بين القصيدة والتراث
عزة رياض :أقاوم الكتابة المباشرة كي لا تفقد التجربة الصوفية كثافتها
التراث ليس هالةً مقدسة بل مادة للقلق والتأويل
على امتداد ما يقارب الخمسة عشرعامًا، منذ تعرفتُ إلى عزة رياض في إحدى جلسات المجلس الأعلى للثقافة، وحتى لقائنا الأخير في معرض الكتاب، كانت الحياة تدور بنا كل في مداره؛ كأننا نعبر الزمن نفسه بخطوات مختلفة، وننصت إلى الأسئلة ذاتها بأصوات متباينة. ربما التقينا خلال تلك السنوات مصادفة في بعض الفعاليات والندوات، تبادلنا التحية العابرة، ثم مضى كل منا إلى طريقه، دون أن يحدث ذلك الحوار الذي لا تصنعه المصادفات، بل تنضجه الحياة. لكن حين جلسنا نتحدث أخيرًا، بدا الأمر كما لو أننا لا نستعيد أشخاصًا نعرفها، بل نكتشف شخصين جديدين خرجا من عباءة التجربة. أدركتُ أن كلاً منا تغير بشكل أو بآخر؛ ليس فقط بفعل العمر، بل بفعل ما قرأ، وما آمن به، وما خسره في الطريق. كانت هناك مسافات كاملة صنعتها الكتب، والأسئلة، والهزائم والمكاسب، ومحاولات كل منا لما يظنه معرفة، أو نجاة.
وربما لهذا بدا الحوار بيننا أقرب إلى تأمل منه إلى أسئلة صحفية وإجابات مصدر. كأننا، بعد كل هذا الالتفاف، اكتشفنا أن الطرق التي ظنناها متباعدة كانت تقود، بشكل خفي، إلى النقطة نفسها؛ ذلك القلق الإنساني المشروع، والرغبة الدائمة في فهم العالم دون ادعاء امتلاك الحقيقة، والبحث عن لغة تقترب من المخزون بداخلنا. في حديث عزة رياض التى ترجمت قصائدها لغات كثيرة، لا يظهر الشعر كفن منفصل عن الحياة، بل كطريقة للعبور داخلها؛ عبور تتجاور فيه الصوفية مع الشك، والتراث مع التفكيك، والصمت مع الرغبة المستمرة في الكشف.
بين ديوانها"حياة" بوصفه محاولة أولى لتسمية العالم، وديوان"الخروج من الأرض" كاقتراح للانفصال عنه، تتحرك تجربة عزة رياض داخل مسار يبدو أقل خطية مما توحي به العناوين، وأكثر توهجًا مما تسمح به اللغة. عندها لا تبدو القصيدة شكلًا مكتملًا، بقدر ما هي منطقة اختبار مستمر؛ للمعنى، وللقدرة على قوله، ولما يبقى دائمًا خارجه.
هذا الحوار يحاول الاقتراب من تلك المسافة بين الحياة والكتابة، حيث لا تكون القصيدة إجابة، بل احتمالًا مستمرًا للفهم.
كيف بدأت علاقتك بالشعر؛ كحاجة للتعبير، أم كطريقة لفهم العالم من زاوية مختلفة؟
بدأت علاقتي بالشعر كحاجة خفية للتعبير، كشيء يشبه النجاة أكثر من كونه اختيارًا. لم يكن الشعر رفاهية أو ترفًا فكريًا، بل كان طريقة لأقول ما لا يُقال، ولأفهم ما لا يُفهم بسهولة. مع الوقت؛ صار أيضًا نافذة أطل منها على العالم بزاوية مختلفة؛ زاوية أكثر هشاشة وعمقًا، ترى التفاصيل التي يمر بها الآخرون دون انتباه.
ما الذي تكتبه الشاعرة فيكِ ولا تستطيعين قوله في الحياة اليومية؟
ما تكتبه الشاعرة فيّ ولا أستطيع قوله في الحياة اليومية، فهو تلك المساحات الرمادية؛ الخوف غير المبرر، الحب غير المكتمل، الأسئلة التي لا إجابات لها. في الحياة، نُجبر على الاختصار، على التهذيب، على كتم الفوضى. لكن في الشعر، أسمح لنفسي بأن أكون صادقة حتى القسوة، عارية حتى من نفسي أحيانًا. الشعر لا يطلب مني أن أكون مفهومة، فقط أن أكون حقيقية.
عناوينك تميل إلى الكثافة والتجريد، وتُتهم أحيانًا بالمراوغة الدلالية؛ وديوانك الآخير" آدم بين الكتلة والفراغ" دليل على ذلك، هل هذا مقصود، أم ثقة بقدرة اللغة على الإيحاء دون الإفصاح ؟
ميلُ العناوين إلى الكثافة والتجريد ليس مراوغة بقدر ما هو اقتصاد مقصود في اللغة. أنا لا أتعمد إخفاء المعنى، بل أترك له مساحة ليتشكل عند القارئ. العنوان عندي ليس مفتاحًا يفتح بابًا واحدًا، بل عتبة تُدخل إلى احتمالات متعددة. ربما يُساء فهم هذا كنوع من الغموض المتعمد، لكنه في الحقيقة ثقة بأن الإيحاء أصدق أحيانًا من الإفصاح، وأن اللغة حين تُخفف من يقينها تُصبح أكثر قدرة على ملامسة ما هو غير محسوم داخل التجربة.
إذا كانت اللغة لديك تُعيد تشكيل العالم، فماذا يحدث حين تقتربين من مادة تبدو جاهزة مثل التراث؟
حين أقترب من التراث، لا أتعامل معه كخزان جاهز للمعاني، بل كمادة حية قابلة لإعادة التشكيل. ما يبدو مكتملًا في ظاهره يحمل في داخله شقوقًا وأسئلة. اللغة هنا لا تعيد إنتاجه بقدر ما تختبره؛ تُحركه من موضعه، تضعه في سياقات جديدة، وتكشف ما يمكن أن يقوله الآن، لا ما قيل عنه سابقًا. الحد الفاصل بين الاستدعاء والتفكيك ليس خطًا واضحًا. أحيانًا يبدأ النص باستدعاء مألوف ـ إشارة، صورة، أو إيقاع ـ ثم من داخل الكتابة نفسها، يبدأ هذا الاستدعاء في التصدع.
في اشتغالك على التراث الشعبي، أين يتوقف الاستدعاء ويبدأ التفكيك؟ وكيف تتفادين أن يتحول إلى مجرد زخرفة دلالية داخل النص؟
التفكيك يحدث حين أفقد الثقة في جاهزية المعنى، حين لا أكتفي بالاقتباس بل أضعه تحت ضغط التجربة الشخصية واللغة المعاصرة. لتفادي أن يتحول التراث إلى زخرفة، أحاول أن أجعله عنصرًا فاعلًا في بناء القصيدة، لا مجرد خلفية جمالية؛ أي أن يغير مسار النص، لا أن يزينه.
وحين يدخل التراث إلى قصيدتك، هل يعاد إنتاجه برؤية معاصرة، أم يحتفظ بهالته الأصلية بما قد يحد من حرية الكتابة؟
حين يدخل التراث إلى القصيدة، لا أحرص على "الحفاظ على هالته" بقدر ما أختبر قدرتي على الحوار معه. أحيانًا يحتفظ بشيء من كثافته الأصلية، لكن ليس كقيد، بل كتوتر. الكتابة بالنسبة لي ليست إعادة إنتاج أمينة، ولا قطيعة كاملة، بل مساحة تفاوض؛ ماذا يبقى، وماذا يتبدل، وماذا ينكسر.
حضور آل البيت، خاصة تجربة الحسين بن علي، يبدو واضحًا في وعيك الشخصي لكنه أقل تجليًا شعريًا؛ كيف تفسرين هذه المسافة بين ما يُعاش وما يُكتب؟
حضور آل البيت، وتجربة الحسين بن علي تحديدًا، فهو حضور معيش أكثر منه مكتوب. هذه تجربة ذات حمولة روحية وتاريخية عالية، وأشعر أن اللغة حين تقترب منها مباشرة قد تُسطحها أو تُحولها إلى خطاب. لذلك تظهر في النصوص بشكل غير مباشر؛ كأثر، كإيقاع داخلي، كحساسية تجاه الفقد والعدالة والخذلان، لا كموضوع مُعلن.
لماذا لم تتحول هذه التجربة إلى كتابة مباشرة حتى الآن؛ هل تقاوم اللغة فعلًا، أم أن الشاعر يتجنب اختبارها داخل النص خشية فقدان كثافتها؟
المسافة بين ما يُعاش وما يُكتب ليست ترددًا بقدر ما هي ضرورة جمالية. ليس كل ما يُعاش يصلح أن يُقال فورًا. أحيانًا تحتاج التجربة أن تمر عبر طبقات من الصمت، أن تُعاد صياغتها بعيدًا عن مباشرتها، حتى لا تفقد كثافتها.
وهل حدث أن بدا العنوان لديك أكثر اكتمالًا من القصيدة نفسها؟ وهل يمكن أن يكون العنوان هو النص الأكثر صدقًا في بعض الحالات؟
عن اكتمال العنوان، نعم، يحدث أحيانًا أن أشعر بأن العنوان التقط شيئًا صافياً ومكثفًا، بينما القصيدة تظل تحاول الاقتراب منه، تدور حوله، أو حتى تفشل في بلوغه. في هذه الحالة لا أرى في ذلك خللًا، بل طبيعة للكتابة ذاتها؛ القصيدة ليست شرحًا للعنوان، بل محاولة لمجاورته، لمساءلته، أو لزيادته.
في ديوانك "حياة" تبدو اللغة أقرب إلى تسمية العالم، بينما في "آيل للصمت" تميل إلى تقويضه… هل كان هذا التحول وعيًا جماليًا مبكرًا، أم نتيجة اصطدام التجربة بحدود اللغة؟
في "حياة" كنتُ ما زلتُ أؤمن، بشكل ما، بأن اللغة قادرة على تسمية العالم، على الإمساك به ولو جزئيًا. كان هناك ميل إلى تثبيت الأشياء، منحها أسماءً تمنحني بدورها نوعًا من الطمأنينة. ربما كان ذلك وعيًا جماليًا في بدايته، لكنه أيضًا كان مدفوعًا بحاجة داخلية للترتيب، لفهم العالم عبر تسميته. لكن مع "آيل للصمت"، بدأتُ أختبر حدود هذه اللغة نفسها. لم يعد الاسم كافيًا، ولا الجملة قادرة على احتواء التجربة كما هي. هنا جاء التقويض، ليس كخيار جمالي بحت، بل كاستجابة لاصطدام حقيقي بين التجربة واللغة. شعرتُ أن ما أعيشه يتسرب دائمًا خارج العبارة، وأن الصمت أحيانًا أصدق من أي تركيب لغوي. يمكن القول إن التحول كان مزيجًا من الاثنين؛ وعي جمالي يتشكل، وتجربة تضغط على هذا الوعي وتدفعه إلى مناطق أكثر هشاشة ومغامرة. لم أعد أكتب لأسمي العالم، بل لأختبر عجزي عن تسميته، وربما لأصغي أكثر لما لا يُقال فيه.
فى"طرح الليل" وضعتينا أمام مفارقة؛ هل الليل لديك مساحة للاختباء أم لحظة تعرية قصوى؟
في طرح الليل المفارقة مقصودة بحد ذاتها "الطرح" ليس إلقاءً خالصًا ولا كشفًا خالصًا، بل هو حركة مزدوجة؛ كأنني أحاول أن أتخفف من ثقل الليل، لكنني في لحظة الفعل نفسها أُظهره أكثر. الليل هنا ليس مجرد زمن أو حالة، بل مساحة تتكثف فيها الذات. أحيانًا يبدو كملاذ، كأنك تختبئ فيه من سطوة الضوء ووضوحه القاسي، لكنه في العمق لحظة تعرية قصوى؛ لأن الظلام لا يخفي بقدر ما يدفعك إلى مواجهة ما لا يُرى. هو اختبار لما يتبقى منك حين تسقط الأقنعة، لا حين تُخفى.
في "الخروج من الأرض" يبدو "الخروج" أقرب إلى قطيعة منه إلى خلاص؛ هل هو موقف وجودي من الواقع أم استعارة لغوية لحدود الذات؟
فكرة الخروج تحمل هذا التوتر الذي أشرت إليه. هو ليس خلاصًا بالمعنى التقليدي، لأن الخلاص يفترض وجهة آمنة أو يقينًا ما، وهذا ما لا أؤمن به شعريًا. أقرب إلى القطيعة، نعم، لكن قطيعة ملتبسة؛ مع الواقع، ومع اللغة التي تحاول تمثيله، وربما مع صورة الذات نفسها. يمكن قراءته كموقف وجودي، لأن هناك رغبة في الانفصال عن نظام لا يمنح معنى كافيًا، لكنه أيضًا استعارة لحدود الذات، لحظة إدراك أن "الأرض" ــ بما تحمله من ثبات وانتماء ــ قد لا تكون إلا بناءً هشًا داخلنا. في النهاية، لا أتعامل مع هذه الثنائيات كاختيارات حاسمة ؛اختباء،تعرية،قطيعة،خلاص، بل كمساحات مفتوحة . إن الشعر بالنسبة لي لا يحسم بل يُبقي السؤال حيًا، ويجعل من هذا الالتباس نفسه مادة للكتابة .
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض