مائة وعشرون دقيقة... ثم ركلات ترجيح...
سكنت الكرة الشباك... فسكنت مصر القلوب.
قد يظن البعض أن ما انتهى مع صافرة النهاية لم يكن سوى مباراة كرة قدم، لكن الحقيقة أن ما بدأ بعدها كان أكبر بكثير من مباراة، وأعمق من مجرد تأهل إلى دور جديد.
فما إن حسم المنتخب المصري تأهله، حتى خرجت الفرحة من شوارع القاهرة والإسكندرية وأسوان، لتعبر الحدود إلى عدد كبير من الدول العربية. لم يفرح المصريون وحدهم، بل شاهدنا في أنحاء الوطن العربي مشاهد احتفال صادقة وعفوية، وكأن المنتخب الذي انتصر هو منتخبهم، وكأن راية مصر هي رايتهم.
رأينا دموع الفرح، والهتافات، والأعلام المصرية ترتفع في أكثر من مكان، ورأينا فلسطينيين، وسعوديين، وكويتيين، وليبيين، وجزائريين، وتونسيين، ومغاربة، وغيرهم، يشاركون المصريين فرحتهم بمحبة صادقة لا يمكن أن تُصنع، ولا أن تُفرض.
وقفت أمام تلك المشاهد، ولم أسأل: كيف حدث ذلك؟
بل سألت: لماذا تسكن مصر كل هذه القلوب؟
الإجابة لا تبدأ من ملعب، ولا تنتهي عند ركلة جزاء.
مباراة واحدة لم تصنع حب مصر... لكنها كشفته.
كشفت أن مصر ليست مجرد دولة، بل جزء أصيل من وجدان المنطقة وذاكرتها، ومن أفراحها وأحزانها، ومن انتصاراتها وانكساراتها. علاقة صنعتها قرون من التاريخ، ورسختها حضارة ما زالت تبهر الدنيا، وشعب عرف كيف يترك أثرًا طيبًا أينما ذهب.
دخلت مصر كل بيت عربي قبل أن تدخله مواقع التواصل الاجتماعي. دخلته بصوت أم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، ومحمد عبد الوهاب، وبأدب نجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، ويوسف السباعي، وبأعمال فنية خالدة، وبابتسامة عادل إمام، وبأجيال من الفنانين والمبدعين الذين صنعوا وجدان أمة كاملة.
ولم يكن الفن وحده رسول مصر إلى القلوب.
فقد دخلتها أيضًا بعلمائها، وبالرسالة الوسطية التي حملها علماء أجلاء، مثل الشيخ محمد متولي الشعراوي، والشيخ محمد الغزالي، وغيرهما من كبار علماء مصر الذين تجاوز أثرهم حدود الوطن إلى العالمين العربي والإسلامي.
وكان الأزهر الشريف، وسيظل، منارة للعلم والاعتدال، يقصده طلاب العلم من عشرات الدول، يعودون إلى أوطانهم وهم يحملون علمًا راسخًا، ويحتفظون في قلوبهم بمحبة لمصر التي احتضنتهم.
وللقرآن الكريم مع مصر حكاية أخرى. فقد أنجبت مصر مدرسة فريدة في التلاوة، وأهدت العالم الإسلامي أصواتًا خالدة، مثل الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، والشيخ محمد صديق المنشاوي، والشيخ محمود خليل الحصري، والشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ محمود علي البنا، فأصبحت تلاواتهم جزءًا من الذاكرة الإيمانية لملايين المسلمين، وزادت من مكانة مصر في القلوب.
كما كانت الجامعات المصرية مقصدًا لآلاف الطلاب العرب، الذين عادوا إلى أوطانهم وهم يحملون شهاداتهم، ومعها ذكريات لا تُنسى عن بلد احتضنهم، وشعب عاملهم كإخوة.
ثم جاء الإنسان المصري ليكمل الحكاية.
المعلم المصري الذي ربّى أجيالًا، والطبيب الذي داوى المرضى، والمهندس الذي شارك في البناء، والعامل الذي بذل عرقه بإخلاص... جميعهم كانوا سفراء لمصر بأخلاقهم قبل أعمالهم، فتركوا في كل بلد عملوا فيه سمعة طيبة ومحبة صادقة.
ولهذا لا يكاد عربي يزور مصر إلا ويشعر أنه بين أهله. فكثيرون يقولون إن أجمل ما في مصر ليس النيل وحده، ولا الأهرامات وحدها، بل الإنسان المصري بكرمه، وبساطته، وخفة ظله، وقدرته العجيبة على احتواء ضيوفه.
ولأن مصر كانت دائمًا تعتبر أن أمنها وازدهارها مرتبطان بمحيطها العربي، بقيت حاضرة في وجدان أشقائها، يحمل شعبها هموم الأمة، ويفرح لفرحها، ويحزن لحزنها. ولذلك كان احتفال الفلسطينيين بفوز مصر مشهدًا مؤثرًا، كما جاءت لفتة الكابتن حسام حسن برفع العلم الفلسطيني بعد المباراة تعبيرًا إنسانيًا يعكس عمق الروابط بين الشعبين.
قد تحقق منتخبات كثيرة إنجازات رياضية، لكن قليلًا من الأوطان يستطيع أن يحظى بكل هذا الحب الصادق.
لأن البطولات تُدوَّن في سجلات الرياضة...
أما المحبة، فتُكتب في القلوب.
ولهذا... عندما تفرح مصر، لا تفرح وحدها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض