لعل وعسى
أكدت قمة مجموعة العشرين الصناعية الكبرى الأخيرة فى فرنسا تصاعد حالة عدم اليقين لدى معظم قادة العالم قادة الذين تضرروا بشدة من الحرب على إيران، مع التصريح بحقيقة عجزهم عن تخفيف الأضرار الاقتصادية الناجمة عن الصدمات الجيوسياسية التى تزداد وتيرتها، وأدركوا أن الاعتماد على قيادة الولايات المتحدة لحل الأزمات لم يعد أمرًا مضمونًا كما كان لوقت طويل. وهو ما عبر عنه وزراء المالية ومسئولو البنوك المركزية،الذين شاركوا فى الاجتماعات عن ضيقهم من إقحامهم فى كارثة اقتصادية أخرى بسبب أفعال ترامب مع إيران والتى تسببت فى غلق مضيق هرمز وتزايد حالة عدم استقرار مالى وإجتماعى لمعظم دول العالم. وهنا كان القرار المصرى التاريخى بالاعتماد على الذات بعد مرحلة كانت إلى حد ما ضرورية مع صندوق النقد الدولى. حيث أعلن الرئيس السيسى بدء العمل على إعداد «برنامج اقتصادى وطنى شامل» يقود المرحلة التالية للاقتصاد. والتأكيد بأن هذا البرنامج يستهدف الانتقال من تثبيت الاستقرار إلى تحقيق نمو مستدام ينعكس بصورة مباشرة على مستوى معيشة المواطنين، وذلك ضمن حزمة من التوجيهات الاقتصادية والإدارية. وهنا يجب أن نؤكد بأن هذا الإعلان يعتبر أول إشارة مباشرة من الرئيس إلى ملامح المرحلة الاقتصادية التالية بعد برنامج الإصلاح الجارى تنفيذه بالتعاون مع صندوق النقد، والذى شمل تحرير سعر الصرف وتشديد السياسة النقدية وإصلاحات مالية وهيكلية، إلى جانب توسيع دور القطاع الخاص وبرنامج الطروحات الحكومية، وإن كنا نرى أن ملامح مصر الاقتصادية موجهة ببوصلة المادة السابعة والعشرون من دستور مصر 2014. فعلى أرض الواقع، وعلى مدار 10 سنوات نفذت مصر 3 برامج مع صندوق النقد الأول فى 2016 بقيمة 12 مليار دولار والثانى فى 2020 بقيمة 8,2 مليار دولار بجانب البرنامج الثالث القائم حاليا بقيمة 8 مليارات دولار بالإضافة إلى برنامج المرونة والاستدامة البالغ 1,3 مليار دولار، وفى المقابل انتقلت الرؤى إلى أربع زوايا، حيث تنقلنا بين «رؤية 2030» و«السردية الوطنية» وبرنامج الإصلاح الهيكلى وخطط التنمية الاقتصادية السنوية، بالتوازى مع برنامج الإصلاح المتفق عليه مع صندوق النقد، إلا أن هذه الرؤى، رغم إختلاف أسمائها، ظلت تدور حول الأهداف نفسها تقريبًا، من تعزيز النمو الاقتصادى، ورفع كفاءة المالية العامة، وتحسين بيئة الاستثمار، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية. حاليًا حصلت مصر فى البرنامج القائم على 5.2 مليار دولار على 7 شرائح وتقترب من الحصول على شريحة جديدة بقيمة 1,6 مليار دولار بشرط اعتماد المجلس التنفيذى للصندوق على المراجعة السابعة، وتأكيد التخارج الكامل من الدولة لصالح القطاع الخاص، وهو أمر مطلوب ولكن بحدود لا يتضرر معه أمن مصر القومى، الذى بدأ يلوح فى الافق، لذا لم يتوانى الرئيس السيسى فى تكليف الحكومة بإعداد برنامج اقتصادى وطنى لمرحلة ما بعد التعاون مع صندوق النقد، إلى جانب الإسراع فى تنفيذ برنامج تخارج الدولة من الأنشطة الاقتصادية، بما يعزز دور القطاع الخاص ويدعم النمو المستدام بالتوازى مع تعزيز أمن مصر القومى. وهو ما يجعلنا موقنين بأن نجاح مرحلة ما بعد انتهاء برنامج مصر مع الصندوق،تتطلب بلا شك إطلاق برنامج اقتصادى وطنى واضح المعالم، يستند إلى ملامح المادة السابعة والعشرون من دستور مصر 2014، مع استكمال الإصلاحات الاقتصادية التى بدأناها، وتعزيز دور القطاع الخاص، وزيادة الإستثمار والإنتاج والتصدير، بما يحافظ على ثقة المستثمرين ويقلل الاعتماد على التمويلات الخارجية،وأن ندرك بأنه إذا كانت الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية السابقة تتحدث عن إصلاح الاقتصاد، وتحسين جودة الحياة، وزيادة معدلات التشغيل والاستثمار، ورفع مستويات النمو، إلا أننا لا بد وأن نصارح أنفسنا بأن مشكلتنا العظمى طوال أكثر سبعة عقود تكمن فى غياب التنفيذ والاستقرار على برنامج واضح يمكن متابعته ومحاسبة الجهات المسئولة عن تنفيذه. وبالتالى فإن البداية تستلزم معرفة أن الحديث عن برنامج اقتصادى مصرى وطنى خالص لا ينبغى أن يعنى القطيعة مع برنامج الصندوق بقدر ما يعنى امتلاك الدولة برنامجًا تقوده بنفسها وتحدد أولوياته وفقًا لإحتياجاتها التنموية. مع التأكيد الرئاسى بأن المرحلة المقبلة لا تتطلب إنتاج وثيقة خامسة أو سادسة، وإنما جمع هذه الوثائق فى إطار موحد والإعلان عن الالتزام بتنفيذه حتى عام 2030، وبالتالى فإننا نرى أن البرنامج الاقتصادى الوطنى يجب أن يرتكز على محاور رئيسية، تضمن استقرار السياسات واستمرارها، بعيدًا عن تغير الحكومات، مع التركيز على زيادة الإيرادات من النقد الأجنبى. وهو ما سنتناوله فى المقال القادم إن شاء الله.
رئيس المنتدى الاستراتيجى للتنمية والسلام
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض