رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج المقصورة

كلما أطل عام مالى جديد، خرجت ضريبة البورصة من الأدراج لتتصدر المشهد من جديد، وكأنها الحل السحرى لسد فجوات الموازنة العامة.. يتكرر السيناريو ذاته عامًا بعد آخر؛ تبحث الحكومة عن موارد إضافية، فتجد فى سوق المال هدفًا سهلًا و«نواة تسند الزير»، رغم أن التجارب السابقة أثبتت أن الضغط على البورصة لا يصنع إيرادات مستدامة، بل قد يبدد فرصًا استثمارية يصعب تعويضها.

هذا العام، حسم الجدل الذى استمر سنوات بين ضريبة الأرباح الرأسمالية وضريبة الدمغة، وانتهى الأمر لصالح الأخيرة.. صحيح أن هذا القرار أنهى حالة من الضبابية الضريبية، لكنه لم ينهِ مخاوف المستثمرين، الذين لا يزالون يتساءلون: هل أصبحت البورصة أداة لتمويل عجز الموازنة، أم منصة لتمويل الاقتصاد؟

جاءت التعديلات الأخيرة على ضريبة الدمغة بعد اعتراضات واسعة من مجتمع سوق المال، الذى دفع ثمن التجربة السابقة عندما فُرضت الضريبة بمعدل 1.25 فى الألف على عمليات البيع والشراء، لتتراجع السيولة وتنكمش أحجام التداول بصورة واضحة. واليوم، ورغم خفضها إلى 0.5 فى الألف لكل من البائع والمشترى، مع 0.25 فى الألف للتداولات اليومية، فإن المخاوف لم تتبدد، لأن المشكلة لا تكمن فى نسبة الضريبة فقط، بل فى الرسالة التى تصل إلى المستثمر: كلما تعافت السوق، ظهر عبء جديد يحد من زخمها.

الأرقام نفسها لا تدعم هذا النهج. فالحصيلة التى حققتها ضريبة الدمغة خلال عامى 2018 و2019 بلغت نحو 3 مليارات جنيه، بينما تشير التقديرات الحالية إلى أن الإيرادات قد لا تتجاوز 1.6 مليار جنيه، وهى قيمة تظل محدودة إذا ما قورنت بما يمكن أن تخسره السوق من سيولة واستثمارات نتيجة ارتفاع تكلفة التداول.

ضريبة الأرباح الرأسمالية، فقد كانت تجربتها الأكثر دلالة؛ إذ لم تحقق سوى نحو 350 مليون جنيه، فى مقابل تكلفة أكبر تمثلت فى تراجع جاذبية السوق لدى شريحة من المستثمرين. وهذا يثبت أن تعظيم الإيرادات لا يتحقق دائمًا بفرض ضرائب جديدة، وإنما ببناء سوق أكثر نشاطًا واتساعًا.

الحقيقة التى ينبغى التوقف أمامها هى أن البورصة المصرية لا تزال سوقًا ناشئة، تنافس عشرات الأسواق الإقليمية على جذب رؤوس الأموال. وفى هذه المنافسة، لا ينتقل المستثمر إلى السوق التى تفرض عليه أعباءً أكبر، بل إلى السوق التى تمنحه فرصًا أفضل، وسيولة أعلى، واستقرارًا تشريعيًا وضريبيًا.

إن التعامل مع البورصة باعتبارها مجرد بند إيرادات فى الموازنة يمثل نظرة قصيرة الأجل، لأن السوق فى جوهرها ليست ماكينة لتحصيل الضرائب، بل محرك للاستثمار، ومنصة لتمويل الشركات، ورافعة للنمو الاقتصادى. وكل جنيه يتم تحفيزه داخل السوق يمكن أن يخلق قيمة مضافة وفرص عمل واستثمارات تفوق كثيرًا ما قد تحققه أى ضريبة مباشرة.

الرسالة التى يجب أن تصل إلى صانع القرار واضحة: إذا كانت الدولة تستهدف تعظيم حصيلتها الضريبية، فإن الطريق الأقصر ليس فرض المزيد من الرسوم على سوق المال، بل توسيع حجم السوق نفسه.

< يا سادة.. البورصة لا تحتاج إلى جباية.. بل إلى رؤية. ولا تحتاج إلى قيود جديدة.. بل إلى محفزات جديدة. فالأسواق تُبنى بالثقة، والثقة لا تُفرض بقرار ضريبى، وإنما تُكتسب بسياسات مستقرة تعطى المستثمر سببا للبقاء، لا دافعًا للرحيل.