خارج السطر
بدأ الكون بكلمة وسيفنى بكلمة، وبينهما كلمات عمرت ودمرت، وأقامت وهدمت، وزرعت خيرات، ورشت شروراً، فثمة كلمات ملكات وأخرى لكمات، فيا أيها الكاتب المبتدئ والمثقف الصغير: اختر لك درباً.
عندما قرأت عبارة عبدالرحمن الشرقاوى الساحرة «الكلمة نور.. وبعض الكلمات قبور» فكرت مراراً فى تلك الكلمات التى أضرت وقتلت وخربت بلداناً، وتذكرت الواقعة الشهيرة التى نقلتها لنا كتب التراث وتقول إن الخليفة أبا العباس استتبت له الأمور وحقق الانتصار التام على الدولة الأموية، ودعا يوماً بقايا الأمراء الأمويين إلى مأدبة طعام وأمنهم؛ فدخل أحد الشعراء ويدعى سديف وأنشد شعراً فى مدح الخليفة، لكنه ذكر فى ثناياه تحذيراً من أمراء بنى أمية ونواياهم تجاهه، فأمر الخليفة بضرب المدعوين للمأدبة بالعصى حتى الموت.
والمحزن أن ابن خلدون نفسه رأى أن وظيفة أصحاب الأقلام هى تمجيد وتفخيم رجال السلطة والحكم، فكتب فى مقدمته «اعلم أن السيف والقلم كلاهما آلة لصاحب الدولة يستعين بها على أمره، إلا أن الحاجة فى أول الدولة إلى السيف ما دام أهلها فى تمهيد أمرهم أشد من الحاجة إلى القلم لأن القلم فى تلك الحال خادم فقط منفذ للحكم السلطانى والسيف شريك فى المعونة، وكذلك فى آخر الدولة حيث تضعف عصبيتها كما ذكرنا ويقل أهلها بما ينالهم من الهرم فتحتاج الدولة إلى الاستظهار بأرباب السيوف وتقوى الحاجة إليهم فى حماية الدولة والمدافعة عنها كما كان الشأن أول الأمر فى تمهيدها، فتكون للسيف مزية على القلم فى الحالتين، ويكون أرباب السيف حينئذ أوسع جاهاً وأكثر نعمة وأسنى إقطاعاً. أما فى وسط الدولة فيستغنى صاحبها بعض الشىء عن السيف لأنه قد تمهد أمره ولم يبقَ همه إلا فى تحصيل ثمرات الملك من الجباية والضبط ومباهاة الدول وتنفيذ الأحكام والقلم هو المعين له فى ذلك فتعظم الحاجة إلى تصريفه وتكون السيوف مهملة فى مضاجع أغمادها إلا إذا أنابت نائبة أو دعيت إلى سد فرجة وما سوى ذلك فلا حاجة إليها، فيكون أرباب الأقلام فى هذه الحالة أوسع جاهاً وأعلى رتبة وأعظم نعمة وثروة وأقرب من السلطان مجلساً وأكثر إليه تردداً وفى خلواته نجياً لأنه حينئذ آلته التى بها يستظهر على تحصيل ثمرات ملكه والنظر إلى أعطافه وتثقيف أطرافه والمباهاة بأحواله».
ومن قراءاتى لتاريخنا المعاصر، لاحظت أن الأنظمة الشمولية التى سادت بلادنا العربية عقب التحرر من الاستعمار مثلت بيئة جاذبة للمثقفين للترعرع والحراك، لكن بهدف وحيد هو تجميل عصور القهر، وتبرير خطايا الاستبداد.
لقد اعتبر بعض الحكام، أصحاب الأقلام تروساً لتسيير ماكينات بطشهم تحت لافتات عدة من عينة ضرورات بناء الدولة، التصدى الدائم للمؤامرات الخارجية، لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.
ربما انخدع البعض بشعارات الريادة والتقدم فصدقوا وصفقوا، لكن هناك من كانوا قريبين من دوائر صنع القرار ويعرفون الحقيقة، لكن نفوسهم أبت إضاعة مكاسب عظيمة يمكن أن تتحقق من خلال تشجيع إجراءات قمعية، فسخروا طاقاتهم من أجل ذلك.
واستثمر هؤلاء المثقفون فى نفخ الحالمين بالزعامة فى عالمنا العربى فتحلق كثير من المبدعين حول طاغية دموى منفر مثل صدام حسين فسموه بطل العرب، وحارس البوابة الشرقية، وخادم القدس وساحق الفرس. كما استثمر كثيرون فى التغنى بعبقرية معمر القذافى وكتب كثيرون من النقاد يشيدون بجمال قصصه القصيرة التى نشرتها الهيئة العامة للكتاب فى مصر.
وهكذا كفر الناس بالمثقف فى بلادنا.
والله أعلم
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض