حكم زواج الأرملة بعد انتهاء العدة ومدى مخالفة ذلك للأعراف والقيم
قالت دار الإفتاء المصرية إن العدة في حقيقتها الشرعية هي حق محض للنكاح السابق، وهي الأثر الباقي له؛ إذ الأصلُ في عقد الزوجية أنه يُعقد ليدومَ مدى العمر، فإذا ما انقضى أجلُ العمر بالوفاة انقضى معه العقدُ ضرورةً وحكمًا، وبقيت العِدَّة خاتمة وفاء لهذا العقد.
حكم زواج الأرملة بعد انتهاء العدة
وأوضحت دار الإفتاء أن العدة هنا صارت هي الحق الأخير من حقوق الزوجية السابقة، وعارضًا بانقضائه تعود المرأة إلى أصل الحلّ؛ لانقطاع علقة النكاح السابقة حقيقة وحكمًا، ويكون للمرأة كامل الأهلية والحرية في إنشاء عقد زواج جديد متى توافرت أركانه وشروطه، وانتفت موانعه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: 234].
وأضافت الإفتاء أن زواج الأرملة بعد انتهاء عدتها من زوجها المتوفى زواجًا شرعيًّا هو من المعروف، كما فسره أهل العلم، قال الخطيب الشربيني في "السراج المنير" (1/ 151، ط. مطبعة بولاق): [وقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بما يعرفه الشرع ويستحسنه من كونه بعقد حلال] اهـ.
وأشارت إلى أن يكون ذلك النكاح من المعروف، ولا يتعارض مع القيم الإسلامية السمحة إطلاقًا، بل هو مشروع ومندوب إليه شرعًا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [سورة النور: 32].
ويقصد بـ"الأيامى": كل من لم يكن له زوج سواء من الرجال أو النساء، وسواء تزوج قبل ذلك أو لم يتزوج.
وقد تزوج رسول الله السيدة سودة رضي الله عنها بعد وفاة زوجها السَّكْرَانِ بن عمرو، وقد تزوج عدد كبير من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أرامل بعد وفاة أزواجهن، ولم يكن في هديه صلى الله عليه وآله وسلم ولا أصحابه ما يمنع الأرملة من الزواج فور انقضاء عدتها، بل ورد ما يشجع على ذلك؛ فعن المِسْوَرِ بن مَخْرَمَةَ: أَنَّ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فَجَاءَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَأْذَنَتْهُ أَنْ تَنْكِحَ، «فَأَذِنَ لَهَا فَنَكَحَتْ» رواه البخاري.
وأكدت الإفتاء أن لو كان تعجيل الزواج للأرملة بعد انقضاء عدتها مخالفًا للشرع، أو مخرمًا للمروءة ومخالفًا للقيم، لما أذن لها صلى الله عليه وآله وسلم، وهي لم يمضِ على وفاة زوجها إلا ليالٍ معدودات، فاستقر العمل على ذلك في عصر النبوة والصحابة رضوان الله عليهم؛ لكونه استجابة لفطرة إنسانية وطلبًا للستر والمؤانسة، وخروجًا من حالة الوحدة والترمل وفق السمت الشرعي بزواج صحيح مكتمل الأركان والشروط ومنتفي الموانع، وهذا حق للمرأة لا يحلّ لأحد منعها منه.
وشددت على أن محاولة تقييدها بحجة الولاء لزوجها المتوفى وفق بعض العادات هي من باب العضل الذي يظلم المرأة، وينظر إليها بنظرة دونية، مُحرمًا عليها مظاهر الحياة مما أحله الله لها، والإسلام يكرم المرأة ويمنع عضلها، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [سورة النساء: 19].
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض