منذ تأسيس النظام الدولى عقب الحرب العالمية الثانية تأسست منظومة الأمم المتحدة على مبادئ حماية السلم والأمن الدوليين واحترام سيادة الدول وترسيخ العدالة وحقوق الإنسان بهدف منع تكرار المآسى التى شهدها العالم غير أن التطبيق العملى لهذه المبادئ كشف عن فجوة واضحة بين النصوص القانونية والواقع السياسى الأمر الذى يطرح سؤالاً محورياً هل تُطبق قواعد القانون الدولى على جميع الدول بالقدر نفسه أم أن موازين القوة ما زالت تؤثر فى مسار العدالة الدولية؟
لا يختلف الباحثون فى أهمية القانون الدولى باعتباره أحد أعظم منجزات الحضارة الحديثة لكن الإشكالية الحقيقية لا تكمن فى القواعد القانونية بل فى آليات تنفيذها، فقد أثبتت العديد من الأزمات الدولية أن الاعتبارات السياسية والاستراتيجية تؤثر أحياناً فى طبيعة الاستجابة الدولية وهو ما عزز الانطباع بوجود تفاوت فى التعامل مع قضايا متشابهة وفقًا لمكانة الأطراف المتنازعة وحجم نفوذها وتبرز هذه الإشكالية بوضوح فى مجلس الأمن الدولى الذى يمثل الأداة الرئيسة لحفظ السلم والأمن الدوليين، فرغم أهمية الدور الذى اضطلع به فى إدارة وتسوية عدد من النزاعات، فإن استمرار العمل بنظام العضوية الدائمة وحق النقض (الفيتو) يثير نقاشاً واسعاً حول مدى توافقه مع مبدأ المساواة بين الدول إذ تستطيع دولة واحدة تعطيل قرارات تحظى بتأييد غالبية المجتمع الدولى، مما يجعل الإرادة السياسية للدول الكبرى عاملاً مؤثراً فى صناعة القرار الدولى ويمتد هذا التحدى إلى منظومة القضاء الدولى التى أسهمت فى تطوير قواعد القانون الدولى وترسيخ العديد من المبادئ القانونية إلا أن تنفيذ الأحكام يظل فى كثير من الأحيان مرتبطاً بمدى التزام الدول بها وهو ما يحد من فاعلية العدالة الدولية عندما تتعارض الأحكام مع اعتبارات القوة أو المصالح السياسية.
كما حققت المنظمات الدولية المتخصصة إنجازات مهمة فى مجالات التنمية والصحة والتعليم والثقافة وحقوق الإنسان إلا أنها واجهت انتقادات تتعلق بتأثير التوازنات السياسية والاقتصادية فى بعض قراراتها الأمر الذى يؤكد أهمية تعزيز استقلالية هذه المؤسسات بما يحافظ على حيادها ويعزز ثقة الشعوب فى دورها.
وقد أعادت الحرب فى غزة تسليط الضوء على هذا الجدل بعدما أثارت الأزمة الإنسانية نقاشاً واسعاً حول قدرة النظام الدولى على الاستجابة السريعة والعادلة للنزاعات الممتدة وبغض النظر عن اختلاف المواقف السياسية فإن استمرار معاناة المدنيين يؤكد الحاجة إلى تطوير آليات اتخاذ القرار الدولى بما يحقق استجابة أكثر فاعلية وعدالة ويعزز احترام قواعد القانون الدولى الإنسان لكن التجارب التاريخية تؤكد ايضاً أن العدالة وحدها لا تكفى إذا لم تسندها عناصر القوة الوطنية فمكانة الدول فى النظام الدولى ترتبط بقدرتها على بناء اقتصاد قوى وتعليم متطور وبحث علمى رائد وتكنولوجيا متقدمة وإعلام مؤثر ومؤسسات ناجحه وقوات مسلحة قادرة على الردع إضافة إلى مجتمع متماسك يدرك قيمة وحدته الوطنية فهذه العناصر تمنح الدولة قدرة أكبر على حماية مصالحها والدفاع عن حقوقها فى إطار الشرعية الدولية.
أن العالم لا يحتاج إلى هدم النظام الدولى بل إلى إصلاحه من خلال تطوير مؤسساته وتعزيز استقلالها وتحقيق قدر أكبر من العدالة والشفافية فى آليات اتخاذ القرار بما يضمن تطبيق القانون الدولى على الجميع دون انتقائية أو ازدواجية فى المعايير وفى الوقت نفسه فإن مستقبل الدول النامية يظل مرهوناً بقدرتها على بناء قوتها الذاتية والاستثمار فى الإنسان والمعرفة والابتكار وتعزيز التعاون الإقليمى واحترام سيادة القانون.
إن التاريخ يعلمنا أن العدالة تزداد قوة عندما تمتلك المؤسسات القدرة على إنفاذها وأن القانون يكتسب احترامه عندما يُطبق على الجميع دون تمييز ولذلك فإن الطريق نحو نظام دولى أكثر توازناً يمر عبر مسارين متوازيين إصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية وبناء دول قوية تمتلك مقومات التنمية والردع والاستقرار وعندما تتكامل العدالة مع القوة المسؤولة، يصبح القانون مرجعية حقيقية للجميع ويتحول السلام من أمنية إلى واقع يقوم على الاحترام المتبادل وسيادة القانون.
المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض