خطبة الجمعة
الرفق.. بناء للإنسان وعمران للأوطان
نشرت وزارة الأوقاف، موضوع خطبة اليوم الجمعة بعنوان: «الرفق.. بناء للإنسان وعمران للأوطان».
وأوضحت الأوقاف، أن الهدف المراد توصيله من خطبة الجمعة هو «التوعية بقيمة الرفق واللين وأنهما طريق لكسب القلوب، وبناء إنسان سوى ووطن قوى».
وبينت الأوقاف، نص خطبة الجمعة كالتالى:
الحمدُ للهِ الذى جعلَ الرفقَ بين عبادِهِ صلةً وأمانًا، وبعثَ نبيَّهُ بالرحمةِ للعالمينَ إمامًا، وشيَّدَ به للألفةِ صرحًا ومقامًا، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، رحمنُ الدنيا والآخرةِ ورحيمُهما، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُهُ، كانَ بالمؤمنينَ رؤوفًا رحيمًا، وعنِ الجاهلينَ عفوًّا كريمًا، صلَّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ عليه، أمَّا بعدُ، فيا عبدَ اللهِ:
١-اجعل الرفقَ شعارَ تعاملكَ الراقى: وانشرْ بذورَ اللينِ فى قلبِكَ وفيمن حولَكَ، فالرفقُ هو الركيزةُ الأولى فى بناءِ الشخصيةِ السويةِ المتزنة، وبه تزكو النفوسُ من عوارضِ الحقدِ والضغائنِ المدمرة، فالمؤمنُ الحقُّ من يلزمُ اللينَ فى أحوالِهِ وأوقاتِهِ، ليكون عاقلًا فى سكناتِهِ وحركاتِهِ، وليتحولَ إلى صاحبِ حكمةٍ بالغةٍ فى كلماتِهِ وعلاقاتِهِ، إذْ ما كانَ الرفقُ فى طبعِ إنسانٍ إلا زانَهُ وقوَّمَهُ، ولا نُزعَ منه إلا شانَهُ وحطَّمَهُ، فصُنْ بالرفقِ نفسَكَ، وحصِّنْ باللينِ حياتَكَ، تَبْنِ جيلًا قويًّا فى مبادئِهِ، رحيمًا فى تعاملاتِهِ، مستقيمًا فى أحوالِهِ، وقد أكَّدَ المصطفى صلى الله عليه وسلم أثرَ هذا الخلقِ فى نماءِ الإنسانيةِ وفلاحِها، وبناءِ النفسِ وصلاحِها، فقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ، فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ».
٢- كنْ هيِّنًا ليِّنًا رفيقًا بشوشًا: فبالرفقِ واللينِ تُشيَّدُ أركانُ البلدان، وتتلاحمُ سواعدُ الإنسانِ لبناءِ وطنٍ راسخِ البنيان، واحذرْ من الغلظةِ فإنها مفسدةٌ للصلات، ومُفَرِّقةٌ للجماعات، وتأملْ كيف جعلَ اللهُ الرفقَ سببًا لائتلافِ القلوب، فهو الأساسُ لكلِّ وطنٍ متماسك، وبنيانُهُ متشابكٌ، فالوطنُ لا يشتدُّ بنيانُهُ ولا تقوى أركانه، إلا بمجتمعٍ يرحمُ قويُّهُ ضعيفَهُ، ويحنو كبيرُهُ على صغيرِهِ، ويسودُ الرفقُ فى شوارعِهِ وأسواقِهِ، وتتجلى الرحمةُ فى تعاملاتِهِ وأخلاقِهِ، فلِينوا فى تعاملكم مع القريب، وتلطفوا فى معاشرتكم مع الغريب، وأصلحوا بالرفقِ ذاتَ البين، واقضوا به حوائجَ الدنيا والدين، فالمؤمنُ الواثقُ يعلمُ أنَّ حسنَ الخلقِ وحسنَ الجوارِ يعمرانِ الديار، ويزيدانِ فى الأعمار، فباللينِ تدومُ الألفةُ، وتزولُ الشحناءُ، وتتحولُ العداوةُ إلى مودةٍ وعطاءٍ، مصداقًا لقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِى عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِى عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِى عَلَى مَا سِوَاهُ».
٣- تنسَّمْ عبيرَ اللينِ من السيرةِ النبوية: واقتبسْ من رفقِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم حسنَ الصفات، فقد كانَ صلى الله عليه وسلم مظهرَ هذا الجمال، فلم يكنْ لينُهُ عجزًا، ولا حِلمُهُ ضعفًا، بل كانَ رحمةً تسعُ الصغيرَ والكبيرَ، وانظرْ إلى رفقِهِ بالأعرابىِّ الذى بالَ فى مسجدِهِ، فكفَّ الناسَ عن زجرِهِ تيسيرًا وتعليمًا، وجاءَهُ الشابُّ يطلبُ الإذنَ بالزنا، فقرَّبَهُ وحاورَهُ رفيقًا رحيمًا، يعفو ويصفح، ولا يجزى السيئةَ بمثلِها، بل يصلحُ ولا يجرحُ، لطيفُ الطبع، ليِّنُ الجانب، بسَّامُ المحيَّا، أرفقُ الخلقِ بالخلق، فكانَ للناسِ غياثًا من المحن، ومأمنًا تلتجئُ إليه النفوسُ من الفتن، فاحتشدتِ القلوبُ حولَ جنابِهِ الشريف، وانقادتِ النفوسُ للطفِهِ المنيف، فكنْ رحيمَ التوجيهِ فى إرشادِ الخلق، حليمَ النهجِ فى التخلقِ بالرفق، وفى ذلك يصفُهُ ربُّهُ سبحانه بقوله: {لَقَد جَاءَكُم رَسُول مِّن أَنفُسِكُم عَزِیزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّم حَرِیصٌ عَلَیكُم باِلمُؤمِنِینَ رَءُوف رَّحِیم}.
٤- أفضْ برفقِكَ على سائرِ الأكوانِ من حولِكَ: واعلمْ أنَّ هذا الخلقَ يحوِّلُ الإنسانَ إلى أفضلِ حال، وتأملْ فى حالِ ثمامةَ بنِ أُثالٍ إِذْ غدا النبيُّ صلى الله عليه وسلم أحبَّ إليه من الآفاق، لما رأى فى حضرتِهِ من كريمِ الأخلاق، فالرفقُ ثمرةُ نفسٍ مطمئنة، وعقلٍ راجح، يذيبُ من النفوسِ قسوتَها، ويؤلفُ القلوبَ بعد نفرتِها، فامسحْ بيمينِ الرفقِ على كلِّ كائنٍ حيٍّ، وترفقْ مع الأكوانِ من حولِكَ دونَ أذية، فالقلبُ المستنيرُ يرى الوجودَ بعينِ الرحمةِ والإحسان، ويعمرُ الديارَ بحسنِ الخلقِ وحسنِ الجوارِ فى كلِّ مكان، ومن حُرمَ هذا الحظَّ فقد حُرمَ خيرَ الدارين، فاستمسكْ بهذا الخلقِ الشريفِ الجميل، لتسلكَ فى الورى أوضحَ سبيل، فما كانَ الرفقُ فى أمرٍ إلا زانَهُ، وما فارقَ طبعًا إلا شانَهُ، وفى ذلك يقولُ البشيرُ النذيرُ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ».
وذكرت وزارة الأوقاف، أن موضوع خطبة الجمعة الثانية، الهدف منه، أن القسوة ليست وسيلة للتربية.
وجاء نص الخطبة كالتالى:
الحمدُ للهِ وكفى، وصلاةً وسلامًا على عبادِهِ الذين اصطفى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، يحيى ويميتُ وهو على كلِّ شىءٍ قدير، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، أمَّا بعدُ:
أيها المربِّى الماجدُ: إنَّ التربيةَ تقويمٌ وإعمارٌ، وغرسٌ للفضائلِ فى قلوبِ الصغار، وقد بنى الإسلامُ منهجَهُ على المحبةِ والرحمة، وجعلَ الرفقَ بالناشئةِ بابًا للخيرِ والنعمة، فالغلظةُ فى التعاملِ تورثُ الجفاء، وتصيبُ نفوسَ الأبناءِ بالانكسارِ والعناء، فالشدةُ المفرطةُ تزرعُ الخوفَ فى الوجدان، وتخرجُ شخصياتٍ مهزوزةً فاقدةً للأمان، وقد تجلَّى الرفقُ فى نصحِ لقمانَ الحكيمِ لفلذةِ كبدِهِ وثمرةِ فؤادِهِ، حيث خاطبَهُ بلطفِ النداءِ، وعميقِ المودةِ والرجاءِ، حين قال:{یَبُنَیَّ} بلسانٍ يملؤهُ الحنان، لتنسابَ الموعظةُ إلى قلبِهِ بأمان، امتثالًا لهدى نبينا الأكرمِ صلى الله عليه وسلم حيث كان يُربى بالرفق واللين، ويتجلّى ذلك فى محبته للحسن والحسين رضى الله عنهما، إذ كان يلاعبهما ويقبّلهما ويظهر لهما عظيم العطف والرحمة، فكانا مثالًا حيًّا لتربيةٍ قائمةٍ على الحب واللين لا القسوة والجفاء، فسمت بذلك النفوس واطمأنّت القلوب.
أيها الأبُ الفاضلُ: اجعلْ دارَكَ موئلًا للوداد، ومحضنًا يحمى الأبناء، فاستماعُكَ للصغيرِ يبنى الثقةَ واليقين، ويحميهِ من الضياع، فالطفلُ يرجو منكَ يدًا حانية تمسحُ العبرة، وصدرًا حنونًا يستوعبُ العثرة، فتأملْ هديَ النبيِّ الكريمِ صلى الله عليه وسلم مع الأطفالِ والشباب، وكيف غمرهم باللطفِ والرحمةِ والترحاب، فقد أطالَ سجودَهُ شفقةً بالصبيِّ الصغير، وواسى الغلامَ فى فقدِ طائرِهِ النُّغير، فكنْ لأولادِكَ حصنًا منيعًا وملاذًا أمينًا، ولِنْ معهم لتجعلَ عيشَهم رغدًا ومستقبلَهم مكينًا، وسِرْ على خُطى الجنابِ المعظمِ الذى قال صلى الله عليه وسلم: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهمُ الرَّحْمنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِى الأَرْضِ يَرْحَمكُمْ مَنْ فِى السَّماءِ».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض