رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

المشهد الفطري الذي قدمه حسام حسن برفع علم فلسطين في محفل رياضي لم يكن مجرد لفتة عاطفية عابرة ، بل كان تجسيدًا حيًّا لنبض الشارع المصري والعربي وتذكيرًا بأن القضايا الكبرى لا تموت في وجدان الشعوب الحرة، ولقد أراد حسام بهذا الفعل أن يوجه رسالة بالغة الأهمية يذكرنا فيها بضرورة ألا تلهينا كرة القدم بمدرجاتها وصخبها ومتعتها المؤقتة عن هويتنا الأصيلة وقضايانا المحورية، فالرياضة تفقد قيمتها الأخلاقية والإنسانية إن تحولت إلى أداة لتخدير الوعي وفصل الجماهير عن واقع أمتهم ومصيرها، هذا الفعل البسيط في ظاهره والقوى في رمزيته أحدث ارتباكًا شديدًا لدى تيارات معينة حاولت طوال سنوات إبعاد مصر عن محيطها بدعاوى الوطنية الضيقة، والمفارقة الصارخة هنا تكمن في موقف هؤلاء اليساريين المنسلخين من هويتهم الذين ملأوا الدنيا صراخًا في فترات سابقة بشعارات التضامن الإنساني مع القضية الفلسطينية ، لكنهم بمجرد أن رأوا هذا التضامن ينبع من عمق الهوية العربية والإسلامية تحول موقفهم إلى هجوم واعتراض.
وهنا يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه أمام هذا الصخب والتنطع: من الذي فوض هؤلاء ليتحدثوا باسم مصر وينطقوا بلسانها، وهل اشتكت لهم مصر أو تبرأت من رفع علم فلسطين لتثور ثائرتهم ويسارعوا بالهجوم علي حسام حسن باسم الوطنية، إن الحقيقة الصادمة أن هؤلاء يعيشون في عزلة تامة عن وجدان الشعب ومعدنه الأصيل، ويمنحون أنفسهم حق الوصاية الفكرية على الجماهير دون أي تفويض أخلاقي أو شعبي، مدعين زيفًا أنهم حماة الوطنية بينما هم أبعد ما يكونون عن نبض الشارع الذي يرى في فلسطين قضية عادلة وامتدادًا طبيعيًّا له، هذا التناقض المفضوح يكشف أن هدفهم الحقيقي ليس دعم المظلوم بل توجيه الدعم وفق مقاسات أيديولوجية محددة ترضي الغرب فإذا جاء الدعم بتلقائية شعبية وهوية أصيلة اعتبروه خطرًا يجب محاربته ، فالهدف الأساسي لهؤلاء هو عزل مصر عن عمقها وصناعة إنسان مصري مشوه بلا امتداد يسهل اختراقه وتوجيهه.
والحقيقة أن ادعاء إمكانية الفصل بين مصر وفلسطين هو جهل مخجل ببديهيات الجغرافيا والتاريخ والسياسة والمشاعر الإنسانية، وتعتبر فلسطين وبشكل أخص قطاع غزة البوابة الشرقية للأمن القومي المصري ولم يأتِ غزاة إلى مصر عبر التاريخ البري إلا وكان طريقهم يمر بالشام وفلسطين ومن هنا فإن الدفاع عن عروبة فلسطين واستقرارها هو دفاع مباشر عن الحدود المصرية، فالسياسة الواقعية تفرض وعي هذا الترابط لأن الخطر الجاثم على حدود مصر الشرقية ليس جيرة عادية بل هو كيان استعماري توسعي لا يعترف بحدود ثابتة والتهاون في دعم الجبهة الفلسطينية يعني نقل التهديد مباشرة إلى العمق المصري بغض النظر عن أي معاهدات أو تسويات مؤقتة تفرضها التوازنات الدولية والظروف المصرية الحالية، وبالنسبة للأغلبية العظمى من الشعب المصري فإن فلسطين ليست مجرد بقعة جغرافية بل هي أرض مقدسة تضم المسجد الأقصى المبارك مسرى النبي صلى الله عليه وسلم وثالث الحرمين الشريفين والارتباط هنا ينطلق من صلب العقيدة الإسلامية وهذا البعد الروحي يجعل القضية فرض عين معنوي ونفسي على كل مصري ولا يمكن لتيار يساري متغرب يعيش في اوهام غير واقعية أن ينزع هذه القدسية من قلوب الملايين، وتاريخيًّا عاشت مصر دور الشقيقة الكبرى والعامود الفقري للأمة العربية وهذا الدور يمنح الوجدان المصري شعورًا بالمسؤولية الأخلاقية والمعنوية تجاه قضايا جيرانه فالتضامن مع فلسطين هو التعبير الأسمى عن الكرامة الإنسانية ورفض الظلم ، وهو ما يفسر لماذا يتأثر المواطن البسيط في القرى والمدن بكل ما يحدث في القدس وغزة معتبرًا أن نصرتهم نصرة لذاته وانكسارهم انكسار لشهامته.
ويزعم المعترضون على فعل حسام حسن أن خلط الرياضة بالسياسة يضر بمصر أو أن الأولوية يجب أن تكون للداخل فقط دون الالتفات للخارج ، والرد على هذه الادعاءات يأتي من وجوه عدة أولها انكشاف المعايير المزدوجة حيث نرى العالم الغربي ومؤسساته الرياضية يحتفون برفع أعلام قضايا معينة ويسخرون كل المنصات لدعم مواقف سياسية بعينها دون إنكار بينما يتباكى أتباعهم في بلادنا على حياد الرياضة فقط عندما يتعلق الأمر بفلسطين وقضايا العرب، ويزداد العجب حين نرى أن العالم الغربي نفسه صار متعاطفًا بشكل غير مسبوق وخصوصًا على المستوى الشعبي والجماهيري مع الحق الفلسطيني، حيث تخرج التظاهرات الحاشدة وتقام الفعاليات التضامنية الواسعة في عواصم الغرب وجامعاته الكبرى تنديدًا بالظلم ودعمًا للمظلومين، فإذا كان هذا هو حال الشعوب الغربية التي لا تربطها بفلسطين لغة ولا دين ولا جغرافيا ولا تاريخ بل تحركها الفطرة الإنسانية والضمير الحي، فكيف يكون حال العرب والمصريين الذين يجمعهم بالفلسطينيين الدم والمصير المشترك والعقيدة والأمن القومي، وثانيها وهم الانعزال التام،  إذ يعتقد هؤلاء خطأً أن الانكفاء على الداخل يحقق الرخاء غافلين عن أن القوى الإقليمية والدولية لا تترك الدول المنعزلة في حالها بل تستفرد بها وإن قوة مصر ومكانتها تنبع من قيادتها لمحيطها والتخلي عن هذا المحيط يضعف موقفها التفاوضي والسياسي والاقتصادي في العالم، وثالثها طبيعة الصراع ذاته حيث إن الطرف الآخر في هذا الصراع لا يرى في الاتفاقيات المؤقتة إلا مراحل لالتقاط الأنفاس وعقيدته السياسية والتوسعية قائمة على الهيمنة وإضعاف دول المنطقة وعلى رأسها مصر بالتالي فإن محاولة النخب المنفصلة عن الواقع تجميل المشهد والادعاء بأن الخطر قد زال هي قراءة ساذجة ومضللة لطبيعة الصراعات الوجودية.
ويثبت التاريخ الإنساني ويدعم فكرة أن الشعوب والدول مهما اختلفت في بعض التفاصيل فإنها تلتحم وتتحد عندما تواجه خطرًا يهدد وجودها المشترك والأمثلة على ذلك لا تحصى، والتاريخ يشهد كيف تصدت مصر ببسالة للحملات الصليبية المتعاقبة التي كانت تستهدف انتزاع القدس والشام وتأمين موطئ قدم دائم للاستعمار في قلب المنطقة، حيث أدرك قادة مصر وعامتها منذ البداية أن أمن القاهرة يبدأ من أسوار القدس وعكا وحطين، فكانت مصر الحصن المنيع والممول الأساسي للجيوش والعتاد وقاعدة الانطلاق الكبرى التي تحطمت عليها أوهام الغزاة الصليبيين في حطين والمنصورة، ولم يختلف هذا الوعي الاستراتيجي والديني عندما داهم التتار المنطقة ، ففي معركة عين جالوت لم تنقذ مصر نفسها بالانغلاق بل خرجت الجيوش من مصر والتقت بأشقائها في الشام وفلسطين لدحر الخطر المشترك ، ولو جلست مصر تنتظر خلف حدودها لسقطت كما سقطت العواصم الأخرى. وليست الدماء المصرية التي سالت على أرض فلسطين عام 1948 أو الدماء العربية التي امتزجت في حروب 1956 و1967 و1973 إلا دليلًا عمليًّا على أن المصير واحد وأن الأمن العربي حلقة متكاملة إذا انفرطت منها حبة انفرط عقدها كله.

ويقول الله تعالى في كتابه العزيز (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) وهذا يؤكد حقيقة وجودية تتجاوز الحدود المصطنعة ويقول سبحانه وتعالى في وصف المسجد الأقصى والبيئة المحيطة به (سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) وهذه البركة تشمل بالضرورة مصر وجنوب الشام مما يجعل الدفاع عن هذه الأرض دفاعًا عن بركة مقدسة، وفي السنة المطهرة يعزز النبي صلى الله عليه وسلم هذا التلاحم بقوله (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) وفلسطين اليوم هي ذلك العضو الجريح ولا يمكن لمصر قلب هذا الجسد إلا أن تشتكي وتتألم وتتحرك لنصرته.

ونتذكر فى هذا المقام قول الأديب والمفكر المصري الكبير جمال حمدان في كتابه الفذ شخصية مصر وهو يشرح الجغرافيا السياسية إن مصر لا يمكن أن تتنصل من عروبتها أو إسلامها دون أن تنتحر جرافيًا وتاريخيًا ، وفلسطين بالنسبة لمصر ليست مجرد جارة بل هي المرآة التي نرى فيها أمننا أو تهديدنا، وقول الفيلسوف والمفكر مالك بن نبي أن معارك الشعوب التحررية لا تتجزأ وأن الأمة التي تفقد الشعور بآلام جيرانها تصاب بالقابلية للاستعمار والضعف الداخلي قبل الخارجي،  كما صاغ الأديب غسان كنفاني هذه الحقيقة برؤية إنسانية حين قال إن القضية الفلسطينية ليست للفلسطينيين وحدهم بل هي مقياس لضمير كل إنسان حر فكيف إذا كان هذا الإنسان شقيقًا وجارًا يجمعه بالفلسطيني التاريخ والدم والمستقبل المشترك.
إن رفع حسام حسن للعلم  الفلسطينى يعبر عن أصالة الشخصية المصرية التي لم تنجح عقود من محاولات التغريب والعلمنة في طمسها ، ولقد أثبتت هذه اللفتة العفوية أن وعي الشعوب أعمق بكثير من أطروحات النخب المعزولة التي تحاول تجريد مصر من هويتها العربية والإسلامية، فالتضامن والاتحاد في وجه عدو مشترك لا يلين ليس مجرد عاطفة دينية أو قومية جياشة بل هو فوق ذلك كله الاختيار العقلي المفهوم والمنطقي والوحيد الذي يضمن البقاء والكرامة لمصر وفلسطين وللأمة جمعاء ، وكل محاولة لعزل مصر عن قضايا أمتها هي محاولة محكوم عليها بالفشل أمام صخرة الوعي الشعبي الراسخ  الأصيل.