قضية ورأي
بالورقة والقلم، فإن الحياة الحزبية فى مصر واحدة من أعرق التجارب السياسية فى العالم.
فى 1879 كانت إرهاصات عندما تشكل الحزب الوطنى القديم كجبهة معارضة سرية لمواجهة التدخل الأجنبى والأزمة المالية أواخر عهد إسماعيل.. لكن البداية الحقيقية كانت فى 1907 عندما سمح بنشأة أحزاب رسمية.. أى أن الحياة الحزبية الرسمية فى مصر عمرها 119 عاماً تقريبا، وهى مدة كافية لانضاج أى تجربة.
ومن هذه الـ119 عاما، يحتل حزب الوفد حيز الأغلبية المطلقة، إذ يرتبط ميلاده ببدء الجهاد الوطنى فى 1918 حتى لو لم يكن وقتها الوفد حزبا.. فقادة الوفد دائما يفضلون أن يكون الوفد جامعا للشعب وبيتا للأمة عن أن يقال «حزب الوفد».
والفارق الأساسى بين التجربة الحزبية المصرية والتجارب الدولية الناجحة، هو أن الأحزاب فى الدول المتقدمة نشأت وتطورت تدريجياً على مدار 300 عام تقريبا فى بيئة مستقرة مؤسسياً، بينما نشأت الأحزاب المصرية فى ظروف التحرر الوطنى ومقاومة الاستعمار، ثم عدم إيمان السلطة الحاكمة بالأحزاب وأهميتها، مما جعل عمر التجربة الغربية أطول بنحو قرن ونصف إلى قرنين من التجربة المصرية.
فالتجربة الحزبية المصرية، كان يعترضها الملك فؤاد ثم الملك فاروق بتدخلاتهما لإلغاء الانتخابات، ثم اعترضها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بحل الأحزاب عقب ما يعرف بأزمة الديمقراطية فى مارس 1954، ثم اعترضها الرئيس السادات بالعزل السياسى لإبعاد فؤاد باشا سراج الدين وإبراهيم باشا فرج عام 1978، ثم اعترضها الرئيس مبارك عدة مرات عقب التزوير الممنهج للانتخابات.
ورغم إيمان الرئيس السيسى بأهمية التجربة الحزبية، والوفد على وجه الخصوص، وهو ما تجلى فى لقاء رأب الصدع داخل الوفد عام 2015، إلا أن التحديات الداخلية والإقليمية فرضت ما يؤجل بناء حياة حزبية سليمة.
أما وقد هدأت التحديات وعاد الاستقرار، فإن أكبر ضمانة لمنع اختطاف الدولة فكريا وثقافيا مرة أخرى، هو تحقيق بناء سياسى سليم.
وقد فتح الرئيس عبدالفتاح السيسى، هذا الملف مرة أخرى، إذ وجه الرئيس خلال افتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية «الأوكتاجون» بتنشيط الحياة الحزبية وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية، وشدد على الاستعداد لإجراء انتخابات المجالس المحلية، داعياً الأحزاب إلى تكثيف تواجدها وبرامجها للتواصل المباشر مع المواطنين.
فى حزب الوفد، يعقد الدكتور السيد البدوى شحاتة رئيس الحزب، لقاءات شبه يومية مع المحافظات لإعادة بناء الحزب، وتأهيل الكوادر، وهى مسئولية ليست سهلة إطلاقا.. لكن هل ستشارك الدولة فى تنشيط الحياة الحزبية حقا وتدعم هذا الجهد؟
هل تؤمن السلطة بأن الحفاظ على معارضة قوية وبناءة، مهم لها كأهمية الحفاظ على أحزاب الموالاة؟
هل نرى حوارا قريبا للأحزاب تنفيذا لتكليفات الرئيس؟
هل تذكر الدولة جهد الوفد فى مواجهة الإخوان فى 2013، وبالمناسبة هو جهد تاريخى ممتد منذ 1928، إذ يقاوم الوفد فاشية الإخوان منذ تأسيس الجماعة.
إن إنعاش الحياة الحزبية فى مصر ليس رفاهية سياسية، بل هو ضرورة حتمية لتعزيز الاستقرار والتنمية المستدامة.
فتحويل التعددية الحزبية من «تعددية ورقية» إلى «تعددية وظيفية» يمنح الدولة ظهيراً سياسياً قوياً، ويقدم للمواطن قنوات شرعية للتعبير والمشاركة، ويضمن بناء كوادر قادرة على إدارة مستقبل البلاد بكفاءة.
الوفد بدأ بتطوير نفسه.. فقط يبقى وجود إرادة مستمرة من الدولة لفتح المجال العام.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض