الروائية والشاعرة المصرية الدكتورة سهير المصادفة:
الإبداع الحقيقي هو القدرة على الحلم والكتابة بحرية
في عالم الأدب والقصة، هناك كُتّاب يكتبون لمجرد الحكاية، وهناك مبدعون يجعلون من القلم مجهراً يرون به خفايا النفس البشرية وأوجاع المجتمع. في مقدمة هؤلاء، تقف الروائية والشاعرة الدكتورة سهير المصادفة، التي تميزت برحلة أدبية وثقافية حافلة، جمعت فيها بين الإبداع الروائي والشعري، والترجمة، والعمل الإداري الثقافي البارز في خدمة القارئ . ومنذ روايتها الأولى «لهو الأبالسة» التي حققت صدى نقدياً وجامعياً واسعاً، مراراً بـ «ميس إيجيبت» و«رحلة الضباع» و«بياض ساخن»، وصولًا إلى «لعنة ميت رهينة» و«يوم الثبات الإنفعالي»، تثبت سهير المصادفة في كل عمل أنها لا تقف عند المظاهر الخارجية للحياة. إنها تبحث دائماً عن جوهر الإنسان الصادق، وتغوص في تعقيدات واقعه، وتكشف بجرأة عما يعانيه من حيرة وجودية، واغتراب، وصراع بين جذور الريف وصخب المدينة. ولأنها بدأت حياتها الأدبية شاعرة، فإن لغتها الروائية جاءت مميزة بلمسة جمالية خاصة، تبتعد عن التكرار والثرثرة الزائدة. ولم يقتصر دورها على النثر والشعر؛ بل امتد وعيها الثقافي لسنوات طويلة من خلال إدارتها لمشروعات ثقافية كبرى تركت أثرًا في وجدان القراء، مثل "مكتبة الأسرة" و"سلسلة الجوائز". في هذا الحوار المباشر والعميق، نستمع إلى صوت الدكتورة سهير المصادفة الإنساني الصادق؛ تتحدث عن نظرتها للكتابة كمسؤولية تجاه المهمشين، وعن موقفها من قضايا المرأة وازدواجية المجتمع، وتكشف عن رؤيتها الصريحة لأزمات النشر والجوائز الأدبية في عالمنا العربي. إنه حديث يجمع بين بساطة الكلمة وعمق الفكرة، تفتح فيه الكاتبة قلبها وعقلها لتقول للأجيال القادمة:" إن الإبداع الحقيقي هو القدرة على الحلم والكتابة بحرية".
أولاً: رؤية العالم والتشكيل الإبداعي
كيف تُحوّل المصادفة "مفهوم الهوية" من واقع معيش إلى لغز سردي في رواياتها؟
* حيثما نولي وجوهنا إلى أي بقعة من العالم سنجد تجليات تشظي الهوية، حتى في المجتمعات التي يسمونها؛ متحضرة أو متقدمة، لم يعد مفهوم الهوية النقي موجودًا، وذلك ليس بسبب العولمة كما يرددون دائمًا، بل مذ ابتعد الإنسان عن التربة السوداء التي يزرعها بيديه ويأكل ممّا تنبته، وقتها؛ كان كلّ فرد يعرف لمَن ولماذا ينتمي بالضبط. بعد الثورة الصناعية الأولى وبالتدريج، صار الريف شِبه مدينة والمدينة شِبه قرية والبلاد لا تشبه نفسها كما صورها الإدريسي على خارطته؛ حيث كانت بعيدة ومغلقة على خصوصيتها وغامضة وساحرة، فقدت الحدود معناها القاموسي إلى الأبد، فحيثما تحطّ قدم الإنسان سيجد أناسًا شِبه متشابهين، يؤرقهم سؤال هويتهم، وربما هذا سبب مشاحناتهم الدائمة على مواقع التواصل الاجتماعي، وشجاراتهم حول أفضلية جنسية على أخرى، أو لون بشرة على آخر، فما الذي يجعلنا نتشاجر حول تعريف الماء بالماء -مثلًا- لو أنه معرّفٌ بالفعل. الهوية ملغزة في الواقع المعيش نفسه، تم تذويبها عبر عقود ولم يكن عليّ إلا التقاطها بعينٍ منتبهة.
ما مدى تأثير "فلسفة الوجود" على بناء شخوصك؟
* وجود الإنسان مربك -بشكلٍ عامٍ- في كلّ زمانٍ ومكانٍ، أي؛ منذ بدء الخليقة، مذ صرخ صرخته الأولى كمولودٍ فتح عينيه على الحياة سائلًا نفسه: مَن أنا؟ وما الذي أخرجني من ظلماتي الآمنة؟ يكبر فيظل يتساءل دون الحصول على إجابات دامغة لأسئلته، هل خرجت من العدم وأعود إليه؟! يدور في متاهات الشكّ واليقين، يكافح، ويصارع القبح والظلم والشرّ والكراهية والفقر، يحاول رفع صخرة الوعي التي تميزه إلى أعلى جبل الطمأنينة، ولكنه مثل سيزيف الإغريقي لا ينجح أبدًا. يسائل الحجر والشجر والبحار والأنهار والجبال عن سبب اختلافه عنهم وتميزه بوعيه للوجود، وهل يرونه؟ يعرف أنهم موجودون، فهل هو موجود بالنسبة لهم؟ هل هو بالفعل مجرد ذرة غبار تهيم في كونٍ لا نهائي وأن الكرة الأرضية نفسها أقل من ذرّة غبار وفقًا لمسبار هابل الفضائي إذا ما تم النظر إليها والتقاط صورتها من عمق الفضاء البعيد؟! وشخوص رواياتي هم بشر، على الرغم من اختلاف ثقافتهم أو طبقتهم الاجتماعية أو تعليمهم أو لونهم أو جنسهم يختبئ في أعمق نقطة بنفوسهم سؤال الوجود.
كيف تصوغ المصادفة الروائية "عذابات الإنسان" بعيداً عن المباشرة والخطابية؟
* ربما لأنني بدأت حياتي الأدبية شاعرة، وكنت في الوقت نفسه أحاول تلمس خطواتي الأولى نحو فهم الواقع، أقرأ فأفهم ما أقرأه، ولكنني لا أفهم لماذا أصبحنا هكذا، وقد كنّا إمبراطورية لحضارة متفردة كبرى؛ منحنا التاريخ فجره، وأهدينا العالم ضميره، في عامي الجامعي الأول وبينما أتلو قصيدة في حفلٍ تم تجنيدي في أحد الأحزاب اليسارية التحتية، ولست نادمة، ألا يقول؛ لا نعرف - تحديدًا مَن- فقد نُسبت إلى "برتراند راسل" و"برنارد شو" وآخرين، المهم؛ ألا يقولون: "مَن لم يكن يساريًّا قبل العشرين من عمره إنسان لا قلب له، أمّا من يبقى يساريًّا بعد الثلاثين فإنسان لا عقل له"، توسمت أن تكون لديهم في الحزب أجوبة عن أسئلتي، لم تكن في الأجواء آنذاك حروب ولا انتصارات ولا هزائم، ورغم ذلك تتجلى مظاهر الفقر والمرض والقبح من حولنا، وبعد فترة قصيرة تركت كلّ شيء، وعدت لأنعزل في غرفتي فاتحة صفحاتي البيضاء لأسودها منحازة للكاتبة فيّ. بعد أن كبرت فهمت أنني لم أكره في تجربتي السياسية إلا المباشرة والخطابة، التي -عادة- لا تجيب عن الأسئلة وإنما تدافع بشراسة عن وجهة نظر واحدة.
ما الذي يجعل الفانتازيا في أعمالك تبدو أكثر واقعية من الواقع نفسه؟
* أظن أنه؛ الصدق الفني - كما كتب عنها بعض النقاد- أو أنها حالة اشتباكي الفانتازية نفسها مع الواقع؛ دائمًا وبعد أن أضع نقطة النهاية لرواية، أقول لنفسي: "لقد تمّ الأمر، انتهى، قلت كلّ ما تمنيت، سأستريح أخيرًا من عناء الكتابة، وأخرج من محبسي في غرفة مكتبي المغلقة لأعيش"، ولكن وبمجرد أن أخطو أولى خطواتي نحو الحياة، يوقفني أحدهم أو شيءٌ في الطريق ويلهمني بعالمٍ كاملٍ فأعود إلى غرفتي مرّة أخرى صاغرة. هذا ما حدث بالضبط بعد روايتي الأولى "لهو الأبالسة"، قلت: "وماذا يمكنني أن أكتب أكثر"، كانت قد حققت أصداء نقدية قوية، وما زال البحث يتناولها في الجامعات العربية والمصرية والأجنبية حتى هذه اللحظة، ذهبت إلى كوافير في شارع الهرم، وجلست لأستمع إلى فتاة جميلة جدّا تحكي لي عن أحلامها، نصف كلماتها كانت تضيع مع صوت السيشوار والزبائن، ومع خيالي الذي انطلق خلف روايتي الثانية "ميس إيجيبت"، يومها لم تقل الفتاة شيئًا مهمًا سوى ثرثرتنا معًا حول طرق العناية بالبشرة، ولكن روحها المتوثبة المنعكسة في عينيها أوحت لي بعالمٍ كامل. المدهش أنني بعد توقيع عقد الرواية لتحويلها إلى فيلم سينمائي -لم ير النور بعدُ، ولا أعرف حتى هذه اللحظة هل لأسبابٍ رقابية أو إنتاجية- ذهبتُ إلى الكوافير نفسه فوجدت أنه قد تحول إلى محل حلويات شرقية، وخفت أن أواصل السؤال عن أصحاب الكوافير القدامى، فيخبرونني أن فتاته الجميلة قُتلت. طوال الوقت أخاف من خيالي وصدق تنبؤاته.
كيف تتقاطع تجربة "الريف" مع "صخب المدينة" في تكوين ملامح أبطالك؟
* أنا نفسي مثل أبطالي، نزح أبي من الريف في بداية ستينيات القرن العشرين، وُلدت في القاهرة ولكنني كنت أزور مكان جذوري مع أبي. أظن أننا جميعًا هكذا، القاهرة لم تكن تخصنا قطُّ، ومجيئنا إليها لأسبابٍ تعليمية أو بحثًا عن لقمة العيش هو ما أجهز على جمالها كعاصمة قديمة وفاتنة. يسير الناس في الشوارع لاهثين طوال الوقت، وأحيانًا لا يعرفون ماذا يفعلون بالضبط، ثمة فوضى في الأداء الحركي والملابس التي هي مزيج فوضوي من العباءات والسروال "اللجين" الضيق جدًّا رغم غطاء الرأس، يسير الجينز إلى جوار الجلباب - كما وصفت في "ميس إيجيبت"- كلّ شيءٍ مرتبك، حتى طريقة الكلام، يدعوك أحدهم يا حاج، والآخر يا عمّ، ويرتبك المتعلم المثقف سائلًا نفسه بحيررة: "ماذا يقول لك بالضبط؟"، حالة من التحول المستمرة في ملامح الشارع المصري، وهي لا تتوقف منذ سنوات طويلة، أي أننا في حالة مخاض مستمرة ولا نعرف إلام ستؤدي، ولكن كلّ هذا ورغم الصخب والألم، كان من حسن حظي كروائية، كوني ألتقي مع الكثير من شرارات الإلهام.
إلى أي مدى تعد الكتابة بالنسبة لك "ملاذاً" من قسوة الواقع؟
* الكتابة بالنسبة لي ليست ملاذًا، وإنما عناء أنا مجبرة عليه، لكي لا أموت كمدًا، فماذا أفعل بشلالات تمردي سواها في الحياة؟! مثلًا؛ لا أستطيع العيش وسط مجتمعٍ أتمرد عليه طوال الوقت، ولا يعجبني فيه أيّ شيءٍ؛ لا يعجبني اعتداء الإنسان على الحجر، ولا يعجبني ذبحه لأشجار عمرها مئات السنوات، لا تعجبني مظاهر القبح والفقر والجهل والمرض، وأكاد أجن بينما أعرف أن كلّ ذلك سيختفي إذا حظينا بتعليمٍ جيد. أكره المشي في الشوارع، الشوارع التي كنت أعشقها أثناء طفولتي، حيث يتجاور جامع عمره ألف عامٍ ويزيد مع سورٍ فرعوني عمره آلاف الأعوام، أيضًا؛ ابتعدت في الآونة الأخيرة عن متابعة الأخبار، ليس لأنني لا أحتمل صور البطش والعنف والغطرسة بأشكالها المتعددة أو مشاهد إبادة شعوبٍ مسالمة، بل لأنني أعرف أن كلّ ما يحدث يتم في مطبخٍ كوني ما، ومخطط له مسبقًا لهدفٍ يتم إخفاؤه بحرصٍ شديدٍ عن العامة. أنا متمردة على كلّ شيءٍ ولا أجيد إلا كتابة تجليات تمردي ذلك.
لماذا تصرين على خلع "أقنعة" الشخصيات بدلاً من رسم ملامحها الخارجية؟
* أبحث عن جوهر الإنسان النقي في كلّ رواياتي، ولن تنجح عملية البحث إلا بتقليل الانشغال بالملامح الخارجية، رغم أنها تكون هي نقطة الانطلاق الأولى ويتم رسمها بالفعل، ولكن أحداث الرواية تقودها دائمًا النفس البشرية بكلّ تعقيداتها وأحلامها وكوابيسها، بخيباتها وانتصاراتها. المدهش فعلًا أنني جبت الكثير من دول العالم، والتقيت بجنسيات مختلفة؛ لونًا ولغة وثقافة، وكان الإنسان واحدًا في كلّ الأمكنة والأزمنة؛ بحيرته وتوقه للحرية والحق والجَمال، بصراعه السيزيفي لكي يفهم، ويؤدي رسالته في الحياة، بتميزه المذهل عن بقية المخلوقات بامتلاكه للوعي، الذي يجعل بعضهم أكثر تواضعًا، وبعضهم الآخر أكثر تبجحًا. أظن أن ما يعنيني هو هذا الجوهر، وأجدني منحازة في أعمالي لمقولة باير ستاين: "الأفكاروالمدركات والذكريات والمشاعرهي جوهر التكوين البشري".
كيف توازنين بين "التجريد الفلسفي" و"التفاصيل الحياتية" في النص الروائي؟
* أقل تفصيلة من تفاصيل حياتنا تخضع للفلسفة؛ حركة الأمواج الهادئة أو العنيفة على الشاطئ، بينما يتابعها رجلٌ ساهٍ عمّا حوله، السكين أو المسدس في يدي أحد أبطالي الذي لا يعرف بعدُ أنه سيصبح قاتلًا بعد دقائق، ما يخرج من النفس البشرية فجأة، ويكتشف صاحبها أن أسئلته الكامنة في أعماقه المظلمة منذ سنين أعدته لهذا المصير، الزوجة البسيطة التي تجد نفسها مجبرة على الإجابة عن سؤالٍ هربت منه طوال حياتها حول المحبة، الشابّ المراهق الذي يتخبط في محددات الحياة بحرامها وحلالها، ولا يعرف إلى أي اتجاه ومستقبل تقوده خطاه، الفقر والثراء؛ جميع الأنظمة السياسية والاقتصادية منطلقة من الفلسفة، فماركس تلميذ "هيجل" هو صانع الشيوعية بكتابه "رأس المال"؛ "المانفستو" الأهم للشيوعيين حول العالم، و"كينز" صاحب الرأسمالية، وهكذا... كلّ ما في حياتنا يمتّ بطريقة أو بأخرى للفلسفة.
ما القوة الدافعة خلف "التمرد" الكامن في شخوصك الروائية؟
* الأدب كلّه عبارة عن كلمة واحدة: "التمرد"، إذ ماذا يُكتب في حياةٍ مسالمة هادئة سعيدة؟! ليت الحياة كانت بالفعل مسالمة وهادئة وسعيدة! ولا نكتب نحن شيئًا حينها. يا... ليت! يقول "تولستوي" في مفتتح رائعته: "أنّا كاريننا": "جميع الأُسر السعيدة تتشابه، لكن كلّ أسرةٍ تعسة فهي تعسةٌ على طريقتها."، شخوصي يحاولون تغيير ظروف واقعهم بطرقٍ شتّى، يناضلون في سبيل تحقيق أحلامهم والهرب ممّا تنذرهم به كوابيسهم، غاضبون مثلي ولا يعجبهم شيئًا، يرون ميزان الدنيا مائلًا ويريدون إصلاحه، هم ثوار وعشاق وقتلة وخونة وضحايا وظالمون، هم مَن يشكلون الحياة في النهاية، كما هي - في الواقع- ثائرة ومتحركة وعكس ذلك لا يكون إلا سكون الموت.
كيف تعيدين صياغة "ذاكرة المكان" (موسكو، مصر، أمريكا) في نصوصها؟
* لكلّ مكانٍ زرته وعشت فيه خصوصية لا تُنسى، البلاد كما البشر، أحدها يدخل إلى قلوبنا ويأسرنا منذ اللحظة الأولى، والآخر يمرّ إلى جوارنا كما يمرّ قطارٌ سريعٌ لا يخلف وراءه سوى الضجيج، موسكو أكثر الأماكن ملامسة لقلبي بعد القاهرة، عادةً أميل إلى العواصم القديمة، خصوصًا وجزءٌ كبيرٌ من ذاكرتها أسسه أحبّ الكُتاب لي مثل؛ "دوستوفيسكي"، و"بوشكين"، و"رسول حمزاتوف". هي بالطبع ليست بقدم وعراقة القاهرة ولكنها عاصمة تُحبّ من النظرة الأولى، وما يدخل الروح لا يخرج منها أبدًا؛ ثمة عواصم زجاجية حديثة زرت معالمها الحديثة وأسواقها وشوارعها ولكنها لم تترك فيّ أثرًا، لكي أستعيده عندما أكتب عنها، بينما مدن مثل موسكو وأثينا وروما ستجد كتابتي عنها بسهولة الكتابة عن شوارع القاهرة وكأنني لم أزل هناك.
ثانياً: المرأة والمجتمع والنسق الثقافي
كيف تفكك المصادفة "الهيمنة الذكورية" في المشهد الثقافي من خلال أدواتها الروائية؟
* حين أكتب الرواية، لا أفكر كثيرًا في تفكيك الهيمنة الذكورية في المشهد الثقافي أو محاربتها، الأحداث تقودني إلى مصائر أبطالي، وجميعهم مأزومون؛ النساء والرجال على حدّ السواء، في الحقيقة الرجل نفسه مأزوم بشكلٍ أكبر، فهو المسكين يدافع بشراسة الآن عن آخر قلاعه التي هي الثقافة، يبذل جهودًا غير عادية في سبيل إرجاع عجلة الزمن إلى الوراء لتعود المرأة فتقرّ في بيتها كما كان الحال في القرن التاسع عشر وما قبله، يتكاتفون معًا كذكورٍ ويطردونها من المواقع القيادية؛ أوَ ليس مكانها المطبخ لتطعمه، وتؤدي خمس وظائف فقط لا غير؛ وجميعها لخدمته وخدمة نسله! يكتبون كلّ يومٍ أنها لا تصلح للعمل فما بالنا بالكتابة والتفكير! تنتشر رقعة الأفكار السلفية في هذه الأيام أكثر بسبب نجاح المرأة، أكاد أجزم أن محاولة سلفنة المجتمع المصري في الآونة الأخيرة جاء ردًا على خروج المرأة وتفوقها في الكثير من المجالات وليس الكتابة وحدها، يستغلون سلاطة ألسنتهم لينكلوا بها بما يظنون أنه سخرية على صفحاتهم بمواقع التواصل الاجتماعي وهم يعرفون أنها لن تستطيع الردّ على الشتيمة، فلديها -على أيّ حالٍ- أطفال وأسرة، يخفون ما تكتب بعد سرقة محتواه، ولكنهم ينسون أن حالة دفاعهم تلك عن مواقعهم التاريخية يجعلهم لا يتقنون عملهم الأساسي ومنه؛ الكتابة نفسها.
ما هي ملامح "الأنوثة المتمردة" التي تسعين لتجسيدها في نصوصك؟
* الأنثى متمردة منذ الأزل، متمردة لتتحرك الحياة إلا الأمام، كونها هي مصنع الحياة نفسه، تحملها في بطنها لتسعة أشهر، ثم تربيها حتى تقف أمامها بشرًا سويًّا، طوال الوقت وهي تسأل: "لماذا؟!". تودّ الخروج من محبسها؛ خرجت من الخِباء، وتم حرقها حيّةً في العصور الوسطى بمحرقة الساحرات حين كتبت الشّعر قائلين: "ساحرة"، لتبقى للرجال كتابة الشعر والتاريخ بالطبع، سحلوها وقطعوها إربًا في الإسكندرية، ثم أحرقوها لأنها فيلسوفة وعالمة نابغة، وما هيباتيا إلا مثالٌ شديد البشاعة لما حدث للمرأة في ذلك العصر وما سبقه من عصور. المرأة في رواياتي كحالها منذ الأزل؛ ما زالت متمردة لأنها مجبرة على الدفاع عن الحياة بكل جَمالها وحريتها وبهجتها أمام الموت والسكون.
لماذا تعتبر "المرأة" في رواياتك "ترمومتر" لقياس انكسارات المجتمع؟
* حين ينكسر المجتمع تحت نير الفقر والجهل ومحاولة اللحاق بركب المجتمعات المتحضرة ويفشل لا يجد المهيمنون عليه أمامهم سوى المرأة لاعتبارها الحلقة الأضعف، فينتقمون منها مدعين أنها السبب فيما يمرون به، فهي تأخذ مكانهم في الوظيفة حين تتعلم، وتحتل جزءًا في قمة الهرم الإبداعي من المفترض أن يكون لهم، ولا تربي أولادهم كما ينبغي، فيحاولون طوال الوقت كسرها وتهميشها. نحن لا نرى - مثلًا- كلمة "المرأة" مؤرقة للمجتمع في العالم الأول - كما يطلقون عليه- مثلما هو حالها في مجتمعنا المصري والعربي.
كيف تردين في رواياتك على تساؤلات النقاد حول "أحقية المرأة في الكتابة"؟
* لا أرد، أدع رواياتي نفسها ترد. السؤال نفسه غير منطقي وغير صحيح، وهم أنفسهم سواء الكتاب أو النقاد لا يصدقونه كثيرًا، فهم -دون شكٍّ- قرأوا أن صاحبة أوّل رواية - بشكلها الحديث الذي نكتب به الآن- هي امرأة، فتاريخ الأدب يذكرنا بأن: "الرواية ظهرت بشكلها الفني الحديث في القرن الثامن عشر، ومن النقاد مَن يذهب إلى القول إن "حكاية جنجي" للكاتبة اليابانية "موراساكي شيكيبو"، التي نُشرت عام 1005 ميلادية، هي أولّ رواية في تاريخ الأدب العالمي"، وهم يستدلون في كتبهم النقدية بآراء "سوزان برنار"، وجميعهم يعيشون على فائض تيار وعي "فيرجينيا وولف"، وينهلون من صوت شهرزاد السردي، ويعيدون كتابة حكايا الجدات والأمهات الشفاهية، اعترف كاتب نوبل الكولومبي الشهير "ماركيز"، حين سألوه عن الواقعية السحرية في أدبه، إنه لم يفعل شيئًا أكثر ممَّا تفعله جدّته وهي تحكي له الحكايات، وخرج شباب الكتاب الذين يكتبون أدب الجريمة الآن من عباءة "أجاثا كريستي"، التي ظلّت وتظل الأكثر مبيعًا عبر عقودٍ طويلة. أصمت تمامًا مدهوشة أمام صلافة سؤالهم، وعادة لا أرد على أكاذيب لا تخضع لأي منطقٍ.
ما المسافة التي تفصل بين "سهير المصادفة الإنسانة" و"بطلاتها الروائيات"؟

* كتبت شهادة لملتقى المبدعات العربيات في سوسة بتونس، كانت بعنوان: "أنا كلهنّ..." ولست أيًّا منهنّ، تناولت فيها حالتي كروائية مع بطلاتي، فما يجعلني كلهنّ، أنهنّ بنات خيالي، مثلما الحال لدى الكاتب الرجل، ولكنه لا يعاني مثل الكاتبة العربية من التلصص على أبطاله كما الحال مع الكاتبة العربية، لا يُسأل عندما يكون بطله قوادًا؛ هل عمل بالقوادة؟ بينما تُسأل الكاتبة المرأة؛ من أين لها بهذا المشهد، وهل مرّت به في حياتها الخاصة؟ بالطبع هم يفترضون أنها لا تمتلك عقلًا وبالتالي لا تمتلك الخيال. كلمة المسافة هنا شائكة ومحيرة جدًّا، حين أغرق في أحداث روايتي، أنفصل تمامًا عن واقعي، وأتماهى مع بطلة روايتي، إذا كانت مهندسة كبطلة "شيء من سالومي"، أرى المعمار والحجر وتخطيط المدن والطرق بعينها، وإذا كانت قاتلة كبطلة "لعنة ميت رهينة" أقضي أيامي ولياليّ في كوابيس لا تنتهي، وإذا كانت كوافيرة كما هو الحال في "ميس إيجيبت" أغرق في تفاصيل التجميل وأكاد أتمزق وأنا أتأرجح بشدّة بين القبح بالجمال، هل أستطيع في هذه الحالة أن أتحدث عن مسافة؟! أظن؛ لا، فكلّ مشاعري وأفكاري ومنظور رؤيتي للحياة تكون لها آنذاك، حتى يُسدل الستار على الأحداث، فأعود لنفسي.
هل تتبنىن في كتابتها موقفاً "نسوياً" أم "إنسانياً عاماً"؟

* لا يوجد موقف نسوي أو ذكوري بمعزل عن الموقف الإنساني العام، حتى حين أكتب عن المرأة فعالمها لا ينفصل عن الرجل والشجر والحجر والوضع السياسي ودرجة تحضر مجتمعها ورؤيته لها. مصطلحات مثل النسوية والأدب النسوي خاطئة، وبها عوار منطقي واضح، حيث تكملة العبارة تستلزم ذكر الأدب الذكوري ومواصفاته، وهذا لا يحدث عادة. لقد تم استخدام مصطلح "الأدب النسوي" في فترة زمنية محددة لدعم المرأة ومساندتها أثناء خروجها من محبسها الطويل، وفي الواقع كنت مؤيدة لهذا الدعم، فالمرأة التي حُرمت من التعليم حتى القرن التاسع عشر، والتي حُبست في قمقمها طوال قرون كانت تحتاج إلى كلّ دعم. ولكن الآن وبعد أن وقفت الكاتبة على قدميها في الغرب وأصبحت في الصدارة خفتت الأضواء حول هذه المصطلحات كثيرًا ولم يعد أحدٌ يرددها إلا في منطقتنا العربية، كحالنا مع العديد من القضايا التي نتأخر في حسمها.
كيف تعرّي رواياتك "الازدواجية الاجتماعية" التي تعيشها المرأة العربية؟
* أحيانًا أفكر أن منظور رؤية المرأة في مجتمعاتنا هو المسؤول الأول عن نكبتنا الحضارية؛ تلك الحيرة في التعامل معها منذ وقت طويل، فهم يرحبون الآن بتعليمها وخروجها إلى سوق العمل للمشاركة في حمل الأعباء الاقتصادية، ولكنهم يتحفظون أمام صعودها في سلم العمل إلى درجات أعلى، حتى ولو كانت مؤهلة وموهوبة أكثر منهم، ولكن القمة ضيقة كما نعرف، وهم يتكاتفون ويقاتلون معًا للاحتفاظ بها لأنفسهم، يريدون لأولادهم أمًّا متعلمة ومثقفة وفي الوقت نفسه خادمة لرغباتهم المختلفة، حتى إن بعض النساء تراجعن وأصابهنّ اليأس، وجلسن في بيوتهنّ، ودافعن بعد ذلك عن وجهة نظر الرجل نفسه. ورغم ذلك؛ ما حققته المرأة في قرن واحدٍ فقط لا غير من الزمان يجعلنا متفائلين، وخصوصًا أنها كلما ازداد علمها ووعيها فهمت هذه الازدواجية، وطورت سُبل التعامل معها.
ما الذي تمنحه "صوت الأنثى" للنص الأدبي ولا يستطيع الرجل تقديمه؟

* وما الذي يمنحه "صوت الذكر" للنص الأدبي ولا تستطيع المرأة تقديمه؟! هل يصح أن أسأل هذا السؤال؟ إذا كان يصح، فهو وفقًا للمنطق سؤالٌ صحيح، ولكن لا يصح، إلا إذا افترضنا أن الأنثى ليست إنسانًا؛ روبوت مثلًا أو كائن آخر لا يمتلك عقلًا ووعيًا وذاكرة وتجربة حياتية ومشاعر وأحلامًا وكوابيس وخيالًا يحلّق بها إلى عوالم لا يمكن لغيرها خلقها. من الطريف أنني تمنيت في روايتي "رحلة الضباع" أن أكون رجلًا، وحينها لن أكتب على الإطلاق بل سأستمتع بالحياة ليلًا ونهارًا؛ فالشوارع لي والأرض والسموات لي، والحرية على إطلاقها لي، فلماذا أحبس نفسي في غرفةٍ مغلقة لساعات لأكتب، ومن باب المزاح نفسه كتبت أن الكتابة نفسها مؤنثة.
كيف ترسم المصادفة حدود الحرية للمرأة في مجتمع لا يزال يحاصرها بالتقاليد؟
* حرية المرأة هي الصداع المزمن في رأس مجتمعنا، وهو لا يريد منذ سنوات طويلة أن يعالجه، يؤجله كما يؤجل العديد من القضايا التي لم يبحثها كما ينبغي ليحسم أمرها، ونحن نعرف أن الدول والمجتمعات تموت إذا لم تستطع حلّ أسئلة الواقع في وقتها، وهذا ما حدث لنا بالضبط؛ يعاني وجودنا من حالة احتضار طويلة؛ لم نجد منظومة أخلاقية ننطوي تحتها؛ مثلًا أن ننبذ الكذب والغشّ والخيانة والظلم واستقواء البعض على البعض؛ القادرون على الضعفاء، والأثرياء على الفقراء، وأن نُعلي من قيم العلم والحرية والمساواة والعدل في إتاحة الفرص، والنظافة، والجمال ومحبة الناس والشجر والحجر. حتى هذه اللحظة لم تستطع التقاليد حماية مجتمعنا من الانحدار، وما هي التقاليد - على أي حالٍ- مجرد كلماتٍ وأفكار لمَن عاشوا قبلنا من سنين، صاغوها آنذاك لتناسب ظروف حياتهم، ولكننا لم نستطع بعدُ تأليف مثلها لتناسب لحظتنا الزمنية.
هل تعد رواياتك بياناً أدبياً ضد "سلطة الحريم" التاريخية؟
* لا. أنا أكتب عن مأزق الإنسان الوجودي، عن ورطته في كون فسيح يعرف عنه القليل مهما تعلم، عن ذكريات الأمكنة التي نغادرها أو تغادرنا، عن الفقد والمحبة، والاغتراب، ولأنه توجد بطلات في رواياتي إلى جوار الأبطال، تظهر أحيانًا مواطن الخلل في التعامل معهنّ، ولكنها لا تكون بيانًا أدبيًّا بقدر ما هي صورٌ ومشاهد لا يمكن أن يتجاهلها إلا الأعمى.
ثالثاً: التقنية السردية واللغة والأسلوب
كيف تنجحين في "تذويب الجسور" بين الواقع والخيال في رواياتك؟
* بمجرد أن يلهمني الواقع، وأنطلق في الكتابة، لا أستطيع أنا نفسي تحديد؛ هل هذا كان واقعًا أم أنه خيال؟ لا أدفع بالرواية إلى النشر، إلا في حالة رؤيتها تتجسد أمام عينيّ، وأن شخوصها موافقون على التواجد، ورغم أنني أنتبه للحظة فراقهم، فإنني أكون على يقين تامٍ بأنهم سيواصلون حياتهم في زمنٍ ما؛ ماضوي أو مستقبلي، أي أنني نفسي أرى الخيال واقعًا.
ما هي استراتيجيات "التشويق" التي تعتمدينها لتجاوز السرد التقليدي؟
* في البداية أرى ظلالًا تتحرك، وتريد أن تُولد، وبمجرد أن أكتب مفتتحًا للرواية، ألمح النهاية من بعيدٍ، ولكنني أحاول أن لا أتذكرها، يتشكل أمامي في ذلك الوقت ستارًا، كلما تقدمت في الكتابة فُتح جزءٌ منه لأرى ما خلفه، وربما لذلك أحافظ على تشويق الأحداث، حيث إنني أنتظر نهايتها بشغفٍ مثلي مثل قارئي المنتظر.
كيف تستخدمين "الشعرية" كأداة لضبط إيقاع السرد الروائي؟
* طالما لا تؤثر اللغة على السرد بقطع أحداثه وتسلسلها، فينبغي أن تكون شاعرية، فالجميع يحكي الحكايات، على المقاهي، وبجوار أسِرّة الصِغار، ولكن ما يميز الأدب هو لغته، أسلوبه، كيف سيحكي الحكاية؟ بأي صوت سيتحدث شخوصه؟ اللغة في الرواية لا ينبغي لها أن تكون بسيطة، توصيلية وحاملة للأحداث فحسب - فهذا محتمل في الصحافة مثلًا- وإنما ينبغي أن تكون شاعرية ومتفجرة لتقود السرد إلى جماليات جديدة. يقودني الشعر إلى التخلص من ترهل السرد، وهو المسؤول عن نهايات الفصول، فتبدو غامضة ومشوقة لما سيأتي بعدها. شطرٌ شعري واحد قادر على تفجير المزيد من الرؤى، وإعادة ضبط المشهد السردي. بانحيازٍ؛ ما زلت أقول: "أي لغة ليست شعرية لا يعول عليها كثيرًا".
لماذا ترىن أن اللغة هي "البطل الحقيقي" في رواية "لهو الأبالسة"؟
* تدور أحداث "لهو الأبالسة" بين موسكو وحي عشوائي على حدود القاهرة اسمه "حوض الجاموس"، نُشرت الرواية عام 2003، وكان شخوصها؛ تقريبًا أوّل عشوائيين يعبرون عن أنفسهم بهذا الشكل في الأدب. بين شوارع موسكو؛ العاصمة المثقفة الجميلة بقباب الكرملين وقصور القياصرة الذهبية وتماثيل ومنحوتات الميادين العملاقة، وحواري وأزقة حي "حوض الجاموس" الغارقة في البؤس أصبحت اللغة بطلًا، يصول ويجول فوق عتبات الموروث الشعبي المصري والروسي ذهابًا وإيابًا، كما كان عليَّ أن أحافظ على سلاسة الانتقال بين لغة المثقف الشاعرية المحملة بالدلالات، والتي جاءت على لسان بطلة الرواية؛ الفنانة التشكيلية، وبين لغة أبطال الحي الذين لم يتلقوا تعليمًا جيدًا ولا يثقوا بأيّ شيء سوى حفنة من العادات والتقاليد والأمثال الشعبية وصوتٍ عالٍ محملٍ بقاموس شتائم غريبة لكي يواجهوا به كلّ ما حولهم من مظاهر الفقر والقبح.
كيف تخلصت من "ثرثرة التفاصيل" لصالح "التكثيف الدلالي"؟

* لا يساعد في تحقيق ذلك إلا الشعر والفلسفة؛ الشّعر يضبط الإيقاع فلا يترهل جسد السرد ويثرثر شخوصه هنا وهناك بدون مناسبة، أما الفلسفة فتحكم المنظور السردي، والرؤى المطروحة في العالم الذي تم خلقه، وتجعل الكاتب قبل القارئ لا يسأل نفسه: وما لي أنا بمَن مات ومَن تزوج مَن؟ الأمر معقد جدًّا، حيث تتدخل أيضًا الدراية العميقة بعلم النفس وكذلك الثقافة الموسوعية، في الواقع؛ كلّ ما يكونني هو ما يجعل رواياتي على ما هي عليه من سمات أسلوبية.
هل تعمدت كسر "قواعد الحبكة" التقليدية في رواياتك الأخيرة؟
* ومنذ روايتي الأولى أيضًا، أنا منحازة للرأي القائل: "إن رواية جديدة تعني كسر كلّ ما عرفناه عن قواعد الرواية السابقة". في رواياتي تُولد الحبكة من تعدد الأصوات السردية، ومن كسر هيمنة الزمن الكرونولوجي وفقًا لترتيبه الذي ندركه، وكلّ رواية لديّ تفرض بنية حبكتها.
ما "اللعبة الرمزية" التي تديرنها في رواية "لعنة ميت رهينة"؟
* تدور أحداث "لعنة ميت رهينة" في قرية "ميت رهينة" الفرعونية الأثرية، التي كانت أوّل عاصمة مدنية لمصر وفي العالم، أبطالها يعانون من الوقوف في لحظة حضارية غاربة، يتفرجون على رسوم الحياة الملونة التي ما زالت نابضة بالحياة على جدران ومعابد أجدادهم القدامى، ويحاولون التحايل الآن على ظروفهم البائسة بين أكوام القمامة التي لا يرفعها أحدٌ، يطمعون في ذهب الفراعنة المدفون تحت بيوت بعضهم، يحفرون ويسرقون ويقتلون، لعلهم يتغلبون على ما هم فيه. أظن أن جميع أبطالها يمثلون كلّ طوائف الشعب، وأن محاولاتهم؛ جميعًا سواء كانوا قتلة أو مقتولين، هي محاولات للخروج من لحظتنا الحضارية الغاربة.
كيف توظف المصادفة "البوليسية" كقالب لاستكشاف النفس البشرية؟

* النفس البشرية بطبيعتها لغزٌ، ويستحيل التعامل معها بشكلٍ مسطحٍ وواضح، مَن يتصدى للكتابة عنها ينبغي أن يراها كما يراها ويتعامل معها طبيب الأمراض النفسية، كروائية غير مسموح لي بكتابة أن أحدهم شرير أو ظالم أو قاتل... هكذا ببساطة، بل أدع مشهدية السرد هي التي قد تقول ذلك، وملاحقة عمق أغواره النفسية عبر تصاعد الأحداث يجيب عن سؤال: لماذا أصبح شريرًا؟ أحاول المحافظة على إيقاع الكشف عن أبطالي لكي تكون رحلتي في اكتشاف شخوصي، هي نفسها رحلة القارئ، تمامًا كما أحاول إخفاء صوت قلمي أثناء رفع الستار رويدًا.
ما دور "المتلقي الضمني" في فك شفرات لغتك السردية؟
* أصبح المتلقي متمرسًا للغاية، فبعد قراءته لمئات الروايات وشهادات الكُتاب أنفسهم عن أعمالهم، وكذلك بعد الكتب النقدية المهمة، من الصعب إيجاد قارئ يلتمس الأعذار لروائي مزيف، نعم؛ بالتأكيد توجد ظاهرة الأكثر مبيعًا، والروايات الأولية الخفيفة التي تكتب ما كُتب من قبل آلاف المرّات، ولكننا هنا نتحدث عن الرواية بالألف واللام -كما أظن- وهذه أصبح لها جمهور ذكي، يستطيع فكّ شفرات السرد، وفي الواقع؛ تصل إليّ عشرات الرسائل من الأجيال الجديدة شديدة اللماحية والفهم الذي يقودها إلى الإعجاب.
كيف تجعلين القارئ شريكاً في "بناء النص" وليس مجرد مستهلك له؟
* لقد أصبح القارئ شريكًا بالفعل، قارئ هذا الزمان مطلع على مئات المقتطفات من الروايات العالمية والعربية، هذا إذا لم يكن قرأها أو على الأقل يعرف محتواها، يشاهد عشرات من الأفلام الأجنبية بكلّ اللغات ومن كافّة الثقافات، تصطدم عيناه باللوحات التشكيلية؛ سواء أحبها أم لا، بحركة من إصبعه يحرك الكرة الأرضية في أثير الإلكترون ليتأكد من معلومة أو صورة أو أي إشارة مرجعية أخرى، فمن الصعب ألا تجده مشاركًا في بناء النص، وسنجده لا يحتمل الكاتب الممل الذي يسهب في وصف الماء بالماء، أو الذي يكتب ما هو مكتوب من قبل.
رابعاً: النقد والجوائز والمشهد الثقافي العربي
كيف ترىن "ارتباك المعايير" في تقييم الأدب العربي المعاصر؟

* قليلة هي الأصوات النقدية العربية الجادة التي واكبت الإنتاج الأدبي المعاصر، حتى بالنسبة لنا مَن بدأنا الكتابة في تسعينيات القرن العشرين، معظم مَن كتبوا عن رواياتنا كانوا من جيل الستينيات مثل الدكتور "محمد عبد المطلب" ومثلًا مَن بشّر أوّلًا بروايتي الأولى "لهو الأبالسة"، هو الشاعر الكبير "فاروق شوشة" بجريدة الأهرام، وللدكتور "جابر عصفور" مقولة شهيرة عندما ضقنا من عدم لحاق النقد بأدبنا: "على جيلكم فرز نقاده كما فعلت الأجيال من قبلكم"، وما كدنا نفعل حتى شهد المشهد الأدبي ما لم يكن في الحسبان؛ تكاثرت دور النشر بشكل مثير للريبة، وتغولت سطوة مواقع التواصل الاجتماعي، وظهرت الجوائز الأدبية وحفلات التوقيع ثم الأكثر مبيعًا، وتحول الكتاب من قيمة إلى مجرد سلعة.
ما هي مخاطر "سلطة الجوائز" على استقلالية المبدع؟
* لا توجد جائزة تدافع بشراسة عن استقلالية المبدع، الجوائز العربية أصبحت مثل الحكومات العربية؛ المبدع المتمرد مطرود من نعيمها، كنت أتحدث منذ أشهر مع دار نشر حول روايتي الجديدة: "الرُّبع الميت"، فقالت لي: "بها الكثير من المحظورات يا دكتورة، لن نستطيع تقديمها إلى الجوائز"، وبقية الحوار عبثي بشكلٍ لا يُصدق، حتى والمبدع غير مهتم بالجوائز، تجد دار النشر هي التي تضع السقف الرقابي الذي يؤهلها للدخول إلى هذا الماراثون من أجل كسب المزيد من الأموال التي يتقاسمونها مع المبدعين حال فوزهم بالجوائز. ليست مخاطر فحسب وإنما أصبحت الجوائز هي السلطة الوحيدة في مشهدنا الأدبي العربي.
هل نجحت ظاهرة "الأكثر مبيعاً" في طمس الأدب الحقيقي؟
* كالعادة؛ نحن استوردنا ما يُسمى "خدمات ما بعد البيع" من الغرب، والتي تتمثل في: "الجوائز"، و"الأكثر مبيعًا" و"حفلات التوقيع"، وهذه الآليات ناجحة جدًّا لدى أصحابها؛ في أمريكا وأوروبا وحتى في اليابان وكوريا الجنوبية، فمَن يقودونها هم أساتذة حقيقيون، يعرفون ماهية الأدب ويدافعون عن الأدب الحقيقي بشراسة، أتذكر الآن أنني في معرض كتاب "بيا" بنيويورك كنت أتأمل الطبعة الأصلية لرواية "نصف شمس صفراء"، لتشيماماندا نجوزي أديتشي، وكنت قد أشرفت على ترجمتها في سلسلة الجوائز أثناء رئاستي لتحريرها، تأملت على الأرفف الطبعات الجديدة لروايات الأدباء الكبار مثل "هيمنجواي"، و"ديكنز" و"ميللر"، ومعها الأصوات الأدبية المعاصرة. وابتعدت خطوات عن مرافقي وامتدت يدي إلى نسخة من "شِفرة دافنشي"، فصرخ خلفي: "لا، ذلك جناح آخر، هذا ضمن الكتب التجارية؛ الأكثر مبيعًا"، نعم، هم يحتفون بكتب الأكثر مبيعًا، ولكنهم يعرفون ما هو الأدب ويدافعون عنه بشراسة. أظن أن المشكلة ليست في خدمات ما بعد البيع التي أخذناها منهم، وإنما المشكلة فينا نحن.
كيف تنظرين إلى "ديكتاتورية الشللية" في تقييم المبدعين؟

* في الوسط الثقافي يتندرون على شّلة بعينها، بدأ أعضاؤها في العمل الصحفي، ثم انتشروا في جميع لجان التحكيم والمؤتمرات والمحافل الأدبية، يتكهن المبدعون من خلفهم: "مَن في هذه اللجنة هذا العام ليمنح الجائزة لصاحبه، حتى يردها له في العام القادم"، وهكذا تحول سلوكهم إلى مجموعة من الطرائف التي يتهامس الجميع فيما بينهم بها. هكذا هو الأمر في معظم الأماكن؛ مستحيل أن تجد ذئبًا منفردًا من المبدعين الحقيقيين تم تقييمه بما يليق بمسيرته الأدبية، رغم أنه ويا للمفارقة! الإبداع هو التغريد خارج السرب، والتمرد على القطيع في المقام الأوّل.
لماذا تعتبرين الحركة النقدية في العالم العربي "قاصرة" عن فرز الغث من السمين؟
* بسبب الفقر؛ تم إفقار الناقد والمبدع عبر عقود، أُغلقت نوافذ المجلات النقدية المحترمة؛ الواحدة بعد الأخرى، واعتمد تواجد الناقد نفسه على العلاقات الشائهة التي تتكون في غرف مغلقة لعقد صفقات ما، ازدادت سطوة مواقع التواصل الاجتماعي، والضوضاء التي يثيرها الآلاف حول بعض الروايات الركيكة، ممّا يربك الناقد والقارئ على حدّ السواء، أمّا الناشر فلقد أصبح ينشر لمَن لديه "لايكات" ومتابعون أكثر عددًا لكي يضمن بيع الكتاب، التعليم ما زال سببًا لأي مشكلة في وسطنا الثقافي والأدبي؛ لم يدخل الأدب المعاصر إلى المدارس الثانوية بعد، وفي الجامعات يتم -على استحياء- وبكفاح أساتذة النقد الحقيقيين مثلما حدث مع رواياتي التي كانت محل بحث لرسائل ماجستير ودكتوراه في جامعات؛ القاهرة والإسكندرية والمنصورة والمنيا، بالإضافة إلى الجامعات الأجنبية ومختبرات السرد.
كيف تواجهين "الخيانة اللغوية" التي يمارسها البعض باسم الحداثة؟
* في الواقع؛ نحن نجيد حرق مراحل التقدم، ربما لأننا لم نشارك فيها، مثلًا؛ عندما اخترعوا "الأنسر ماشين"، واستخدموها في منازلهم وأماكن عملهم بالغرب، وبالمناسبة ما زالوا يستخدمونها حتى هذه اللحظة، بينما تجاوزناها نحن وألغيناها من حياتنا، قافزين على الإفراط في استخدام الهواتف المحمولة، وهكذا هو الأمر مع النظريات الأدبية والنقدية الحديثة التي استوردناها منهم، الكثيرون منَّا لا يستطيعون التفريق بعدُ بين الحداثة وما بعد الحداثة، النصُّ الأدبي يتم إبداعه دون "كتالوج" مسبق، وصاحبه اسمه مبدع، لأنه يأتي بخلقٍ جديد؛ على صعيد الشكل والمضمون، ومن دواعي الفرح أنّ ذلك النصّ يحمل جينات أصالته، وبمجرد قراءته وتفكيكه نعرف على الفور؛ هل هو أصيل؟ أم مجرد احتيال بوسائل شتّى؛ أشهرها الآن، الخيانة اللغوية.
كيف تنظرين إلى النقد الذي يتهمك بالابتعاد عن "أيديولوجيا" معينة؟
* الأدب لا تعنيه الأيدلوجيات، ولا الانحياز لوجهة نظر سياسية عن أخرى، ربما ذلك يكون مطلوبًا في الكتب السياسية أما الرواية، فهي خلق عالم كامل، بجميع ما يحمله شخوصه من توجهات مختلفة، أي كما في الحياة تمامًا؛ الإنسان يعاني من مآزق وجوده، مرتبك وحائر، تمرّ حياته كلها بمحاولة النجاة أثناء رحلته للتغلب على ظروفه وقدراته ليصل إلى رغباته وأحلامه، وقد يتورط فيما تطرحه إحدى الأيدلوجيات، وقد لا ينتبه لأيٍّ منها حتى وهي تمرّ إلى جواره.
هل الجوائز الأدبية "شهادة وفاة" لبعض المواهب؟

* نعم؛ عندما تنحاز جائزة -لأي سببٍ من الأسباب- لنوعٍ من الكتابة، ويكون متواضع القيمة، تموت موهبة كبرى فورًا، حيث يتساءل صاحبها: "ما جدوى الكتابة إذن؟"، ومهما شرحنا له، نحن الأكبر سنًّا، أن الجوائز مسكينة فلديها مواءمات سياسية وجغرافية وأخلاقية لا تُعدّ ولا تحصى، فإنه يفضل الانسحاب والموت بهدوء، بالطبع ليس بسبب عائدها المادي أو المعنوي وإنما بسبب التدليس الذي سيؤثر على المدى البعيد على الكتابة نفسها. الآن وبعد عقودٍ من انتشار الجوائز وتكاثرها، نستطيع بنظرة واحدة إلى الوراء ملاحظة وفاة الكثير من كتبها الفائزة، ببساطة يطويها الزمن وكأنها لم تكن، وكأن الألة الإعلامية لم تفرضها علينا ليلًا ونهارًا، وكأن مجموعات القراءة الممولة على الفيس بوك لم تقترحها صباحًا ومساء للقراءة، وكأن النقاد الذين هم في الوقت نفسه أعضاء لجان التحكيم فيها لم يكتبوا مطولات لم تُكتب في نجيب محفوظ نفسه... على كلّ حالٍ، لم يتبقَ في الذاكرة أثرٌ من هذه الكتب؛ جملة ولو كانت عنوان الرواية نفسها، مشهدٌ، قول مأثور، أحد الشخوص النمطية، أيّ شيءٍ...
كيف تجعلين من نفسك "خارج السرب" في وسط ثقافي تقوده المصالح؟
* يبدو أن طبيعتي هكذا، أحبّ عزلتي كثيرًا، ولذلك فشلت في تكوين علاقات بالوسط الثقافي، رغم عملي العام، ما زلت أصدق أن الكاتب ينبغي أن يكون منعزلًا، متأملًا، منشغلًا بالناس والكائنات، بالوجود من حوله، غير متورط في حسابات ضيقة ستحجب عنه -لا محالة- الرؤية، لا أفعل سوى الكتابة، أكتب ليلًا ونهارًا أو أفكر أو أمشي في الأسواق بحثًا عن شرارات إلهامٍ، فمتى يكون لديَ وقت للانخراط في مناسبات اجتماعية تعزز من وجودي الجسدي في الندوات المختلفة، لكلّ كاتب محرابه، كما أظن، وأنا مخلصة لمحرابي، أعرف أن هذا يضيع عليّ بعض الفرص، ولكن، ماذا تمثل الفرص أمام سيدتي: "الكتابة"؟
خامساً: الترجمة والعمل الإداري كرافد للإبداع
كيف أثر "العمل الإداري الثقافي" على نظرتك لحركة النشر؟
* انطلقت كما هي عادتي من مجموعة أحلام، كنت أحلم وأحاول تنفيذ أحلامي من خلال آليات بيروقراطية مرهقة تمامًا، ساعدني على فهمها والتعامل معها رئيسي الأول الدكتور سمير سرحان، كان بطبيعته حالمًا أيضًا، ومحطمًا شرسًا لكلّ محطة بيروقراطية تعرقل أحلامه، ولذلك نجحت آنذاك مشاريع الهيئة الكبرى مثل: مكتبة الأسرة والموسوعات والقواميس والأعمال الكاملة. مرّ النشر في مصر بثلاث مراحل، المرحلة الأولى الممتدة من جيل الرواد، والتي ظلّت إيجابياتها ومثالبها قائمة؛ حيث اللجان القوية التي لم تسمح بنشر الغثّ، وفي الوقت نفسه، طوابير انتظار طويلة لدى عدّة دور حكومية تكاد تعدّ على أصابع اليدين، كُتبٌ تستطيع قراءتها لقلّة الأخطاء فيها، حيث كان التعليم ما زال جيدًا- متابعات نقدية بالغة الأهمية لهذه الكتب، ممّا يثري المشهد الأدبي والثقافي، وقد امتدت هذه الحركة حتى بدايات التسعينيات، في الوقت الذي بدأتُ فيه نشر أعمالي، انفجر واقع النشر بتأسيس داري نشر ثوريتين في مجال الأدب، هما "ميريت" و"شرقيات"، وقد قامتا ببلورة المشهد الأدبي والثقافي ووضعتا أحجار ريادة لما سيأتي، الطريف في الأمر أنني كنت أنشر في "ميريت" روايتي، ثم أنافسها على صعيد عملي الإداري بمحاولة نشر أعمال إبداعية فارقة. وفيما بعد هاتين المرحلتين تكاثرت دور النشر وأصبح من المستحيل مع هذه الأعداد رؤية أيّ شيء، إنه الزحام؛ زحام مرعبٌ، يجعلنا لا نرى أحدًا.
ما هي فلسفتك في "إدارة الجمال" عبر سلسلة الجوائز؟
* حلمت أن يتوفر للقارئ المصري والعربي كتابٌ متفقٌ على جودته، من خلال لجان تحكيم أجنبية كبرى، لا تعرف المداهنة، أردت أن يقرأ جمهور السلسلة أدبًا جيدًا من لغاتٍ شتى، أن يتواصل مع أصواتٍ جديدة لم يتعرف إليها بعدُ، أخذت مني سلسلة الجوائز الكثير من الجهد والوقت، ولكنني كنت أنسى كلّ ذلك حين أتلقى كلمات الشكر والتقدير من أنحاء العالم العربي، عندما تركتها لم أصدق أن عشرات العناوين تم إنجازها في هذا الوقت القصير نسبيًّا، فالترجمة عمل شاق، رغم أسماء المترجمين الكِبار الذين قاموا بترجمة أهم أعمال السلسلة، علاوة على التعامل مع آليات بيروقراطية صارمة للغاية. مع الأسف الشديد، ماتت سلسلة الجوائز، بعد أن تركتها، ألا يقولون إن "الحالمون هم الخاسرون"، وسلسلة الجوائز كانت حلمي.
كيف شكلت الترجمة عن الروسية "ذائقتك الأدبية" الخاصة؟

* فتحت لي ترجمة الأدب الروسي آفاقًا جديدة، أحبُّ "بوشكين" مذ فتحت عينيّ على القراءة، ومن المفارقات أنني وأنا تلميذة في المرحلة الإعدادية، غارقة في قراءة ألغاز المغامرين الخمسة آنذاك، وقعت بين يديّ رواية مهترئة الصفحات، كانت مخبئة بين كتب التراث لأبي، عرفت فيما بعد أنها مسرحية "روميو وجولييت" لشكسبير، ولما كانت أوراقها ناقصة بدأت في البحث عمَّا يشبهها، فوجدت رواية تورجنيف "أحبك حيًّا وميتًا"، أي أنني قرأت الأدب الروسي قبل العربي، وكأن قدري خُطّ في هذه اللحظة، عندما خُيرت للسفر إلى أكثر من دولةٍ اخترت السفر إلى بلد "دوستوفيسكي" و"تولستوي" و"ليرمانتوف".
كيف توازنين بين "بيروقراطية المؤسسة" و"فوضى الإبداع"؟
* لا أوازن، في الواقع لم أستطع الموازنة، كنت أحاول تثوير أداء المؤسسة بأحلامي، أسأل: "ولماذا هذا كذلك؟"، فيجيبون: "هو كذلك"، فلا تعجبني حالة: "هكذا وجدنا آباؤنا" تلك، وأصطدم بكلّ ما ومَن يعرقل الآمال الكبرى من رؤساء أو زملاء، هكذا نفذت سلسلة الجوائز وأدب الطفل حول العالم وبعض سلاسل مكتبة الأسرة، رأيت وما زلت أرى أنّ هذه الآمال من حقّ القارئ. أظن أن سبب موات المؤسسات هو افتقادها للإبداع، بأحلامه ومغامراته وفوضاه أحيانًا.
هل ترىين أن "أدب الطفل" هو البوابة الأهم لتكوين وجدان المستقبل؟
* نعم، حتى أن مَن اخترعوا الإنترنت وأدوات ووسائل التكنولوجيا الحديثة، ما زالوا حتى هذه اللحظة، يضعون أطفالهم في الأسِرة في الثامنة مساء، وهم يقرأون لهم كتبًا للأطفال، فهم يعرفون جيدًا أن الأدب سيفتح خيال الطفل ومداركه معًا، وسيجعله يتعرف إلى الشجر والحجر والبحار والمحيطات والبشر، وأنه السبيل الأوحد للمعرفة، دون أن يحجب خياله وأحلامه مثلما تفعل وسائل المعرفة المرئية والمسموعة، يعرفون أن القراءة وحدها ستشكل وجدانه المحبّ للجَمال والخير.
كيف تقيمن تجربة "مكتبة الأسرة" كأضخم مشروع ثقافي عربي؟
* كانت وما زالت "مكتبة الأسرة" هي الأكبر والأهم في مصر والعالم العربي، ولست وحدي مَن أقول ذلك، وإنما كثرٌ ممّن ألتقي بهم في المحافل والمؤتمرات الأدبية العربية، قام المشروع على أعمدة فلسفيّة قوية؛ ربط الأجيال الجديدة بإرثهم الحضاري الفرعوني والإسلامي، أعاد للقراءة مجدها، وأعاد ترتيب المكتبة العربية؛ من أرفف تراثها ومرورًا بجيل الرواد وانتهاء باكتشاف أصواتٍ أدبية فارقة من الأجيال الشّابة، عمل المشروع على ازدهار حركة النشر بتعاونه مع دور النشر الخاصة، أخرج من المتاحف إرثنا الأدبي من مجلات ثقافية مهمة وكتبٍ تراكمت عليها الأتربة، أصابت القراء بالدهشة والإعجاب عندما أعادوا اكتشافها من جديد.
ما هي أزمات الترجمة في العالم العربي من وجهة نظرك؟
* لم تعد هناك أزمات، الترجمة نفسها والمترجم قد يختفيان في المستقبل القريب جدًّا، مع الأسف الشديد، سيتعلم الذكاء الاصطناعي الترجمة بنفسه بعد أن يطور مهاراته ويزيد محتواه العربي بأعمالنا السابقة وتقنياتها المختلفة، وأظن أن مهنة الترجمة نفسها ستنقرض، الآن. بالفعل، بدأ بعض الشباب في تقديم كتبٍّ مترجمة عبر برامج الذكاء، يقومون بتعديلات طفيفة عليها ولكن تظل سماتها الآلية واضحة لكلّ عينٍ متمرسة قامت بالترجمة قبل اختراع الإلكترون أو حتى الكمبيوتر.
سادساً: أسئلة وجودية وفلسفية للمؤلفة
هل الكتابة "نعمة" أم "محنة" بالنسبة لسهير المصادفة؟
* بدون شكٍّ أستمتع كثيرًا أثناء الكتابة، أكاد أطير من السعادة وأنا أرى نفسي محلقة في صحاري بعيدة وحدي، أفتح عينيّ على اتساعها مثل أليس في بلاد العجائب أثناء اكتشافي لعجائب النفس البشرية وتقلباتها، أقف إجلالًا بعد أن أضع نقطة النهاية لعالمٍ تم اكتماله، وعليّ أن أودعه الآن ليحيا في مكان ما، في قلوبٍ وعقولٍ أخرى، أتمنى في هذا الوقت وكما قلت في حواراتي الأولى منذ سنوات، أن تكون روايتي الأخيرة، ألّا تطاردني شخوصٌ أخرى وأفكارٌ جديدة، ولكن لا يحدث، سرعان ما أترك كلّ شيءٍ وأعود لجلستي خلف مكتبي من جديدٍ مثل تمثال الكاتب المصري القديم. لا، بالطبع؛ الكتابة محنة، ولو كانت الحياة أكثر سلامًا وعدلًا وجمالًا لما كتبت.
ما "الخوف الأكبر" الذي يطاردك أثناء الكتابة؟
* الّا تستطيع رسالتي الوصول إلى أصحابها الحقيقيين، أن تخونني اللغة، أن يداري أبطالي عني بعض خططهم، خيانة ضميري الأدبي، التدليس أثناء الكتابة، عدم التخلص من رقيبي الداخلي الذي يذكرني كلّ حينٍ بالسلطة والسلطة المجتمعية، فأجهز عليه قبل مواصلة الكتابة، قائلة له: فليغضبوا بقدر غضبي، فأنا لا أكتب لكي أربّت على أكتافهم، أو أحكي لهم حكايات ما قبل النوم الخالية ممَّا يؤرق أحلامهم، أنا أكتب لهم لكي يستيقظوا.
هل تؤمنين أن الكاتب يكتب "رواية واحدة" طوال حياته؟
* نعم، أنا منحازة لتلك الرؤية كثيرًا، الرواية الأولى تمثل دائمًا البذرة، إذا كانت عفية ونقية، سرعان ما تتجذر في الأرض وتصير شجرة عملاقة، غصونها وثمارها وساقها؛ سواء كانت طويلة أم قصيرة، ستميزها عن غيرها من الشجر، هذه الأغصان والثمار المتعددة هي أعمال الكاتب اللاحقة؛ مقالاته، حواراته، مداخلاته، رواياته التالية، كلّ ما ينتجه في حياته. نادرًا ما خاب ظني في تقييم الكتاب الأول/ البذرة، ففيه خصائص شجرة الكاتب مجتمعة؛ أسوبه، رؤاه، أحلامه وكوابيسه، صوته السردي المميز عمّن سواه، مثلًا، بالنظر إلى أيّ جزء من شجرة كاتبٍ كبير؛ الباسقة ومشواره الأدبي وروحه الساطعة بوضوحٍ في أولى أعماله وآخرها نستطيع ببساطة التعرف على بصمة جيناته الإبداعية.
كيف تواجهين "الفراغ" الذي يلي إنهاء كل رواية؟

* بالفرح، أتحايل على نفسي بوهم أنني أتممت كلّ ما أريد كتابته، وأستعد للإنهماك في عيش حياتي، أذهب إلى البحر وأجلس على شاطئه لساعات، أتأمل في الملكوت، أسير في الطرقات، أقنع نفسي بأن أبطالي تم تسريحهم أخيرًا ليعيشوا وعليّ أن أعيش حياتي مثلهم، ولكنني سرعان ما أعود لغرفة مكتبي من جديد، لخلق عالمٍ جديد.
ما الذي ترفضين قوله في رواياتك؟
* لا أرفض قول أي شيء، مثلي مثل الرواية، مجدُ الرواية وتربعها على قمة هرم الكتابة الآن ومنذ عقود طويلة، هو قدرتها على قول كلّ شيء، على ابتلاع الأجناس الأدبية كلّها؛ الشعر والمقالة والقصة والحكاية والطرفة، بل أيضًا؛ التاريخ والجغرافيا والفلسفة وعلم النفس والاجتماع، ربما أرفض مثلًا أن تقول إحدى بطلاتي فكرة طافت بخاطري أثناء الكتابة، فأردعها بابتسامة ماكرة: "ومن أين لكِ بتلك الفكرة؟".
هل تعتقدين أن "الخلود" هو الهدف الأسمى للأدب؟
* لا، إذا نظرنا إلى حال الأدب منذ آلاف السنوات، سنجد أنه لم يتبقَ منه إلا القليل، ومع معرفة أننا على سطح كرة أرضية تتحرك وهي تدور حول محورها وحول الشمس، وأن الشمس نفسها تنطلق بسرعة هائلة في رحلةٍ لا تتوقف نحو السديم الأسود، ونحن لا نعرف عنها شيئًا، وأن الإنسان نفسه ليس مركزًا للكون -كما كان يعتقد قديمًا- بل أنه يعيش على كوكب لا يُرى بالعين المجردة بمجرد ابتعاد التليسكوبات الحديثة عنه، مع هذه المعرفة؛ ينبغي علينا أن نكون أكثر تواضعًا مع كلمة الخلود، فالخلود نسبي للغاية، فإذا كان كلّ ما حولنا يتحرك نحو هدفٍ أسمى نجهله، هل يمكننا التحدث عن الخلود؟!
كيف تتعاملين مع "نقد" القراء الذين لم يفهموا رواياتك؟
* أحاول بدوري فهم أسباب عدم فهمهم، في الواقع؛ رواياتي ليست سهلة أيضًا، ليست مثلًا حكاية تاريخية يعرفونها مسبقًا ويتلمسون أصداءها في كتب التاريخ، وليست مشكلة اجتماعية مثل رسائل صفحات الجرائد الشهيرة أو البرامج الإذاعية الشهيرة: "حلُّ مشكلتك عندنا"، وهي ليست مجرد حكاية لتسليتهم قبل النوم، ومن ثم، أجدني متعاطفة مع عدم فهم بعضهم.
هل الأدب قادر على "تغيير العالم" أم هو مجرد رصد له؟
* الأدب بالفعل يغير الواقع، وذلك عهده منذ الرسوم الأولى للإنسان البدائي على جدران الكهوف. في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر لفتت الروايات الأنظار بقوة إلى جريمة الإتجار في البشر والعبودية، وكان وقع رواية مثل "كوخ العم توم"، أكثر تأثيرًا من كلّ منشورات الشجب والمعارضة. الأدب يطرح الأسئلة الوجودية والإنسانية الكبرى، ويخاطب القلوب والعقول عبر فيض من الجماليات تجعل مشاعر وعقل القارئ مختلفة بعد قراءة عملٍ جيدٍ عمّا كانت قبل قراءته. نعم، لعب الأدب والفنون عامة دورًا كبيرًا في التخلص من التمييز العنصري ضد اللون أو الجنس أو استعمار الشعوب الأقوى للأضعف منها، لفت الأنظار بقوة إلى وضع الزنوج والمرأة، وهو يواصل مشواره فيما يخص الحريات العامة والخاصة الآن.
ما القيمة التي تضحين من أجلها بموهبتك؟
* ابني، وبدون التفكير للحظة واحدة، فهو أروع قصائدي، وأعظم رواياتي، ومعجزة حياتي ونورها.
كيف تصفين علاقتك بـ "الموت" في نصوصك؟
* يظل "الموت" مدهشًا، وموغلًا في غموضه، وملهمًا أيضًا، في بعض الأحيان أبكي حين تموت شخصية من شخوصي، رغم معرفتي بيوم موتها وطريقته منذ فترة طويلة، قد تكون في بداية رحلتها السردية أو بعد قليل، ولكن ما سيظل يدهشني أن بعض أبطالي تمردوا في منتصف الكتابة على الموت نفسه، وواصلوا الحياة.
سابعاً: في تحليل الأعمال (تطبيق نقدي)
لهو الأبالسة: كيف بدأت "لهو الأبالسة" كخطوة لكسر التابو الأدبي؟
* كنت آنذاك شاعرة متحققة، حاصلة على التكريم اللائق والجوائز، لم يكن هناك شيءٌ يجبرني على كتابة رواية ضخمة مثل "لهو الأبالسة" إلا موجة غضبٍ عاتٍ تحاول الإجابة عن سؤال: "لماذا أصبحنا هكذا؟!"، كلُّ ما حولي كان ينضح بالعشوائية؛ طُرق التفكير في الأزمات ومحاولة الخروج منها، الكراهية، القبح، الفقر، عدم اكتمال أيّ شيء في بلدي؛ لا التعليم الذي صدرناه للدول المجاورة حتى وقت قريب ولا السينما التي كنّا روادها ولا الأدب الذي كنا فناراته المضيئة، ولا النحت الذي اخترعناه وبقي ماثلًا أمامنا في معابده منذ آلاف الأعوام ولا الفكر الذي أضاء السماوات العربية في القرن العشرين. كان ولا بدّ أن تُكسر كلّ التابوهات التي تمثل أعمدة خشبية ينخرها السوس في بناء خاوٍ على عروشه، كان ولا بدّ من تفكيك كلّ شيءٍ لطرح المزيد من الأسئلة الإنسانية.
ميس إيجيبت: هل كان مقتل "نفرت جاد" مقتلاً جمالياً أم مجتمعياً؟
* "نفرت جاد" هي مصر، الجميلة، الشابّة على مرّ الزمان، وكما كتب نقاد كثيرون عنها، بالفعل هي الرمز الذي تم قتله دون رحمة، تم تشويه جماله، وهوية وجوده، في "ميس إيجيبت" يتبدل حال الشوارع ليصير أقبح، تزداد الميادين سوادًا وازدحامًا، تدخل الجميلة المقتولة إلى كوابيس وأحلام الناس جميعًا، سواء مَن عرفها أو مَن لم يتعرف إليها، وتسألهم: "بأيّ ذنبٍ قُتلت؟!"، يقضّ شبحها مضاجع مَن ينامون، وتأخذهم من أيديهم لتفرجهم على آيات جمالها المنثور في المعابد القديمة وتحت سفح أهرامات الجيزة وفي الألف مئذنة وعلى ضفاف النيل، ولا تتركهم يستريحون ولو للحظة واحدة.
رحلة الضباع: لماذا الضباع تحديداً كرمز للاستحواذ على التاريخ؟
* الضبع حيوانٌ دنيءٌ، فهو يأكل الجيفة عادةً، ولكن ليس هذا ما جعله رمزًا في الرواية، وإنما طريقة التهامه لفريسته، حيث لا يترك منها شيئًا على الإطلاق، حتى أنه يأكل عظامها ومخالبها وشعرها، يلتهم كلّ شيءٍ ولا يترك إلا بقعة بيضاء لا يستدل منها على ملامح ما أكله بالضبط، وبعض محطات التاريخ كانت هكذا بالضبط، تم التهام بعض الحقائق وإخفاؤها إلى الأبد، ولم يتركوا لنا منها إلا بقعًا بيضاء ملوثة.
بياض ساخن: كيف تصف المصادفة "البياض" كرمز للعدم أو البداية؟
* تدور أحداث "بياض ساخن" في عام 2012 -تحديدًا- حين كانت مصر تمرّ بتحولات سياسية واجتماعية كبرى، ومنعطف تاريخي حاد يراه جيلنا بعينيه للمرّة الأولى في حياته؛ جُنت الشوارع، واختلط كلّ شيء ببعضه؛ الحلم بالكابوس، القاتل بالمقتول، الظالم بالمظلوم، أكثر الشباب نبلًا بأكثرهم دناءة. رأيت مصر آنذاك مثل مريض الشيزوفرينيا لا تعرف يسراه ما تفعله يمناه، بطلة الرواية هكذا؛ تحاول الإمساك بذلك البياض الساخن الثائر في رأسها والمنتشر حولها لتعيد تشكيله إلى شيءٍ ما، وعبر رحلتها المجنونة في الميادين المكتظة بالبشر تقول كلّ شيءٍ؛ لعلّ وعسى...
لعنة ميت رهينة: ما الذي يربط التاريخ الفرعوني بالواقع المتشظي؟
* كلُّ شيٍ تقريبًا؛ يسير أهل قرية ميت رهينة ووجوههم نحو الأرض، يقول أحدُ أبطال الرواية: "ربما يبحثون عمّا دفنه أجدادهم تحت الأرض منذ آلاف السنوات"، ويقول آخرون، بل خجلًا من رؤية جدران معبد بتاح التي ما زالت بكامل رونقها، من تمثال رمسيس الثاني الذي يقف بكل شموخ العالم وعظمته وقدرة مَن نحته بهذا الشكل على الخلق والإبداع، يقارنون بين حالهم الآن وما كان عليه أسلافهم، وعندما لا يجدون أجوبة عن أسئلتهم، يواصلون الحفر تحت بيوتهم للاستيلاء على ذلك الإرث الذهبي.
يوم الثبات الانفعالي: كيف يتحول "الثبات" إلى قناع للمتغيرات؟

* "يوم الثبات الانفعالي"، كانت نبوءة مبكرة لما سيحدث للأمكنة في القاهرة، عشنا من قبل حالة مغادرة الأماكن أثناء سفر الإنسان من مكان إلى آخر، ولكنه كان يشعر بأمانٍ ما، في أعماق نفسه، حيث إنه يعرف أن ذلك المكان موجودٌ، وأنه ما زال يحتفظ بآثاره وظلاله ورائحته بشكلٍ أو بآخر، أما أن نرى الأماكن وهي تغادرنا إلى غير رجعةٍ، فهذه كانت جديدة بالنسبة إلينا. تدور الرواية حول مجموعة من الشباب يتدربون على ما يُسمى "الثبات الانفعالي"، ومن خلال منظمة سرّية، يتقنون تحويل وجوههم إلى سمتٍّ بلاستيكيّ يخفي مشاعرهم، بل تحاول تلك المنظمة اسئصال مشاعرهم حتى يستطيعوا المساعدة في المهمة الموكلة إليهم بإزالة الأمكنة، وعليهم ألّا يتعاطفوا مع ذكرياتهم وهي تئن تحت معاول الهدم، أو مع أهل الحيّ وهم يحاولون جمع ما يستطيعون من جنبات غرفهم وشوارعهم كمحفز لذاكرتهم التي سرعان ما سيغيبها النسيان.
إبداعات جديدة: هل نجحت في صناعة "جيل" أدبي مختلف؟
* معظم الأصوات التي قدمتها "إبداعات جديدة" هي الموجودة الآن، ما زال أصحابها يكتبون ويحاولون، وحقق بعضهم نجاحات لا بأس بها، أثناء رئاستي لها، أردت أن يكون اتجاهها مغايرًا، من حيث مغامرات الكتابة نفسها، ليتحقق اسم السلسلة، وأظن أن ذلك ما حدث، كانت مجموعة من المغامرات الجمالية الجديدة بالفعل.
الشعر: لماذا لا تزال قصائدك القديمة تبدو "نبوءة" لرواياتك؟
* في المرحلة الثانوية كنت أقصّ على زميلاتي القصص، وأروي لهنّ الروايات أثناء مشينا الطويل من وإلى المدرسة، كنت أبدأها هكذا: كان عندنا في البلد... أو حدث أن... أو حدث لـ... وأؤلف حكاية، ولكنني أمام الميكرفون كنت أقرأ محاولاتي الأولى لكتابة الشِّعر، ربما لأنني كنت غير مكتملة ومحتشدة وبدون تجارب وخبرات ولا أمتلك من أدواتي سوى روحي - الأنا- فرأيت وقتها أن أبدع فيما أعرفه بالإضافة إلى القصّ الشفاهي، وهكذا أكون قد بدأت السرد في مرحلة مبكرة أيضًا دون أن أدرك، وربما تسللت نبوءة الروايات المحتملة إلى قصائدي.
ثامناً: التشريح الفني والجمالي للأعمال (تطبيق نقدي دقيق)
كيف تعيدين صياغة "الخطيئة" بمفهومها الفلسفي في رواية "لهو الأبالسة"؟
* الإنسان هو ابن الخطيئة، هو محصلة أخطاء يمارسها طوال حياته ليتعلم منها، ليس ملاكًا لا يخطئ أبدًا، وليس إبليسًا مفطورًا على محبة الخطيئة، الفرق بينه وبين إبليس أنه يخطئ وفي والوقت نفسه يكره أخطاءه ويحاول التملص منها، حال لم يستطع مقاومتها أو التغلب عليها، القلق الوجودي هو ما يميزه عن الملائكة والأبالسة، عدم امتلاك يقين ثابت مثلهما؛ سواء بالنور المطلق أو الظلام المطلق هو ما يدفع به نحو مغامرة الحياة نفسها، وهذا هو حال أبطال "لهو الأبالسة".
هل يمثل "الزمن" في "ميس إيجيبت" عنصراً درامياً أم أداة لتفكيك الواقع؟
* لم يكن الزمن في "ميس إيجيبت" مجرد سهم منطلق في الفضاء إلى ما لا نهاية، مكون كما نعرف، من ماضٍ وحاضر ومستقبل، بل كان دائريًّا أحيانًا، وأحيانًا أخرى مثل كرة البينج بونج؛ ذهابًا ومجيئًا من الماضي إلى المستقبل، ومن الحاضر إلى المستقبل، تحدث النقاد وقتها عن الزمن الاستباقي فيها أيضًا، ولديهم الحقّ، فبطلة الرواية نفسها شبحٌ لا يحدّه مفهوم الزمن الذي ندركه، يتسع مجال رؤيتها لما حدث وما سيحدث، وتعرف جيدًا مَن قتلها ولمَ، وتشير إليه طوال صفحات الرواية.
كيف تصف المصادفة "القبح" كقوة فاعلة وليست مجرد خلفية في سرودها؟
* القبح مثل مرادفه الجَمال، قوة دافعة وفاعلة مهمة، ومثلما يُنتج الجَمال المزيد من تجلياته، يُنتج لنا القبح المزيد من العنف والفقر والحنق والعدوانية، في الشوارع والميادين القبيحة، يتبادل الناس نظرات الكراهية بدون أسباب محددة سوى إحساسهم العميق بالغضب وعدم الانتماء وافتقاد الشعور بالأمان، عند الأزقة المهملة الفقيرة الخالية من وجود شجرة واحدة أو وردة مورقة لا يفكر بالناس في المحبّة بقدر ما يفكرون في ضرب أحدٍ ما، غياب نافورة مياه يخفف رذاذها إحساس الناس بسخونة الجو، وعدم وجود تمثال تشدُّ مهارة نحته انتباههم، يجعلهم أكثر عنفًا. الإنسان مخلوقٌ للسعي نحو تحقيق الجَمال، وعندما يعيش في القبح تلهو في عقله كلّ أبالسة الكون.

ما دلالة "تعدد الأصوات" في رواياتك كتقنية لمناهضة السرد الواحد؟
* كلّ رواية تفرض أسلوبها السردي، وفقًا لأبطالها وأحداثها، ولكن؛ أوَلم يكن السرد هكذا منذ الأزل، مثله مثل الحياة، ويعتبره الغرب كتابها الآن، كلّ رواية هي مجموعة أصوات تشكل في النهاية الأحداث، وتسمح للشخوص بالتعبير عن نفسها بدون ملل، ربما يخص الصوت الواحد الآن الخطابة أكثر، رغم أنه أنتج لنا قدرًا لا بأس به من الروايات الكلاسيكية الرائعة والخالدة، ولكن، ومع هذا الإيقاع الحديث المتسارع أنا نفسي لا أستطيع الاستماع إلى صوتٍ واحدٍ لفترة طويلة، مهما كانت أهمية ما يقوله.
ما سر الميل لإنهاء الروايات بنهايات "مفتوحة على التساؤل"؟
* الرواية نفسها كمفهوم لا تجيب عن الأسئلة بقدر ما تطرح المزيد منها، ثمة احتمالات لا تُحصى لمصائر الأبطال، وعندما يحدد الخيط الدرامي أحدها، نحن لا نكون على يقينٍ تامٍ بما حدث للبقية، الحياة في حدّ ذاتها تذهلنا كلّ يومٍ بالجديد من الاكتشافات العلمية، يتحدثون الآن عن سلوك الذرّة المحيّر، وعن احتمالية وجود عوالم موازية، شيءٌ قريبٌ للغاية ممّا تفعله الرواية منذ سنواتٍ.
كيف تحولين "التفاصيل اليومية البسيطة" إلى أيقونات ذات دلالات رمزية؟
* في الواقع أرى كلّ ما حولي رموزًا واضحة الدلالة، أظن أن عين الروائي لا ترى أيّ شيءٍ بسيطًا؛ لا أدع تفصيلة تمرّ أمامي بسلام، أحاور الطيور والنباتات، أرى روح الشوارع وأميز سمتها، أرى الاختلاف واضحًا بين ورقة وأخرى على غصنٍ واحدٍ بالشجرة نفسها، وربما يرى غيري الأوراق متشابهة، ولكنني أجزم أنه ولا ورقة تشبه الأخرى في هذا الكون الفسيح، لا يشبه شيءٌ شيئًا آخر، حتى التوءم المتماثل؛ لا يشبه أحدهما الآخر.
ما هو تأثير "التكنيك السينمائي" (اللقطات السريعة، القطع) على تدفق الحدث الروائي لديها؟
* تضبط تقنية القطع السينمائي، واللقطات السريعة إيقاع الأحداث لديّ وتدفقها، خصوصًا وكلّ رواياتي تتعامل مع الزمن وكأنه عجينة يتم تشكيلها أكثر من مرّة وفقًا لتصاعد دراما الحدث، يتيح لي سبر أعماق النفس البشرية لدى شخوصي، ومعرفتهم عن قربٍ أكثر، يحقق التشويق والإثارة اللازمة لبناء الرواية.
ما هي وظيفة "الحلم" عندك، هل هو هروب أم كشف للواقع؟
* الحلم/ الكابوس، يمثل نبوءات ملغزة وقادمة -لا محالة- تعبر الأحلام عن القلق الوجودي الملازم لشخوصي، وتفتح الكوابيس أبواب كشف الواقع الذي يصير جحيمًا أحيانًا، ولأن أبطال رواياتي مأزومون دائمًا - كنا قد اتفقنا أنه لا يُكتب عن الطبيعين- فهم يرون الكثير من الأحلام والكوابيس، للهروب من نيران الأحداث المشتعلة أو لإيجاد طريقة تمكنهم من التعامل معها.
تاسعاً: التقنيات اللغوية والرمزية (أدوات الكاتبة)
كيف توازنين بين "اللغة الشعرية المكثفة" واللغة "التقريرية للواقع"؟
* عندما أستمع إلى الناس في الشوارع لا ألمح هذا الفاصل الواضح، أكاد لا أتعرف إلى اللغة التقريرية تلك، على العكس تمامًا، حتى في مشاجراتهم اليومية العادية، يستخدمون في شتائمهم المجاز كثيرًا، يطلقون على بعضهم بعضًا صفات الحيوانات ويستخدمون تشبيهات شديدة الإعجاز، وخفيفة الظل إلى درجة مثيرة للإعجاب، لغة الواقع ليست تقريرية على الإطلاق وإنما يتم تحويلها إلى تقرير في بعض الروايات الركيكة.
ما الألوان التي تهيمن على مخيلتك الروائية، وما دلالاتها؟
* كلّ الألوان، وألوان أخرى لم تُرى من قبل، وإنما قمت باشتقاقها من ألوان الطيف الرئيسة، حال تورط بطل ما/ بطلة ما في وصف ما تراه وفقًا لحالتها النفسية، أظن أن الروائي تكون له عين الفنان التشكيلي أيضًا، يخترع ألوانًا جديدة، في لحظاتٍ معينة تفرضها عليه الأحداث.
هل تعتبر "الرواية" بالنسبة لك معمل تجارب لغوية أم حاملة لقضايا؟
* الرواية ليست قضية، لتحملها اللغة، وليست أيضًا مجرد حكاية لتقوم اللغة بتوصيلها، الرواية هي كلّ شيء، هي كما يطلقون عليها في الغرب: "كتاب الحياة"، واللغة ببنيتها الجمالية تلعب دورًا بالغ الأهمية في الحياة نفسها، في انتقالات الإنسان الحضارية الكبرى، فإذا كانت اللغة في البدء صاحبة فضلٍ في تمييز الإنسان عن بقية المخلوقات فكيف حولناها إلى قاطرة حاملة أو توصيلية؟! اللغة في رواياتي تفجر الأحداث أحيانًا، وتلهم أبطالي بما عليهم فعله للنجاة، سواء بما تحمله من موروث ثقافي شعبي، أو بصفتها التوالدية التي تلهمهم ببعض مفاتيح النجاة.
ما هو دور "الصمت" في رواياتك، وكيف تكتب ما لا يُقال؟
* يلعب الصمت دورًا بارزًا في أحداث رواياتي، ويكاد يُسمع أحيانًا؛ حين يصمت الكون إجلالًا قبل بزوغ الشمس، حين تسكت الأصوات والأشياء في انتظار كارثة ما، عندما لا يجد أحد الشخوص ما يقوله أمام سطوة الجَمال، أو لا يجد الثوري ما يقوله أمام فُجر الظالمين، والتعبير عن هذا الصمت لغويًّا هو ما يميز روائي عن آخر.
كيف تستخدمين "التناص" مع الأعمال الأدبية العالمية لإثراء النص؟
* في كلّ رواياتي -تقريبًا- توجد شخصية المثقف، سواء كان رجلًا أو امرأة، وهو بالضرورة قارئ للأعمال الإبداعية الكبرى، يذكرها في سياق الأحداث، أو يتناص معها في بعض محطاته الفكرية، يحاورها، ويسائلها، وتلهمه أحيانًا بما ينبغي عليه فعله إزاء ما يمرّ به، وهل ما زلت صالحة لقراءة خرائط البشر والحجر؟! في "رحلة الضباع" ظهرت رواية "العطر" لباتريك زوسكيند، وفي "الرُّبع الميت" "الجريمة والعقاب" لدوستوفيسكي وكذلك "أنّا كارنينا" لتولستوي، وفي "الحديقة المحرّمة" استلهام لحكاية قابيل وهابيل، وفي "شيءٌ من سالومي" تم عنونة الفصول بأشهر أبيات ومقولات المتصوفة الكِبار، وهكذا... بقدر ما تفرضه الحالات النفسية لأبطالي، فهم يتقاطعون مع الإرث الأدبي والإنساني العالمي.
هل تمثل "الطبيعة" (الحيوانات، الجو) في أعمالك شريكاً في الفعل الدرامي؟
* بالتأكيد، وهي مؤنسنة تقريبًا، أي أن الأماكن تمتلك روحًا وذاكرة، والحيوانات تمتلك مشاعر؛ تحلم وتحبّ وتكره، ولا ينقصها إلا الكلام، والأشجار تغضب فتمتنع عن الإتيان بثمارها، وهذا هو ما يحدث بالضبط في الواقع، كما أراه.
ما هي "الاستعارة الكبرى" التي تبني حولها كل رواية؟
* كلّ رواية تختلف عن الأخرى، في إحداها: "يوم الثبات الانفعالي" مثّل "المحو" الاستعارة الكبرى؛ محو الأمكنة بذكرياتها وسكانها ومقابرها، طوال صفحات الرواية كانت ذكريات الأزقة تئن تحت صوت الجرّافات العملاقة، ومعها يتأمل الأبطال كلّ الأفكار المتعلقة بابتلاع الزمن لهم ومحوهم، في "ميس إيجيبت"، متلازمة القبح/ الجَمال، وما يطرحانه من أسئلة وجودية ستظل مؤرقة للإنسان ويتوالد منها المزيد من الأسئلة، في "لهو الأبالسة" تتفجر الهوية إلى شظايا ما زلنا نحاول لملمتها حتى هذه اللحظة، في "رحلة الضباع"، ملاحقة لا تهدأ للبقع البيضاء الملوثة التي تتركها الضِباع -عادة- بعد التهام فرائسها، في "بياضٌ ساخن"، مجدُ كلمة: "لا"، بتنويعها الوجودي، وفي "لعنة ميت رهينة" اغتراب الإنسان المصري عن ماضيه الذهبي البعيد، وفي "الحديقةُ المحرّمة"؛ الجَنّة المخبأة بعيدًا عن واقعنا الغارق في عادات بالية أدت إلى خصوماتٍ تاريخية، لم يعد أحد المتصارعين يتذكر بوضوحٍ أسبابها، في "شيءٌ من سالومي" المحبة والفقد، وهل تستطيع رحلة تصوف روحية انتشال الإنسان من هواجسه ومرارات تجاربه، وفي "الرُّبع الميت" اغتيال المدينة وتحديدًا الكتل الإسمنتية التي نعيش فيها للبراءة.
كيف تتجنبين "الوقوع في فخ التكرار" في رسم الشخصيات المتشابهة؟
* أسأل نفسي بعد كتابة الصفحات الأولى لأيّ رواية من رواياتي: "هل هذا خلقٌ جديد؟"، وحال اطمئناني لكونه جديدًا يفرز بنفسه شخصيات لم تُرى من قبل، لينطلقوا في رحلةٍ لا تشبه بقية الرحلات، لتدور أحداثٌ من الصعب وجودها إلا في مخيلتي وواقعي، مع إدراكي بأنه في هذا الكون الفسيح، لا تشبه شخصية أخرى، وكما قلت مسبقًا؛ لا تشبه حتى ورقة شجر الأخرى على الغصن نفسه بالشجرة نفسها.
هل اللغة عند المصادفة "أداة تعبير" أم "أداة تشريح"؟
* إذا لم تستطع اللغة التعبير عن رؤى الروائي ورؤيته وأحلامه وخرائط روح شخوصه وأمكنته وإيقاع أزمنة سرده، فإنها تعجز بالتالي أن تكون تشريحية، لتسائل الواقع بتاريخه وجغرافيته عمّا جرى ولماذا نحن هكذا؟!
عاشراً: البعد الإنساني وفلسفة الوجود (أسئلة المصير)
هل الكتابة عند سهير المصادفة هي محاولة لترميم "ذاكرة مهدمة"؟
* حين أستدعي أحداثًا بعيدة، أو عندما يعود أحد أبطالي إلى الوراء، لتقصي ما جرى بالضبط آنذاك، بالتأكيد يرمم ذاكرته المهدمة، ولكن محاولة ترميم الذاكرة المهدمة لا تصلح كتعريف وهدف للكتابة، بل هو مجرد أداة ضمن أدوات أخرى كثيرة.
كيف ترىن علاقة "الكاتب بالسلطة" (سواء كانت سلطة المجتمع أو الدولة)؟
* مثلي مثل بقية الكُتاب، في معظم محطات التاريخ علاقة الكاتب بالسلطة تصادمية، فالكاتب ينحاز بالضرورة إلى الناس المعذبين تحت نير الفقر والجهل والمرض، والدولة ترى دائمًا أن ذلك ما فعلوه بأنفسهم ولو أرادوا لخرجوا ممّا هم فيه، ولأن الكاتب لا يفضل الانضمام لإحدى الفصائل السياسية، من حيث كونه لا يصلح لأي تنظيم، فمثله مثل الطير عليه أن يحلّق عاليًا، لا تعاليًا وإنما لتتسع رؤاه، ومثله مثل الواقف أمام لوحة تشكيلية، وعليه أن يبتعد لمسافة محددة لكي يفهمها، ومن ثم لا يستطيع تغيير واقعه الذي يتمرد عليه بيديه، بل بكلماته، هو أيضًا يصطدم بسلطة المجتمع التي تفعل ما تفعله منذ مئات السنوات وتنتظر كلّ يومٍ نتائج مختلفة! تضيّق بنفسها مجال الحريات الاجتماعية متعللة بالعادات والتقاليد، تُعلي من قيمة أشياء عجيبة تجاوزها الزمن، ومع ذلك نرى انحدار المنظومة الأخلاقية للمجتمع يومًا بعد يومٍ. أظن أن علاقة الكاتب بأي سلطة هي بالضرورة علاقة تصادمية.
ما هو السؤال الوجودي الذي لم تجدي له إجابة في رواياتك بعد؟
* مَن أنا؟! هل الكون بكلّ ما فيه بالفعل بداخلي؟! أم أنني مجرد ذرّة غبار لا تُرى في ذلك السديم اللامتناهي؟! رواياتي لا تجيب عن الأسئلة جميعها بقدر ما تطرحها من خلال أبطالي المختلفين في توجهاتهم: الدينية، والسياسية، والعلمية، الذين يؤرقهم القلق الوجودي، ويحاولون إيجاد إجاباتٍ تخفف من غلواء قلقهم، وعادة تنتهي الرواية بطرح المزيد من رؤاهم المحملة بالأسئلة.
كيف تتعاملين مع "خيبة الأمل" التي قد تصيب الكاتب بعد صدور عمله؟
* أتذكر على الفور "سيزيف"، ذلك المحكوم عليه برفع صخرة كبيرة ليضعها على قمّة جبلٍ عالٍ، وما يكاد يصل تتدحرج صخرته إلى الهاوية، فيعود ليحملها من جديد، كلّ رواياتي هي هذه الصخرة، محاولات لرفع أثقالٍ هائلة تؤرقني، أحيانًا، أظن أنني أتممت رسالتي بكتابتها ونشرها، ولكن الصخرة تعود بكامل وزنها ثانية لتؤرقني من جديدٍ، وعليّ رفعها من جديد، ومثل حال "سيزيف" تمامًا، لا أجد الوقت ولا المبرر لخيبة الأمل، بل أحيانًا؛ تتحول مشاعري باللاجدوى إلى مدخلٍ لكتابة عالمٍ جديد.
هل تؤمنين أن الأدب هو "آخر خطوط الدفاع" عن كرامة الإنسان؟
* نعم، ولكنه كان الأوّل أيضًا، مذ حاول الكتابة على جدران كهفه، واصفًا ضخامة الوحوش التي تتربص به وتقطع طريقه. منذ فترة ألاحظ أن الجميع بالفعل اتجه إلى الأدب كقلعة أخيرة للدفاع عن كرامة الإنسان، قلَّت الكتب السياسية أو التاريخية أو الاجتماعية المهمة، وبدأ الجميع ومن كافّة الوظائف والاتجاهات في كتابة الأدب، وتحديدًا؛ الرواية، ففيها رحابة ومتسع للتعبير عن أحلامهم وكوابيسهم دون أن يتعرضوا للأذى -كما يتصورون- ورغم أنني أقرأ في الآونة الأخيرة نصوصًا شديدة التفرد لأصواتٍ شابّة غير معروفة، فإن الأدب يظلّ أدبًا، يلفظ من أرففه وبقسوة ما لا يمتّ له بصلة.
ما هي المسؤولية الأخلاقية للروائي تجاه "المهمشين" الذين يكتب عنهم؟
* أن تصل أصواتهم كاملة دون تدليس، أن يراهم القارئ، ويعرف أنهم مروا من هنا، عاشوا الحياة دون أن يلاحظوا أنهم أحياء، كانت لديهم أيضًا أحلام وكوابيس وشكاوى لم يستطيعوا توصيلها لأحدٍ، إلا لله، لم يعرفوا حتى الفرق بين الحياة والموت، أو لماذا هم بالذات هكذا؛ ولدوا ليموتوا دون تذوق أيّ شيء.
كيف تعرّف "النجاح" بعيداً عن أرقام المبيعات والجوائز؟
* كما ينبغي أن يكون النجاح، فهذا حلم جميع الروائيين الحقيقيين على مرّ الزمان، ألّا يكون نجاحه هبّة إحدى لجان الجوائز، أو نتيجة سعي إحدى دور النشر لتسويق روايته، أن يظلّ اسمه محفورًا في ذاكرة محبيه من القراء والنقاد وحتى زملائه من الكتاب؛ سواء كانوا؛ محبين أم كارهين، ببساطة؛ ألّا يستطيع أحدٌ محوه من الوجود. عندما تعرفت إلى رواية "المعلم ومارجريتا" في مرحلة مبكرة من شبابي، صمت عن الكلام وفعل أي شيء لمدة شهرٍ كامل، خصوصًا بعد معرفتي بسيرة كتابتها، وسيرة حياة صاحبها "بولجاكوف" نفسه؛ كتبها أثناء محاصرته في فترة حكم "ستالين"، فأحرق مخطوطته أكثر من مرّة، خوفًا من نشرها، ثم أعاد كتابتها، فنشرتها زوجته بعد وفاته، فصارت الأشهر في الأدب الروسي، ضمن أحداث روايته، يلتقط الشيطان الذي كان يزور موسكو آنذاك مخطوطته المحترقة من نيران المدفأة ويقول له المقولة الخالدة: "إن المخطوطات لا تحترق". خرجت بعد صمتي الطويل آنذاك قائلة لنفسي: "هذا بالضبط ما ينبغي أن يكون عليه النجاح".

هل الكاتبة في حالة "خصومة" دائمة مع الواقع، أم محاولة للتصالح معه؟
* ومّن يريد أن يخاصم واقعه وينفصل عنه؟! أظن أن الواقع بأسره في حالة خصومة معي، وأظن أن الأمر كان هكذا ومنذ زمنٍ طويل، أوَلم يفقؤوا عين زرقاء اليمامة التي ترى أبعد ممّا يرون؟! أنا أحبّ الدنيا بكلّ ما فيها؛ شوارعها وميادينها وليلها وصباحها ونهارها وناسها وشجرها ونيلها وبحريها بلونيهما؛ الأبيض والأحمر، ولكنهم ولأسبابٍ تعود إلى قرونٍ مضت لا يسمحون لي -مثلًا- بأن أتجول وحدي في الثالثة فجرًا! لا يسمحون لي بأن أكتب بحرّية ما أراه. أظن أنّ واقعنا نفسه في حالة خصومة مع المرأة منذ ألف عام أو يزيد، ولا يريد أن يتصالح مع وجودها أبدًا.
كيف يتغير "وعي الكاتبة" بذاتها مع كل رواية جديدة؟
* يصبح وعيى بعد الكتابة مختلفًا عمّا قبلها، تُفتح آفاقي الرؤيوية أكثر، تتوالد مشاهد أخرى لا تُعد ولا تحصى وتناديني مثل "النداهة" في حكايتنا الشعبية لأكتبها، أعيد قراءة الوجوه وملامح الغضب أو الفرح بعينٍ جديدة، تنفجر ينابيع أخرى، وأرى المزيد من الأحلام التي تلون ليلي ونهاري، والكوابيس التي تقض مضجعي فأعود راضخة لأكتب رواية جديدة.
إذا سُئلت: ما هي الرسالة التي تود أن تتركها سهير المصادفة "كإرث إبداعي" للأجيال القادمة؟
* رسالتي بطول مئات الصفحات التي سطرتها، لو أنني أستطيع تلخيصها لفعلت واسترحت واستراحت الأجيال القادمة، ولكنها - مع الأسف الشديد- غير قابلة للتلخيص، ربما فقط، أتمنى أن يعلقوا على أعمالي - المؤرِقة بالفعل- مرّت من هنا وكانت قادرة على الحلم والكتابة بحرّية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض