الثعابين تغزو القرى والمدن الجديدة.. وفيات وإصابات تثير القلق
هجوم الأفاعى
ارتفاع الحرارة.. الزحف العمرانى وتراكم المخلفات فى قفص الإتهام
خبراء: التغيرات المناخية خطيرة ورفع جاهزية المستشفيات وتكثيف إجراءات المكافحة ضرورة لمنع سقوط مزيد من الضحايا
مطلوب تنسيق فورى بين المحافظات ومديريات الصحة والرى والزراعة والطب البيطرى والمحليات لإزالة المخلفات وتكثيف حملات التوعية ومكافحة القوارض
لم تعد رؤية الثعابين تقتصر على الحقول الزراعية أو أطراف الترع والمصارف، بل امتد ظهورها خلال الأسابيع الأخيرة إلى عدد من القرى والمدن الجديدة، فى مشاهد أثارت حالة من القلق بين المواطنين، خاصة بعد تسجيل محافظة الشرقية وفاة ثلاثة أشخاص وإصابة عشرة آخرين نتيجة لدغات الثعابين، إلى جانب حوادث متفرقة شهدتها محافظات أخرى، وأعادت هذه الوقائع إلى الواجهة تساؤلات حول أسباب تزايد ظهور الثعابين، ومدى ارتباط ذلك بارتفاع درجات الحرارة والتغيرات المناخية والتوسع العمرانى، فضلًا عن جاهزية المنظومة الصحية للتعامل مع المصابين وتوفير الأمصال اللازمة فى الوقت المناسب.
وفى المقابل، أكدت وزارة الصحة والسكان توافر الأمصال المضادة للدغات الثعابين فى المستشفيات بمختلف المحافظات، داعية المواطنين إلى التوجه فورًا إلى أقرب مستشفى حال التعرض للدغة، وعدم مغادرة المستشفى إلا بعد استكمال العلاج والتأكد من استقرار الحالة، محذرة من الاعتماد على الوصفات الشعبية التى قد تؤخر العلاج وتزيد من خطورة المضاعفات.
وللوقوف على أسباب الظاهرة، ومدى ارتباطها بالتغيرات المناخية، ودور التوازن البيئى، ومستوى الاستعداد لمواجهتها التقت «الوفد» عدد من الخبراء والمتخصصين، إلى جانب الاستماع إلى شهادة أحد المزارعين.
التغيرات المناخية.. عامل مؤثر
يقول الدكتور محمد طنطاوى، خبير المناخ، إن الاحتباس الحرارى والتغيرات المناخية أصبحا من أبرز العوامل التى تسهم فى زيادة ظهور الحشرات والثعابين خلال السنوات الأخيرة، موضحًا أن الارتفاع المستمر فى درجات الحرارة غيّر من سلوك هذه الكائنات، باعتبارها من ذوات الدم البارد التى تعتمد على حرارة البيئة المحيطة لتنظيم نشاطها.
وأوضح أن موجات الحر تجعل الثعابين أكثر حركة وخروجًا من جحورها بحثًا عن الغذاء، كما يتزامن ذلك مع موسم التزاوج، وهو ما يفسر تكرار ظهورها خلال فصل الصيف بصورة أكبر من المعتاد.
وأضاف أن تغير المناخ لا يقتصر تأثيره على الحرارة فقط، بل يمتد إلى تغير أنماط سقوط الأمطار والسيول، التى قد تؤدى إلى غمر جحور الثعابين، فتضطر إلى البحث عن أماكن بديلة قد تكون بالقرب من القرى أو المدن الجديدة، فضلًا عن أن تجمعات المياه تساعد على تكاثر الحشرات التى تمثل جزءًا من السلسلة الغذائية.
وأشار «طنطاوى» إلى أن مخلفات البناء والأراضى الفضاء والحشائش الكثيفة تمثل بيئات مناسبة لاختباء الثعابين، مطالبًا بإزالة هذه المخلفات بصورة دورية، مع تكثيف حملات التوعية، خاصة فى المناطق الريفية والمدن الجديدة.
الوقاية تبدأ من المنزل
ويشدد الدكتور محمد طنطاوى على أن الوقاية تظل خط الدفاع الأول، داعيًا إلى سد الشقوق والفتحات، وتركيب أسلاك على النوافذ، ومكافحة الفئران، والتخلص من الكراكيب ومخلفات البناء، وقص الحشائش، وعدم محاولة الإمساك بالثعابين عند ظهورها، مع توعية الأطفال بخطورة الاقتراب من الأماكن المهجورة أو المليئة بالمخلفات.
المناخ ليس المتهم الوحيد
ومن جانبه، يؤكد السفير مصطفى الشربينى، المراقب باتفاقية باريس لتغير المناخ بالأمم المتحدة ورئيس معهد الاستدامة والبصمة الكربونية، أن تغير المناخ لا يمكن اعتباره السبب الوحيد وراء زيادة ظهور الثعابين، وإنما يمثل أحد العوامل المؤثرة فى سلوك الكائنات الحية.
وأوضح أن التوسع العمرانى السريع، ووجود الأراضى غير المستغلة، وتراكم المخلفات التى تجذب القوارض، كلها عوامل تدفع الثعابين إلى الاقتراب من التجمعات السكنية بحثًا عن الغذاء والمأوى، لافتًا إلى أن هذه الظاهرة لا تقتصر على مصر، وإنما تشهدها دول عديدة.
وأضاف أن إزالة الغطاء النباتى أو تغيير البيئة الطبيعية يدفع بعض الكائنات إلى البحث عن موائل جديدة، مشيرًا إلى أن التوسع فى التشجير وتحسين منظومة النظافة ومكافحة القوارض من أهم وسائل الحد من ظهور الثعابين، مؤكدًا أن المدن الجديدة ليست مناطق خطرة بطبيعتها، لكنها تحتاج إلى متابعة بيئية مستمرة وإزالة الحشائش والمخلفات بصورة دورية.
اختلال التوازن البيئى
ويرى الدكتور مصطفى الجعفرى، الأستاذ المساعد بكلية الطب البيطرى بجامعة القاهرة والباحث السابق بجامعة إلينوى الأمريكية، أن حالات ظهور الثعابين خلال الفترة الأخيرة لا تستدعى الذعر، موضحًا أن عدد الإصابات المسجل حتى الآن لا يزال محدودًا ولا يعكس انتشارًا وبائيًا، لكنه يستوجب الحذر واتخاذ الإجراءات الوقائية، خاصة فى المناطق الريفية والقريبة من الظهير الصحراوى.
وأوضح أن نشاط الثعابين يرتبط بطبيعتها ككائنات من ذوات الدم البارد، إذ يزداد بشكل ملحوظ مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، بينما يقل فى الشتاء نتيجة انخفاض معدل التمثيل الغذائى، فتدخل فى حالة من الخمول أو ما يشبه البيات الشتوى داخل جحورها، ولا تعود إلى النشاط إلا مع ارتفاع درجات الحرارة.
وأشار إلى أن موجات الحر الحالية، بالتزامن مع موسم التزاوج، تؤدى إلى زيادة حركة الثعابين وخروجها من أوكارها بحثًا عن الغذاء والتكاثر، وهو ما يفسر تكرار ظهورها فى بعض المناطق خلال هذه الفترة من العام.
وأضاف أن هناك متغيرات بيئية أسهمت أيضًا فى زيادة فرص مشاهدة الثعابين، من بينها أعمال تبطين الترع، وإزالة بعض البيئات الطبيعية التى كانت تمثل أوكارًا لها، الأمر الذى دفعها إلى البحث عن أماكن بديلة للاختباء، مثل أكوام المخلفات، ومخلفات الهدم والبناء، والمخلفات الزراعية، وحقول الأرز، وهى أماكن توفر لها الحماية والغذاء فى الوقت نفسه.
وأشار إلى أن المواطنين لم يعتادوا على رؤية الثعابين بهذه الكثافة، ما يجعل كثيرين يفتقرون إلى المعرفة الكافية بكيفية التعامل معها أو تجنب أماكن وجودها، وهو ما يزيد من احتمالات التعرض للدغات.
وأوضح «الجعفرى» أن من العوامل التى قد تسهم فى جذب الثعابين أيضًا الإطعام العشوائى للكلاب، خاصة باستخدام اللحوم النيئة أو مخلفات الذبح، إذ تجذب هذه المخلفات العديد من الحيوانات البرية من المناطق الصحراوية، كما أن أطراف الترع والمصارف، إلى جانب تجمعات القمامة والمخلفات الزراعية، تمثل بيئات مناسبة لاختباء الثعابين وتكاثرها.
وأكد أن الحديث عن الكلاب باعتبارها من أعداء الثعابين غير دقيق من الناحية العلمية، موضحًا أن الثعابين ليست ضمن السلسلة الغذائية للكلاب، بل قد تهاجمها وتتسبب فى نفوقها، خاصة صغارها، مشيرًا إلى أن الكلاب لا تؤدى دورًا فى الحد من انتشار الثعابين.
وأضاف أن الحفاظ على التوازن البيئى يمثل أحد أهم وسائل الحد من انتشارها، موضحًا أن للثعابين أعداء طبيعيين يسهمون فى السيطرة على أعدادها، من أبرزهم النمس المصرى، والصقور، والبوم، والقطط، بينما يؤدى تراجع أعداد هذه الكائنات إلى اختلال التوازن البيئى وزيادة فرص انتشار الثعابين.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن مواجهة الظاهرة لا تقتصر على مكافحة الثعابين فقط، وإنما تعتمد على الحفاظ على التوازن البيئى، والتخلص من المخلفات بصورة منتظمة، والحد من مصادر جذب الحيوانات البرية، إلى جانب رفع وعى المواطنين بطرق الوقاية والتعامل السليم مع الثعابين فى حال ظهورها.
شهادة مزارع
ومن قرية بالجيزة، يؤكد الحاج عبدالهادى، أحد المزارعين، عن انتشار الثعابين وما حدث بالشرقية أن الأهالى لم يكونوا يشاهدونها بهذا العدد فى السابق، ويرى أن ارتفاع درجات الحرارة أحد الأسباب الرئيسية، مضيفًا أن تراجع أعداد القطط داخل القرى ساهم أيضًا فى زيادة وجود الثعابين، باعتبارها من الكائنات التى تهاجم صغارها وتحد من انتشارها.
الإسعاف السريع ينقذ الحياة
ومع تكرار الحوادث، يؤكد الدكتور أمجد الحداد، استشارى الحساسية والمناعة والعلاج بالأمصال، ومدير مركز الحساسية والمناعة بمعهد المصل واللقاح، أن أول إجراء يجب اتخاذه عند التعرض للدغة ثعبان هو التواصل مع الخط الساخن لمعرفة أقرب مستشفى أو مركز صحى يتوافر به المصل المضاد، مشيرًا إلى أن وزارة الصحة توفره فى معظم المستشفيات والمراكز الصحية.
وأوضح أن الإسعافات الأولية الصحيحة تبدأ بغسل مكان اللدغة جيدًا بالماء والصابون، مع تجنب الضغط على الجرح أو محاولة عصره أو تشريطه أو شفط السم بأى وسيلة، لأن هذه الممارسات لا تفيد وقد تزيد من خطورة الإصابة. كما شدد على أهمية تقليل حركة المصاب وتثبيت الطرف المصاب قدر الإمكان، مع إزالة الخواتم أو الساعات أو أى إكسسوارات قد تعيق الدورة الدموية فى حالة حدوث تورم.
وأضاف أن الاعتقاد السائد بضرورة ربط الطرف المصاب برباط ضاغط اعتقاد خاطئ، والصحيح هو استخدام رباط عادى دون ضغط شديد، مع تغطية الجرح بضمادة جافة، وعدم وضع الثلج على موضع الإصابة.
وأشار إلى أن الحالة النفسية للمصاب تلعب دورًا مهمًا، لذا يجب تهدئته وتجنب التوتر أو الخوف، لأن زيادة معدل ضربات القلب قد تُسرّع انتشار السم داخل الجسم، مع ضرورة نقله إلى أقرب مستشفى فى أسرع وقت للحصول على المصل المضاد.
وأكد «الحداد» أن المصل المضاد للدغات الثعابين يحقق أفضل النتائج إذا أُعطى خلال الساعات الأولى من الإصابة، وتزداد فعاليته بشكل كبير عند تلقيه خلال أول 24 ساعة، لذلك فإن سرعة التوجه إلى المستشفى تُعد عاملًا حاسمًا فى تقليل المضاعفات وإنقاذ حياة المصاب.
وأوضح أن بعض الممارسات الشعبية، مثل شفط السم بالفم أو تشريط مكان اللدغة، لا تستند إلى أى أساس علمى، بل قد تتسبب فى نقل السم إلى المُسعف إذا كان لديه جروح بالفم، أو تؤدى إلى تلف الأنسجة وحدوث التهابات خطيرة، كما أن الربط العنيف للطرف المصاب قد يوقف تدفق الدم ويُعرضه لمضاعفات جسيمة مثل الغرغرينا.
دعوات لخطة حكومية عاجلة
من جانبه، أكد الدكتور حمدى عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية، أن تكرار حوادث لدغات الثعابين يكشف الحاجة إلى خطة حكومية متكاملة، خاصة فى القرى والعزب.
وأشار إلى أن تراكم القمامة، وعدم تطهير الترع والمصارف، وانتشار الحشائش، كلها عوامل تهيئ بيئة مناسبة لاختباء الثعابين، مطالبًا بإنشاء وحدات متخصصة للسموم فى الوحدات الصحية الريفية، وتوفير الأمصال بصورة دائمة، مع رفع جاهزية المستشفيات.
كما دعا إلى تنسيق الجهود بين المحافظات ومديريات الصحة والرى والزراعة والطب البيطرى والإدارة المحلية لإزالة المخلفات، وتكثيف حملات التوعية، ومكافحة القوارض، بما يحد من تكرار هذه الحوادث ويحافظ على سلامة المواطنين.
ويبقى ظهور الثعابين فى القرى والمدن الجديدة ظاهرة ترتبط بعوامل متشابكة، تبدأ بالتغيرات المناخية ولا تنتهى عند التوسع العمرانى واختلال التوازن البيئى. وبينما يؤكد الخبراء أن الأمر لا يدعو إلى الذعر، فإنهم يجمعون على أن الوقاية، وسرعة الحصول على الرعاية الطبية، والحفاظ على البيئة، وتكامل جهود الدولة والمواطنين، تمثل الركائز الأساسية للحد من المخاطر ومنع تكرار المآسى التى شهدتها بعض المحافظات خلال الأسابيع الأخيرة.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض