رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

تتردد بين الناس مقولة لافتة تقول إن “السنة” زمن ثِقَل ومعاناة، بينما “العام” زمن خِفة وأمل ورجاء.

مقولة تبدو في ظاهرها لغوية، لكنها في حقيقتها نفسية، وجدانية، وإنسانية قبل أي شيء آخر.

فالزمن في جوهره لا يتغير؛ ثلاثمائة وخمسة وستون يوما ً سواء سمّيناه سنة أو عاما ً، لكن الإنسان لا يعيش الزمن كأرقام جامدة، بل كإحساس متحرك. حين يمرّ بتجربة قاسية، يصبح اليوم أطول، والانتظار أثقل، والتكرار مرهقا ً، وهنا لا يعود الزمن مجرد مرور، بل اختبار، فينطقه القلب باسم “سنة”.

وحين يلوح أفق، أو يولد أمل، أو حتى يقرّر الإنسان أن يبدأ من جديد، يتغير الإحساس ذاته بالزمن، لا لأن الواقع تبدّل بل لأن النظرة تبدّلت. 

في هذه اللحظة لا نقول “سنة جديدة”، بل نقول “عام جديد”؛ وكأن الكلمة نفسها تحمل وعدا ً خفيا ً بالانفراج.

هذا الفرق الشعوري لم يأت من فراغ؛ فالاستعمال القرآني للكلمتين أسهم دون قصد مباشر في ترسيخ هذا الإحساس؛ فجاءت “السنة” في سياقات الشدة والابتلاء وطول المعاناة، كما في قوله تعالى:

“ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات”

فارتبطت الكلمة في الوجدان بزمن الامتحان، حين يطول الضيق وتتكرر الأيام بلا تغيير.

بينما جاءت “العام” في سياق مختلف تماما ً، سياق الفرج بعد القحط، كما في قوله تعالى:

“ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون”

فكان “العام” هنا فاصلا ً بين القسوة والرحمة، بين الانغلاق والانفتاح.

لكن الإنصاف يقتضي أن نقول إن القرآن لم يُحمّل الكلمات هذه المعاني بذاتها، بل اختار اللفظ الأنسب للصورة الشعورية التي يريد إيصالها، أي أن المعنى سبق الكلمة، لا العكس ونحن عبر الزمن التقطنا هذا الإيقاع، وصرنا نستخدمه دون وعي.

من هنا، لا يمكن اعتبار المقولة قاعدة لغوية ثابتة، ولا حكما ً دينيا ً قاطعا ً، بل قراءة إنسانية صادقة لطريقة شعورنا بالزمن. نحن لا نصف الأيام كما هي، بل كما نحتملها.

قد تمر “سنة” أخف من نسمة، إن كان القلب مطمئنا ً.

وقد يمر “عام” أثقل من جبل، إن كان اليأس مقيما ً في الداخل.

الفارق الحقيقي إذن ليس في الزمن، بل في الإنسان.

ليس فيما يمرّ بنا، بل في ما نحمله ونحن نمرّ.

لذلك نغيّر أسماء الزمن ؛؛؛

لا لأن الزمن يتغيّر؛ بل لأننا نحاول أن نتنفس داخله، أن نخفف وطأته، أو أن نمنحه اسما ً ألين حين نحتاج إلى الأمل.