الراوى
«ليست كل الحكايات تُروى للتسلية… بعضها يُكتب ليبقى الضمير يقظًا، والعقل أمينًا، والتاريخ شاهدًا».
فى زمن أصبحت فيه المعرفة متاحة بضغطة زر، لم تعد المشكلة فى الوصول إلى المعلومة، بل فى كيفية التعامل معها؛ فالمكتبات الرقمية امتلأت، ومحركات البحث لم تعد تُبقى سؤالًا بلا إجابة، لكن يبقى سؤال واحد لا تستطيع التقنية أن تجيب عنه: أين يقف الضمير؟
الأمانة العلمية ليست مجرد بندٍ فى لائحة جامعية، أو شرطًا للحصول على درجة علمية، وإنما هى منظومة أخلاقية تُجسد احترام الإنسان للعقل ولجهد الآخرين. إنها القيمة التى تميز الباحث الحقيقى من جامع النصوص، والعالم من ناقل المعلومات، وصاحب الرسالة من الباحث عن اللقب.
ولعل أخطر ما يواجه المؤسسات الأكاديمية اليوم ليس قلة الإنتاج العلمي؛ وإنما فقدان الثقة فى بعض هذا الإنتاج نتيجة ممارسات تتعارض مع أبسط مبادئ النزاهة؛ كالسَّرقة العلمية، والانتحال، والاقتباس غير الموثق، أو توظيف أدوات الذكاء الاصطناعى لإنتاج أعمال تُنسب إلى أصحابها دون مراجعة أو إسناد أو جهد حقيقى. وهنا لا تكمن المشكلة فى الوسيلة، وإنما فيمن يستخدمها بغير مسئولية.
إن الباحث الذى ينسب فكرةً إلى صاحبها لا يُنقص من قدره، بل يرفع من قيمته العلمية، لأن الاعتراف بفضل الآخرين دليل على الثقة بالنفس، واحترام مسيرة العلم التى بُنيت عبر قرون من الاجتهاد والتراكم المعرفي. أما من يقتطع جهد غيره ليقدمه بوصفه إنجازًا شخصيًا، فإنه لا يخدع المؤسسة وحدها، بل يخدع نفسه قبل الجميع.
والجامعات الرصينة لا تُقاس بعدد الرسائل العلمية التى تمنحها، وإنما بمستوى النزاهة الذى تحميه، وبالبيئة التى تُرسخ فيها ثقافة التوثيق، واحترام حقوق الملكية الفكرية، والتدريب المستمر على مهارات البحث العلمى السليم. ومن ثم فالعلم لا ينمو إلا فى بيئة تُقدِّس الحقيقة، وترفض الزيف مهما بدا متقنًا أو مقننا.
ومن هنا فإن مسئولية الأمانة العلمية ليست مسئولية الباحث وحده؛ بل تبدأ من الأستاذ الذى يوجه، والجامعة التى تُدرب، والمحكم الذى يُراجع، والمجلة العلمية التى تُدقق، والمؤسسة التى تُحاسب. إنها مسئولية جماعية تصنع سمعة المؤسسات، وتحفظ مكانة الأوطان فى مؤشرات البحث العلمى العالمية.
وفى عصر الذكاء الاصطناعي، أصبحت الأمانة العلمية أكثر أهمية من أى وقت مضى؛ فهذه التقنيات قادرة على المساعدة فى البحث، والتحليل، والصياغة، لكنها لا تستطيع أن تمنح الباحث فكره أو رؤيته أو مسئوليته الأخلاقية. ولذلك فإن الاستخدام الرشيد لهذه الأدوات يقتضى الإفصاح عنها عند الحاجة، ومراجعة مخرجاتها، والتأكد من دقتها، حتى يظل الإنسان هو صاحب القرار، لا مجرد ناقل لما أنتجته الآلة.
إن الأمانة العلمية ليست خوفًا من العقوبة، بل احترامٌ للحقيقة. وهى ليست عبئًا على الباحث، وإنما الحصن الذى يحفظ قيمة العلم، ويمنح صاحبه مصداقية تدوم حتى بعد أن يغيب اسمه عن صفحات الحياة.
ويبقى السؤال الذى ينبغى أن يطرحه كل باحث على نفسه قبل أن يكتب اسمه على غلاف رسالة أو بحث: هل أستحق حقًا أن يُنسب هذا العمل إليّ؟ فإذا جاءت الإجابة من الضمير قبل القلم، فاعلم أن أول سطور النجاح قد كُتبت بالفعل.
أستاذ الإعلام بكلية الآداب - جامعة المنصورة
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض