الراوى
«ليست كل الأفلام تُشاهد بالعين فقط… بعضها يُقاس بقدرته على انتزاع ابتسامة صادقة، أو إشعال نبضٍ متسارع، أو ترك أثرٍ خفيف فى الروح بعد انطفاء شاشة العرض».
هكذا تبدو تجربة فيلم «صقر وكناريا»؛ عمل لا يدّعى أنه سيغيّر شكل السينما، لكنه يعرف جيدًا كيف يمنح جمهوره ساعتين من المتعة الخالصة. فمنذ اللحظات الأولى، يضع المشاهد داخل عالم سريع الإيقاع، تتعاقب فيه المطاردات والمفارقات الكوميدية، دون أن يمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه. إنه فيلم يؤمن بأن السينما، قبل كل شيء، فن قادر على الترفيه وصناعة البهجة.
اختار صُنّاع الفيلم الجمع بين نجمين يختلفان فى الأداء ويتفقان فى الحضور؛ محمد إمام القادم بخبرته فى أفلام الأكشن، وشيكو الذى يحمل معه روح الكوميديا العفوية، ليشكلا معًا ثنائية غير مألوفة، لكنها تنجح فى صناعة حالة من الانسجام. فكلما اندفع أحدهما نحو الخطر، كان الآخر يدفع المشهد نحو الضحك، لتولد معادلة متوازنة لا يشعر معها المشاهد بالملل أو التكرار.
لا يعتمد الفيلم على مشاهد الحركة وحدها، ولا يكتفى بالنكات العابرة، بل يحاول أن يجعل من الكوميديا جزءًا أصيلًا من البناء الدرامى. فالمواقف المضحكة لا تأتى منفصلة عن الأحداث، وإنما تنبع من طبيعة الشخصيات نفسها، وهو ما يمنحها قدرًا من التلقائية ويجعلها أقرب إلى وجدان الجمهور.
ويحسب للمخرج أنه أدرك طبيعة العمل منذ البداية، فلم يثقل الفيلم برسائل مباشرة أو خطب وعظية، بل ترك الصورة تتحرك بإيقاعها، والكاميرا تلاحق الشخصيات بثقة، لتصبح المطاردات جزءًا من الحكاية لا مجرد استعراض بصرى. كما جاءت الموسيقى التصويرية والإيقاع العام داعمين لهذه الحالة، فبدا الفيلم متماسكًا فى شكله الفنى، محافظًا على سرعته دون أن يفقد وضوحه.
أما على مستوى الأداء، فقد حافظ محمد إمام على حضوره المعروف، مقدمًا شخصية تعتمد على الثقة والجرأة، بينما منح شيكو الفيلم مساحته الأكثر إنسانية بخفة ظله وردود أفعاله العفوية. وبين هذا وذاك، ساهم باقى فريق العمل فى إثراء الأحداث، ليصبح لكل شخصية دورها فى تحريك القصة وصناعة لحظاتها الفارقة.
وربما لا يسعى «صقر وكناريا» إلى إعادة تعريف سينما الأكشن الكوميدى، لكنه ينجح فى تحقيق ما هو أكثر أهمية بالنسبة للجمهور؛ أن يغادر المشاهد قاعة العرض وهو يشعر بأنه استمتع، وضحك، وعاش مغامرة سينمائية خفيفة لا تثقلها التعقيدات. وهذه فى حد ذاتها قيمة لا ينبغى التقليل منها، خاصة فى زمن أصبحت فيه المنافسة على انتباه الجمهور أكثر شراسة من أى وقت مضى.
إن السينما ليست دائمًا مرآة للواقع، بل قد تكون نافذة للهروب منه لبعض الوقت. وعندما ينجح فيلم فى أن يمنح جمهوره هذا الهروب الجميل، فإنه يكون قد حقق أحد أهم أهداف الفن. و«صقر وكناريا» ينجح فى ذلك، مستندًا إلى خلطة تجمع بين الحركة والضحك، وبين الأداء المتناغم والإخراج الواثق، ليقدم تجربة تستحق المشاهدة، وتؤكد أن البساطة، إذا أُحسن تقديمها، قد تصبح أكثر تأثيرًا من أعقد الأفكار.
وفى النهاية، يبقى الرهان الحقيقى لأى عمل سينمائى هو ما يتركه فى ذاكرة المشاهد بعد انطفاء الشاشة. وربما لن يتذكر الجميع تفاصيل كل مشهد فى «صقر وكناريا»، لكن كثيرين سيتذكرون إحساس المتعة الذى صاحب رحلتهم معه، وذلك هو الانتصار الذى تبحث عنه السينما الجماهيرية دائمًا.
أستاذ الإعلام بكلية الآداب - جامعة المنصورة
[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض