رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

على فكرة

منذ بدأت القراءة فى وقت مبكر، أدمنت قراءة المذكرات بكل أنوعها، سواء من كان يكتبها أصحابها كسيرة ذاتية مثلما كانت الاجزاء الثلاثة من كتاب الأيام لطه حسين على سبيل المثال لا الحصر، أو من يكتب سيرة عن غيره، ككتاب عباس العقاد عن سعد زغلول،الذى اقترب منه زعيما لثورة 1919 ورئيسا للحكومة المنتخبة التى تشكلت بعد صدور دستور 1923،قبل أن يفارق حزب الوفد ويصير خصما له،بعد رحيل سعد باشا. وغنى عن البيان أن الخلط بين مصطلحى السيرة الذاتية والسيرة، شائع فى معظم وسائل الإعلام.

والمذاكرات تمنح قراءها عمرا فوق أعمارهم،إذ إنها تفتح أمامهم عوالم متعددة بما تنطوى عليه من تجارب حياتية لعظماء من ساسة ومبدعين وكتاب، وناس عاديين. فهى تثرى تحصيلهم المعرفى، وتمنحهم فرص التعرف على تجارب انسانية تحفل بالنجاح والفشل، وتضيء لهم طرقا لمواجهة مصاعب الحياة وتقلباتها. فضلا عن أنها نافذة للتعرف على عصر الكاتب وانشغالات مجتمعه،، والمناخ السائد الذى يقود مرة إلى الصعود والانتصار، والعوامل التى تؤدى مرات إلى التراجع والهزيمة.

كل تلك المعانى وغيرها، تجمعت فى الكتاب الممتع البديع، «محمد فاضل..سيرة إنسانية درامية.. ورحلة وطنية فنية الصادر بداية هذا العام عن دار ريشة للمؤلف الشاب الموهوب «يوسف الشريف» ابن الألفية الجديدة، الذى أطل بثقافة معرفية عميقة، على عالم أحد كبار الرواد التأسيسيين للدراما التليفزيونية والإذاعية فى مصر والعالم العربى، برغم أنه لم يعاصر عقود ازدهار هذا العالم وتألقه..

وبجانب الدور الذى لعبه فى تأسيس وعى درامى جديد،غير وجه الدراما التليفزيونية، وساهم فى صنع شعبية ماسبيرو، لعب محمد فاضل، بالنسبة لجيلى، دورا تأسيسيا آخر فى الارتقاء بالذوق العام، وفى تشكيل رؤيتنا للفن والحياة وفهمنا لعوالم السياسة المتضاربة المصالح. وساهم بابداعاته المختلفة فى الإذاعة والمسرح والتليفزيون والسينما، فى تكوين وعينا النقدى، وذائقتنا الفنية، حينما أصبح إبداعه الفنى معيارا لما هو فن جيد يحفل بالصدق، ويكشف عن مواهب، ويرنو إلى هدف يخدم مصالح الناس، ويترجم شعار الفن فى خدمة المجتمع والبشر، وفن آخر تجارى يتلفع بشعار الجمهور عايز كده ليواصل بقاءه.

لم يستسلم فاضل لإغراء السهولة، أو يخضع لما هو رائج، بل امتلك عزيمة مقاتل للتصدى بأعماله الفنية لقبح الواقع الاجتماعى الذى يتدثر بقوة النفوذ السياسى والمالى، ويزخر بفساالذمم والضمائر، ويسعى لتشويه تاريخ الوطن، وطمس بهاء تراثه، بأسلوبه الفريد الذى يتحلى بروح الفيلسوف،ومنطق القاضى وطلاقة فصاحته، مسلحا بأرضية اجتماعية وثقافية صلبة يقف عليها.        

يكشف الكتاب، بجهد مميز من مؤلفه، جوانب من شخصية فاضل المتوقعة، وهو يروى للكاتب فصوله،من مولده فى 21 يناير 1938 وحتى عمله فى ماسبيرو، وبداية مسلسله العمدة القاهرة والناس عام 1967 وحتى مسلسل الضاحك الباكى عام 2022، آخر اعماله التى فاقت الخمسين عملا. ولم يكن ممكنا للمهندس الزراعى الشاب، أن يغير مسار حياته المهنية، ما لم يكن يمتلك إرادة من حديد،دعمها عشقه للمسرح،وثقافة أدبية متنوعة رفيعة المستوى، تمكن من خلالها، أن يكتب أفكارا لأعماله فى الراديو والتليفزيون، ويحفز المؤلفين الذين رافقوا مسيرته، وفى القلب منهم أسامة أنور عكاشة،على السير فى اتجاه الخيال الذى شكل رؤيته للعمل المقترح.

وحصن الذكاء الشخصى والاجتماعى، فضلا عن تواضعه،مسيرته الفنية من آلاعيب منافسين صغار، ومن ظلم الأغراض وإعوجاج الأهواء. فتخطى بلباقة مأزق مطالبته بالانضمام للتنظيم الطليعى السرى، متمسكا بحرية حركته بعيدا عن القيود التنظيمية. وبنفس اللباقة تخطى أزمة تحريض سعاد حسنى للمطالبة بإطالة دورها فى فيلم الحب فى الزنزانة، منفذا رؤيته للحدث الدرامى.

ومثلما شكل أدب نجيب محفوظ، رصدا للتاريخ السياسى والاجتماعى المصرى، وسلط الضوء على صعود الطبقة الوسطى، وانكسارها، كانت دراما محمد فاضل معادلا موضوعيا لعوالم نجيب محفوظ الفاتنة.