في زمنٍ أصبحت فيه الأخبار تُنشر في ثوانٍ، والآراء تُصنع قبل اكتمال الحقائق، لم تعد قيمة الإعلام في السبق، بل في القدرة على البحث، والتحليل، وربط الوقائع بخلفياتها، ثم تقديم الحقيقة كاملة للمواطن. ولهذا أؤمن بأن برامج التحقيقات ليست مجرد قالب إعلامي، وإنما تمثل قمة الممارسة الصحفية، لأنها تضع الحقيقة فوق الإثارة، والدليل فوق الانطباع، والحوار فوق الاتهام.
العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج الإعلامي، بل يحتاج إلى إعلام يمتلك الشجاعة لطرح الأسئلة، والحياد في الاستماع إلى جميع الأطراف، والحكمة في تقديم حلول قابلة للتطبيق. فالإعلام الحقيقي لا يصنع خصومًا، وإنما يصنع جسورًا للفهم، ويمنح الجميع فرصة عادلة للدفاع عن مواقفهم.
من هذا الإيمان، جاء التحول في برنامج “البعد الرابع” إلى منهج التحقيقات. لم يكن الهدف إثارة الجدل أو البحث عن نسب مشاهدة، بل تقديم نموذج يحترم عقل المشاهد، ويؤمن بأن كل قضية تحمل أكثر من وجهة نظر، وأن الحقيقة لا تُبنى من صوت واحد، بل من حوار مكتمل الأركان. لذلك حرص البرنامج على مناقشة قضايا محلية ودولية بجرأة ومسؤولية، مع منح الضيوف حق الرد الكامل، وترك مساحة لهم لعرض رؤيتهم، بل واقتراح الحلول بأنفسهم، لأن الهدف من الإعلام ليس إدانة أحد، وإنما الإسهام في الإصلاح.
وخلال هذه الرحلة، لم تكن المفاجأة في حجم القضايا التي تناولها البرنامج، بل في ردود الأفعال التي جاءت من خارج الحدود. فقد تلقيت تساؤلات من مسؤولين وإعلاميين وشخصيات عامة في عدد من الدول: “هل أنتِ في مهمة عمل أم في إجازة؟”، في إشارة إلى أن الملفات المطروحة تجاوزت الإطار المحلي، وأصبحت محل متابعة ونقاش.
والأجمل أن كثيرًا ممن وُجه إليهم النقد لم يهربوا من المواجهة، بل دافعوا عن أوطانهم ومؤسساتهم بكل اعتزاز. وربما اختلفت معهم في بعض المواقف، لكنني احترمت فيهم قيمة الانتماء، لأن الأوطان لا تُبنى إلا بأبنائها المؤمنين بها، والحوار الصادق يظل أفضل من الصمت، والنقد المسؤول يظل أكثر فائدة من المجاملة.
ولعل أكثر ما أتمسك به في مسيرتي المهنية هو أن أمانة الكلمة لا تقل قداسة عن أمانة القضاء. لذلك لم أقتنع يومًا بأن الكاميرا السرية هي الطريق الأمثل للوصول إلى الحقيقة. فالحقيقة التي تُنتزع بالخداع قد تحقق ضجة مؤقتة، لكنها لا تبني ثقة دائمة. أما الحقيقة التي تُكشف بالوثيقة، وبالتحقيق، وباحترام حق الإنسان في الرد، فهي التي تصنع إعلامًا يبقى أثره في ضمير المجتمع.
الحقيقه إن مستقبل الإعلام لن يكون لمن يصرخ أكثر، بل لمن يبحث أكثر. ولن يكون لمن يجيد صناعة العناوين، بل لمن يجيد صناعة الثقة. وستظل برامج التحقيقات هي المدرسة الأهم في الإعلام، لأنها تمنح المشاهد ما يستحقه: الحقيقة كاملة، والعقل قبل العاطفة، والحل قبل الحكم.
فالكلمة الصادقة لا تهزمها الحملات، والحقيقة لا يخفيها الضجيج، والإعلام الذي يحترم الإنسان سيظل دائمًا أقرب إلى الناس، وأبقى أثرًا في التاريخ.
وسنظل نجتهد بفضل الله ولكن يقيني أن التوفيق الحقيقي من عند الله سبحانه..نسأل الله دوام التوفيق.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
