامها للوفد، قائلة إنها لم تجد طريق آخر سوى الاعتماد على معاشه لتربية أولادي وتوفير لوازمهم الدراسية".

وتعرف مُنى خطأها في استمرار صرف معاش والدها دون وجه حق، لكنها تبرره بحاجتها للمال، فقالت :"مش هكدب عليكوا أنا عارفة إن اللي بعمله دا غلط، بس ما بيتكويش بالنار غير اللي ماسكها، أعمل إيه في الالتزامات وولادي اللي محتاجين أكل وشرب ومصاريف تعليم ولبس وأنا جوزي معايا زي مش معايا".

وكان الدافع لمُني في حيلتها أن معاش والدها مبلغ كبير، وهي في أمس الحاجة له، ففكرت في الانفصال عن زوجها نهائيًا لكي تتمكن من صرفه وتربية أولادها دون الحاجة لأحد، وبالفعل اتفقت هي وزوجها على الانفصال، إلا أنه بعد شهر من صرف المعاش، عاد لها زوجها وضغط عليّها في العودة له مرة آخرى لأنه لم يستطع العيش بمفرده، واتفقوا على العودة بعقد عُرفي حتى لا ينقطع معاش والدي عنها وفقًا لما ذكرته مُنى.

وكشفت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تطور حالات زواج التصادق في مصر، حيث بلغ عدد حالات التصادق المسجلة نحو 98 ألف و582 حالة بنهاية عام 2024، تمثل 10.5% من جملة العقود، مقابل 103 ألف و657 حالة تصادق في العام المناظر له 2023، بنسبة تراجع بلغت 4.9%.

ووصل إجمالي عدد عقود الزواج في مصر بنحو 936 ألفا و739 عقدا عام 2024، مقابل 961 ألفا و220 عقدا عام 2023 بنسبة انخفاض بلغت 2.5%، بينما بلغت عدد حالات الطلاق 273 ألفا و892 حالة عام 2024، مقابل 265 ألف و606 حالة عام 2023 بنسبة زيادة بلغت 3.1%، طبقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

وفي تصريحات خاصة لـ "الوفد"، أوضح أبوشقة، أن المادة 105 من قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019 نصت على حالات قطع المعاش، ومن بينها زواج الأرملة أو الأرمل أو البنت أو الأخت، ومن ثم فإن إخفاء واقعة الزواج التي يترتب عليها سقوط الحق في المعاش يعد كتمانًا لواقعة جوهرية مؤثرة في الاستحقاق متى اقترن بقصد الاستمرار في صرف مبالغ مالية دون وجه حق.

ولا تقوم الجريمة بمجرد وقوع الطلاق أو الزواج العرفي، فكل منهما قد يكون تصرفًا صحيحًا في ذاته، وإنما تنشأ المسؤولية الجنائية عندما يتحول هذا التصرف إلى وسيلة احتيالية لإيهام جهة الصرف بقيام مركز قانوني غير حقيقي بقصد الحصول على منفعة مالية غير مستحقة، حسبما وضح أبوشقة.

وإذا قدمت السيدة إقرارات أو مستندات رسمية تضمنت بيانات مخالفة للحقيقة، فتصبح جريمة تزوير في المحررات الرسمية طبقًا لأحكام قانون العقوبات، حيث نصت المادة 211 عقوبات على عقاب الموظف العام الذي يرتكب أثناء تأدية وظيفته تزويرًا في المحررات الرسمية، كما نصت المادة 212 عقوبات على عقاب غير الموظف العام إذا ارتكب تزويرًا في محرر رسمي، وفقًا للمستشار أبوشقة.

وفي حالة استعملت الزوجة محرر مزور مع علمها بحقيقة تزويره، انعقدت مسؤوليتها عن جريمة استعمال المحرر المزور طبقًا للمادة 214 من قانون العقوبات، باعتبار أن استعمال المحرر مع العلم بعدم صحته يمثل اعتداءً مستقلًا على الثقة العامة في المحررات الرسمية.

أما إذا لم تكن مرتكبة الفعل من الموظفين العموميين، ولم تتوافر أركان التزوير، فقد تشكل الواقعة جريمة نصب متى ثبت أنها استخدمت طرقًا احتيالية أو مظاهر خارجية من شأنها خداع جهة صرف المعاش وحملها على تسليم مال غير مستحق، وهي الجريمة المنصوص عليها في المادة 336 من قانون العقوبات، التي تعاقب كل من توصل إلى الاستيلاء على مال الغير باستعمال طرق احتيالية من شأنها إيهام المجني عليه بوجود واقعة غير صحيحة أو إحداث الأمل بحصول أمر وهمي، وفقًا للمستشار أبوشقة.

استيلاء على المال العام

أما من الناحية المالية، فإن صرف مبالغ المعاش دون استحقاق يمثل اعتداءً على المال العام، وقد تتوافر جريمة الاستيلاء على المال العام إذا كان مرتكب الفعل موظفًا عامًا أو ممن في حكمهم، أو إذا تدخل موظف مختص في تسهيل صرف الأموال بغير حق، وذلك وفقًا للمادة 113 من قانون العقوبات التي تعاقب الموظف العام الذي يستولي بغير حق على مال لإحدى الجهات العامة أو يسهل ذلك للغير.

أموال عامة ويجب الحفاظ عليها

أموال المعاشات والتأمينات هي أموال عامة ويجب الحفاظ عليها والرقابة الشديدة عليها، بهذه الكلمات تحدث الدكتور حسام عيد، المحلل الاقتصادي وخبير أسواق المال، للوفد، الذي أشار إلى أن أنواع التحايل لصرف المعاش كثيرة ومتعددة.

الطلاق الصوري والزواج العرفي من أجل استمرار المعاش هو نوع من التحايل لصرفه بدون وجه، وهذا التحايل غير شرعي للاستيلاء على أموال التأمينات والمعاشات، وهذه المنظومة تعاني في الأساس على مدار الأشهر الماضية وكان يواجه أصحاب المعاشات من المستحقين صعوبات شديدة في صرفها، حتى أن البعض منهم لم يحصل على معاشه منذ شهرين، بحسب الدكتور حسام عيد، المحلل الاقتصادي وخبير أسواق المال.

خلل مالي وإداري

بالفعل هناك حالات كثيرة لا تستحق للمعاش وتتجه لصرفه بالتحايل، وهو ما يؤثر سلبيًا على الاقتصاد المصري، لما له من تأثير نسبي على معدلات التضخم لأن  هذا يرفع القوة الشرائية في أيدي الأفراد، وفقًا للدكتور حسام عيد، المحلل الاقتصادي وخبير أسواق المال.

ويؤدي ذلك أيضًا إلى عدم وجود عدالة اقتصادية، فنجد أن المستحقين للمعاش يتأخر صرف معاشهم لهدم وجود موارد مالية، في حين أن هناك اهدار للأموال الموجودة من خلال أوجه الصرف غير المستحقة، وكل هذا يؤدي إلى خلل مالي وعدم استقرار بالموازنة العامة، وهذا ما أكده ؤكده الدكتور حسام عيد، المحلل الاقتصادي وخبير أسواق المال.

الحاجة لوجود نظام رقابي 

الدكتور حسام عيد، المحلل الاقتصادي وخبير أسواق المال، أوضح أننا في حاجة إلى إعادة هيكلة بشكل واضح لمنظومة التأمينات والمعاشات بأكملها للقضاء على مثل هذه الظاهرة وغيرها بشكل رادع وقاطع من خلال تغليظ العقوبات وعدم الاكتفاء باسترداد الأموال التي تم صرفها فقط، وأن تصل العقوبة للحبس لأن ذلك يعد تزويرًا وتأثيره  السلبي كبير على منظومة التأمينات، لأن هذه الظاهرة من ضمن عوامل فساد منظومة التأمينات والمعاشات، وبالتالي لابد وحتمًا يحدث نظام رقابي شديد لتفادي حدوث هذه الظاهرة مجددًا.

أنواع التحايل لصرف المعاش 

من الصعب جدًا اكتشاف هذا النوع من التحايل، ولكن مع الشكاوي والإبلاغ عن السيدة التي تصرف المعاش وهي متزوجة عُرفيًا أو مُطلقة على الورق فقط ولكنها تعيش مع زوجها، وبالتحري نجد الكلام صحيح، وبنسبة كبيرة طالما أن الشكوى من أخت لأختها حتى بدون تحرى غالبًا ما تكون صحيحة، حسبما ذكره مصدر الرسمي بالتأمينات الاجتماعية فضل عدم ذكر اسمه، للوفد، مؤكدًا "غير كده هنعرف منين إنها اتجوزت عرفي أو اطلقت صوري دي أشياء بدون ورق".

هناك بعض الحالات التي اكتشفتها التأمينات الاجتماعية من نفسها بدون شكاوي أو بلاغات، وفقًا للمصدر الرسمي الذي فضل عدم ذكر اسمه، وذلك من خلال الإقرارات السنوية التي تطلبها التأمينات، التي تقر فيها الحالة بأنها لا زالت مطلقة أو أرملة وتمضي على هذا الكلام على مسئوليتها الشخصية، وفي مرة عند تحديث بيانات إحدى الحالات وجدنا أن لديها طفل من زوجها التي طُلقت منه قبل 3 سنوات.

توجد بكثرة حالات التحايل لصرف المعاش بعد وفاة الزوج أو الأب أو وقوع الطلاق في الأماكن التي تتواجد فيها شركات القطاع العام وفيها مصانع كبيرة قديمًا، مثل المحلة وحلوان وأبو زعبل، لأن معاشات موظفيها تصل إلى 20 ألف جنيه شهريًا، فتلجأ كثير من البنات إلى الزواج العرفي أو الطلاق الصوري خشية ضياع هذه المبالغ عليهم واعتبارها استحقاق دائم لهم.

وتختلف عدد الحالات التي يتم اكتشاف تحايلها لصرف المعاش من مكتب تأمينات لآخر، فبعض المكاتب تكتشف من حالتين لثلاثة في العام، والبعض الآخر قد تصل عدد حالات الزواج العرفي أو الطلاق الصوري فيها لـ 20 حالة سنويًا، مثل مكتب تأمينات المحلة الكبري، حسبما قال المصدر الرسمي بالتأمينات الاجتماعية، الذي فضل عدم ذكر اسمه.

والحالة التي يتم اكتشاف تلاعبها بالزواج العرفي أو الطلاق الصوري لاستمرار صرف المعاش، يذكر المصدر الرسمي بالتأمينات، الذي فضل عدم ذكر اسنه للوفد، أن التصرف معها يكون بوقف المعاش فورًا ومقاضاتها وعمل مطالبة بالدين وأخذ حكم عليها ثم تأخذ الهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية مستحقاتها عن كامل الفترة التي تحايلت فيها على الهيئة بالفوائد، لأن هذه الأموال في النهاية هي حق للأرامل والمطلقات واليتامى الحقيقيين والمستحقين فعليًا له.

كيف يُمكن مواجهة أساليب التحايل؟

إتباع مثل هذه الأساليب هو نوع من التحايل على الحالات التي قصد المُشرع بها أن يحمي المرأة غير المعيلة المرأة التي انفصلت أو فقدت زوجها، وتكون محتاجة إلى نفقة والدولة تضع مسئولية نفقتها عليها كنوع من الدعم، بحسب الدكتور إسلام شاهين، أستاذ الاقتصاد السياسي.

وأن تطلب المرأة الطلاق الصوري ومن ثم الزواج العرفي فقط للحصول على المعاش، من شأنه أن يُحدث خلل في الدولة، وأن السبيل الذي يحول دون المساس بالدعم الذي تقدمه الدولة للمستحقين فعليًا، سيكون بالدخول في منظومة التحول الرقمي، من وجهة نظر الدكتور إسلام شاهين، أستاذ الاقتصاد السياسي.

عندما تقدم الدولة الدعم فهي تراعي حالته المنعدمة، وعندما يتحايل الشخص على ذلك يكون لدى الدولة معلومات ولكنها غير صحيحة، وبالتالي يترتب عليه تطبيق خاطئ وتكلفة إضافية على الدولة وغير حقيقية، وهو ما قد يترتب عليه نقص الدعم للمستفيد الحقيقي من هذه المنظومة، كما يراه الدكتور إسلام شاهين، أستاذ الاقتصاد السياسي.

إذا تعاملت الدولة بالتحول الرقمي على الوجه الشامل والمناسب وتطبيقها تطبيق حقيقي وأن تكون هذه منظومة  التحول موحدة وليس أن كل وزارة تتعامل بالتحول الرقمي بمفردها أو من جهتها فقط، لأن تطبيقها بشكل كامل وجامع سيحول دون التلاعب، حسبما ذكر الدكتور إسلام شاهين، أستاذ الاقتصاد السياسي.

الرؤية الاستراتيجية للهيئة القومية للتأمين الاجتماعي 

وأمدنا مصدر داخل الهيئة، بنسخة من الرؤية الاستراتيجية للهيئة القومية للتأمين الاجتماعي الصادرة عام 2020، وفيها اعتماد استراتيجية التحول الرقمي والشمول المالي مع تطبيق المعايير الدوليةومبادئ الحوكمة ، وتحقيق الاستثمار الأمثل لأموال التأمينات الاجتماعية بهدف تحقيق الاستدامة المالية للنظام.

وتتضمن الرؤية الاستراتيجية للهيئة القومية للتأمين الاجتماعي: (مرحلة آلية كاملة - التحول الرقمي)، وجاء فيها أن هذه المرحلة مقدر لها خمس سنوات  بدأت في 2023 حتى 1/7/2028، وهي المرحلة التي سيتم بها ربط الهيئة ربطاً كاملاً مع كافة الجهات الأخرى بالدولة.

ووفقًا لرؤية التأمينات التي حصلت عليها الوفد أنه سيتم بحلول نهاية هذه المرحلة إدخال بيانات الموظف بالهيئة مع الإعتماد على الأنظمة الآلية في حساب وصرف كافة المستحقات التأمينية لذوي الشأن إعتماداً كاملاً، ولن يتم فيها طلب مستندات من ذوي الشأن بعد الربط الكامل، ويمكن لهم تقديم طلبات الصرف على الموقع الإلكتروني للهيئة.

<strong>جانب من الرؤية الاستراتيجية للهيئة القومية للتأمين الاجتماعي </strong>
جانب من الرؤية الاستراتيجية للهيئة القومية للتأمين الاجتماعي 

هذه الظاهرة انتشرت كثيرًا خلال الفترات الماضية، ومواجهتها تتطلب معالجة شاملة، تبدأ من الرقابة على إجراءات الطلاق والزواج، وتنتهي بتغليظ العقوبات حال ثبوت تحايل قانوني باعتبار ذلك خرقًا قانونيًا يتسبب بإضرارًا بالصالح العام، بحسب المحامي تميم صابر.

هذا التحايل يتم اكتشافه غالبًا بمحض الصدفة، أو في حال قيام البعض بالإبلاغ عن جيرانهم أو أقاربهم وهذا ما يحدث أحيانًا في بعض المناظق الريفية، بينما في المدن فيصعب اكتشاف الأمر. حسب ما أوضح تميم في تصريحاته لـ "الوفد".

فلا بد من سن تشريع جديد لمواجهة هذه الظاهرة والحفاظ على المال العام معتبرًا أن استرداد قيمة المعاشات المصروفة بأثر رجعي غير كافٍ لردع هذه الظاهرة حتى وإن كان الاسترداد بفائدة البنوك، وفقًا لـ تميم.

بحسب سامية قدري خبيرة علم الاجتماع، فإن ممارسة هذه الأفعال من أجل الحصول على المعاش، يُمثل تحايلًا وغشًا ولا يمكن وصفه بشيء آخر سوى ذلك، موضحة أن للتحايل صورًا كثيرة وهذا الفعل من أبشع صوره، مُشددة خلال تصريحاتها لـ "الوفد" على ضرورة مواجهة هذه الظاهرة وإعلاء القيم بين المواطنين، وذلك من خلال التوعية المجتمعية بخطورة ذلك على المجتمع ككل، وعلى الأفراد أنفسهم.