رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

الإصدار الـ62 من زاد الأئمة والخطباء.. "الرفق بناء للإنسان وعمران للأوطان"

بوابة الوفد الإلكترونية

كشفت وزارة الأوقاف المصرية عن الإصدار الثاني والستون من سلسلة زاد الأئمة والخطباء، والتي من المقرر أن تكون بعنوان: الرفق.. بناءٌ للإنسان وعمرانٌ للأوطان، على أن يكون الهدف منها التوعية بقيمة الرفق واللين وأنهما طريق لكسب القلوب، وبناء إنسان سوي ووطن قوي.

الإصدار الثاني والستون من زاد الأئمة والخطباء

ومن المقرر أن تأتي سلسلة زاد الأئمة والخطباء في إصدارها الثاني والستون على النحو التالي:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وآله وصحبه ومن تبعه، أما بعد:

فإنَّ الرفق خُلُقٌ عظيمٌ قامت عليه رسالة الإسلام، وبه اكتملت محاسن الأخلاق، واستقامت أحوال الأفراد والمجتمعات، وهو مَسْلكٌ نبوي كريم، يجمع بين الحكمة والرحمة، وبين الحزم والإحسان، ويضع لكل مقام ما يناسبه بالأسلوب الذي يحقق المقصود بأحسن سبيل، ولذلك قرن الله تعالى الرفق برحمته، وجعله سمةً لأنبيائه ورسله، وأثنى على أهله، وجعل نقيضه سببًا للنفرة والتفرق وإفساد العلاقات.

وقد جسَّد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -هذا الخلق في أسمى صوره، فكان رفيقًا في دعوته، وتعليمه، وتربيته، ومعاشرته، وقضائه، وسياسته، بل شمل رِفقُه - صلى الله عليه وسلم -الإنسانَ والحيوانَ وسائرَ المخلوقات، حتى غدا الرفق من أبرز معالم شخصيته الشريفة، وأعظم أسباب نجاح دعوته واجتماع القلوب حوله، ومن هنا جاءت النصوص القرآنية والنبوية، وأقوال العلماء والحكماء، تؤصل لهذا الخلق الكريم، وتبين منزلته، وصوره، وآثاره، وتدعو إلى التحلي به في مختلف شؤون الحياة، وإليك بيان ذلك:

الرفق منهجٌ رباني ونهجٌ نبوي
إن الرفق خُلُقٌ يحبه الله تعالى؛ فعَن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ» [رواه أحمد] وسمةٌ من سمات أنبياء الله ورسله الكرام، وسبيل من سبل نجاح الدعوة، واجتماع القلوب، وانتشار الخير بين الناس، ولذلك امتنَّ الله تعالى على نبيه - صلى الله عليه وسلم -بما أودعه في قلبه من الرحمة واللين، وجعل هذا الخلق من أعظم أسباب التفاف الناس حوله، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةࣲ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِیظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِی ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِینَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].

قال الإمام الطبري: "فبرحمةِ اللهِ يا محمدُ، وبرأْفَتِه بك، وبمَن آمَن بك مِن أصحابِك، لِنتَ لتُبَّاعِك وأصْحابِك، فسهُلَت لهم خَلائِقُك، وحسُنَت لهم أخْلاقُك، حتى احْتَمَلْتَ أذَى مَن نالك منهم أذاه، وعفَوْتَ عن ذى الجُرْمِ منهم جُرْمَه، وأَغْضَيْتَ عن كثيرٍ ممَّن لو جفَوْتَ به، وأَغْلَظْتَ عليه، لترَكَك ففارَقَك ولم يَتَّبِعْك، ولا ما بُعِثْتَ به مِن الرحمةِ، ولكنَّ الله جَلَّ وعزَّ رحِمَهم ورحِمَك معهم، فبرحمةٍ مِن اللهِ لِنْتَ لهم" [جامع البيان].

ويذكر الإمام ابن عَجيبة أن هذا الخلق النبوي الكريم جعله الله من أوصاف ورثته من العلماء العارفين للتمكن من أداء دعوة الله إلى عباده، فيقول: "ما اتصف به نبينا عليه الصلاة والسلام من السهولة والليونة والرفق بالأمة، اتصفت به ورثته من الأولياء العارفين، والعلماء الراسخين، ليتهيأ لهم الدعوة إلى الله، أو إلى أحكام الله، ولو كانوا فظاظًا غلاظًا لانفضَّ الناس من حولهم، ولم يتهيأ لهم تعريف ولا تعليم، فينبغي لهم أن يعفوا ويصفحوا ويغفروا ويصبروا على جفوة الناس، ويستغفروا لهم، ويشاوروهم في أمورهم، اقتداءً برسولهم، فإذا عزموا على إمضاء شيء فليتوكلوا على الله إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" [البحر المديد لابن عجيبة].

وأكدت السنة النبوية أن من حرم الرفق فقد حرم الخير، فعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ» [رواه مسلم].

وروت أم المؤمنين عَائِشَة رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -قوله: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» [رواه مسلم].

وعَنْها أيضا أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -قَالَ لَهَا: «إِنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ، فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ، وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَارِ» [رواه أحمد].

قال الإمام النووي: "وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَضْلُ الرِّفْقِ وَالْحَثُّ عَلَى التَّخَلُّقِ بِهِ وَذَمُّ الْعُنْفِ، وَالرِّفْقُ سَبَبُ كُلِّ خَيْرٍ، وَمَعْنَى يُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ أَيْ يُثِيبُ عَلَيْهِ مالا يُثِيبُ عَلَى غَيْرِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ: يَتَأَتَّى به من الأغراض ويسهُل من المطالب مالا يَتَأَتَّى بِغَيْرِهِ" [شرح النووي على صحيح مسلم].

الرفق من دلائل رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم -بأمته
لقد كان الرفق من أبرز الخصائص التي اختُص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن لِينُه ضعفًا، ولا حِلمه عجزًا، وإنما كان رحمة أودعها الله في قلبه، فانعكست على أقواله وأفعاله، وتعليمه وتزكيته، ودعوته لأمته، حتى استحق أن يصفه ربه بأبلغ أوصاف الرحمة والرأفة، فقال سبحانه: ﴿لَقَدۡ جَاۤءَكُمۡ رَسُولࣱ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِیزٌ عَلَیۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِیصٌ عَلَیۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ رَءُوفࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [التوبة: ١٢٨].

يقول العلامة الشيخ محمد أبو زهرة: "وكان النبي - صلى الله عليه وسلم -باشًّا لطيف المعشر متسامحا رحيمًا لَا يقسو ولا يعنِّت أحدا ولا يغضب ولا يسب، وما ضرب أحدا بيده قط، وكان سهلا في معاملاته متسامحا، وكان طلق الوجه دائما، رآه أعرابي، فاسترعاه بشاشته وطلْق مُحَيَّاه، فقال له: أأنت الذي تقول عنه قريش إنه كذاب؟! والله ما هذا الوجه بوجه كذاب، وأسلم إذ دعاه النبي صلى الله عليه وسلم.

ولقد وصف عبد الله بن عمرو بن العاص النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "إنه ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي السيئة بمثلها، ولكن يعفو ويصفح"، وكان عليه الصلاة والسلام لَا يثير غيظه شيء، ويداري الناس إلا أن يكون في المداراة حق مضيَّع.

وإذا كانت الغلظة منفِّرة فالعفو جامع، ولذلك أمر الله تعالى نبيه الكريم بما يترتب على الرفق والبشاشة، وهو العفو" [زهرة التفاسير].

وقال حجة الإسلام الغزالي: "ومن نظر في أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، وما ورد من الأخبار في اهتمامه بإرشاد الخلق، وتلطفه في الأخذ بأيدي الناس بأنواع الرفق واللين واللطف، إلى تحسين الأخلاق وإصلاح ذات البين، وبالجملة إلى ما يصلح به دينهم ودنياهم، حصل له علم ضروري بأن شفقته - صلى الله عليه وسلم -على أمته أعظم من شفقة الوالد على ولده" [المنقذ من الضلال].