بعد إعلان الدولة تطويرها..
البهنسا «بقيع مصر» الذى يحتضن آلاف الصحابة والتابعين
تعد قرية البهنسا من أبرز الوجهات السياحة الدينية فى صعيد مصر، فهى «البقيع الثانى» و«مدينة الشهداء»، ففيها دُفن الآلاف من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتابعين الذين استشهدوا خلال معارك الفتح الإسلامى لمصر سنة 22 هجريًا، على يد قيس بن الحارث المرادى.
لم تكن البهنسا مجرد قرية ريفية بسيطة، ففيها عُثر على الكثير من البرديات التى ترجع إلى العصر اليونانى الرومانى، ويقول عنها المؤرخون العرب إنها كانت عند فتح مصر مدينة كبيرة حصينة الأسوار، وكانت تحوى الكثير من الكنائس والقصور.
كما كانت من أقوى الحصون الرومانية فى صعيد مصر، وكانت خير شاهد على واحدة من أبرز معارك الفتح الإسلامى، وتم حصارها قرابة ستة أشهر قبل أن تفتح أبوابها للمسلمين، لتصبح بعد ذلك واحدة من أهم المدن ذات الطابع الإسلامى فى مصر.
وخرج منها العديد من العلماء العظماء الذين عاشوا وتربو على أرضها، منهم الإمام القرافى وهو أحد علماء المالكية الثقات، كما مرت العائلة المقدسة منها وعاش سيدنا يوسف عليه السلام فيها واستشهد على أرضها من الصحابة من شهدوا غزوة بدر، ومدفون بها محمد بن أبى ذر الغفارى وعبدالرحمن بن أبى بكر، وعدد من أبناء عمومة رسول الله والصحابة.
ويقال إنها سميت بهذا الاسم بسبب لأنها كانت خاضعة لحكم حاكم رومانى يدعى «البطليموس»، وكانت له ابنة بلغت من الحسن والجمال مبلغًا جعله يطلق عليها «بهاء النساء»، ومن هذا الوصف اشتُق اسم البلدة ليصبح بمرور الزمن «البهنسا».
ومع تدفق القرون، ازدهرت البهنسا فى العصر الإسلامي، لتصبح مركزاً لإنتاج أفخر أنواع النسيج المطرز بالذهب، فضلًا عن احتضانها لقصور ومبانٍ من التاريخ الحديث يتجاوز عمرها مائة عام.
أرض مبروكة لا تأكل أجساد الموتى
يعتقد أهل الصعيد أن تراب البهنسا «أرض مبروكة لا تأكل أجساد الموتى»، بالإضافة إلى الأسرار التى تحيط بـ «قبة الدكرورى» التى يقف العلم عاجزاً عن تفسير ظواهرها، بجانب معالم رحلة العائلة المقدسة متمثلة فى «شجرة مريم» التى استظلت تحتها السيدة العذراء والمسيح عليهما السلام.
أضرحة قرية البهنسا
تضم قرية البهنسا العديد من الأضرحة والتى تصل عددها إلى 17 قبة لصحابة وتابعين، من أبرزهم: محمد بن عبدالرحمن بن أبى بكر الصديق، وزياد بن الحارث بن أبى سفيان، والحسن الصالح بن على زين العابدين، وقبة «السبع بنات»، وقبة أبوسمرة، وهو عبدالحى بن الحسن بن زين العابدين البهنسى المالكى.
ولهذا السبب قال عنها شيخ الأزهر الأسبق الدكتور عبدالحليم محمود: «قف واخلع نعليك.. أنت فى أرض البهنسا»، حيث ورد عنه أنه عندما نزل إلى البهنسا وخلع حذاءه فسئل لما تخلع نعليك يا إمام؟ فقال كيف لا أخلع نعلى على أرض وطأتها أقدام الصحابة والشهداء.
ومن الآثار الإسلامية التى تضمها قرية البهنسا، قبة «زياد بن أبى سفيان»، وهو الأمير زياد بن الحارث بن أبى سفيان بن عبدالمطلب، وأبوه ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم، الذى حمل راية فتح البهنسا من عمرو بن العاص رضى الله عنه، وبُنى له ضريح مكتوب على جدرانه «هذا مقام المجاهد ابن المجاهد.
ضريح السبع بنات بقرية البهنسا
اختلفت الروايات حول «ضريح السبع بنات» المتواجد فى قرية البهنسا، ولكن الرواية الأكثر شيوعًا كما يتردد بين الزائرين إن بنات مصريات مجاهدات من الصحابة كن يسكن ديرا فى هذا المكان وكانوا يمددن جيش المسلمين بالمياه، وذات يوم حاصرهن جيش الرومان وقتلهن، فيذهبن النساء العاقرات لزيارة الضريح للتبرك حتى يمن الله سبحانه وتعالى عليهن بالإنجاب.
7 آلاف سنة فى قرية واحدة
لم تبدأ قدسية البهنسا مع بداية الفتح الإسلامى فقط، فتاريخها يمتد لآلاف السنين، إذ عُرفت فى العصر الفرعونى باسم «بر مجد» أى «مكان اللقاء»، وفى العصر اليونانى صارت «أوكسيرينخوس» أى «مدينة السمكة المقدسة» وأقيمت بها الألعاب الأوليمبية.
ومع قدوم المسيحية، كانت البهنسا محطة فى رحلة العائلة المقدسة، ومازالت «شجرة مريم» قائمة حتى اليوم، ويُقال إن السيدة مريم العذراء استظلت تحتها.
أما فى العصر الإسلامى فقد اشتهرت بصناعة النسيج الموشى بالذهب، وظلت عاصمة للإقليم من الواسطى حتى سمالوط حتى منتصف القرن الثامن عشر.
فى صباح الجمعة تتحول البهنسا لبهجة روحية مبهجة كالعيد
مع بداية يوم الجمعة ودخول وقت الصلاة تتحول قرية البهنسا لبهجة روحية كأنه يوم عيد، فيتوقف الباعة عن البيع والشراء وتتجه خطوات آلاف الأشخاص نحو المسجد لأداء الصلاة وزيارة الأضرحة والتبرك بالمكان، فيأتى لها الناس من كل حد وصوب.
لم ينتهى اليوم عند الصلاة فقط بل يتسع للاحتفالات الشعبية المختلفة، فترى شباب يتسابقون بالعربات فى الصحراء، وأخرون يركبون الجمال، فيمتزج المشهد بين الروحانية والمظاهر الشعبية المبهجة.
موقع قرية البهنسا
تقع قرية البهنسا على بعد 16 كيلو متر فى مدينة بنى مزار بمحافظة المنيا، وقال عنها المؤرخون بأنها مدينة حصينة لها 4 أبواب ولكل باب 3 أبراج.
ومن أهم معالم البهنسا شجرة مريم، التى استظلت تحتها السيدة مريم والسيد المسيح، ويوجد بجوارها بئر مردوم شربت منه السيدة العذراء وطفلها عيسى عليه السلام.
تطوير البهنسا
حرص وزير الأوقاف الدكتور أسامة الأزهرى على زيارة قرية البهنسا، التى تمثل أحد أهم المقاصد الدينية والتاريخية فى مصر، لما تحمله من مكانة استثنائية باعتبارها أرضًا احتضنت رفات عدد كبير من الصحابة والتابعين والعارفين، حتى استحقت لقب «بقيع مصر»، فضلًا عن امتلاكها مقومات أثرية وسياحية ودينية عظيمة، بفضل المزارات الإسلامية والأضرحة التاريحية القيمة التى تذخر بها.
وأكد وزير الأوقاف، أن الدولة عازمة على تنفيذ مشروع متكامل لتطوير المنطقة بما يحافظ على طابعها الإسلامى والأثرى ويبرز قيمتها الحضارية سواء فى عهدها الفرعونى أو المسيحى أو الإسلامى، وذلك باعتبارها واحدة من أهم المدن المصرية التى تضم آثارًا تمتد عبر مختلف العصور الفرعونية واليونانية والرومانية والقبطية والإسلامية.
وأوضح أن وزارة الأوقاف، بالتعاون مع مختلف الجهات المعنية، تعمل على إعداد موسوعة تاريخية وثقافية توثق كل ما كُتب عن البهنسا فى المراجع والرسائل العلمية، إلى جانب إطلاق منصة إلكترونية وتطبيق ذكى يقدمان خريطة تفاعلية وإحداثيات دقيقة للمقامات والمعالم الأثرية، بما يسهم فى تحسين تجربة الزائرين والتعريف بتاريخ المنطقة.
ومن المقرر أن تشمل خطة التطوير إنشاء ممرات مشاة لتسهيل حركة الزائرين، واستكمال أعمال البنية الأساسية والخدمات، فضلًا عن تطوير المنطقة المحيطة بمسجد الجمام، ومسجد الحسن بن صالح.
ويشمل التطوير أيضًا إنشاء قاعة عرض لتوثيق تاريخ قرية البهنسا، بالإضافة إلى توصيات بتوفير لوحات إرشادية باللغتين العربية والإنجليزية فى المنطقة، وذلك بجانب صيانة دورات المياه وتطوير مناطق ساحات السيارات.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض