ترقب الماليين لمصير رغيف العيش فى المنظومة الجديدة
«النقدى» يطرق أبواب المخابز.. والمواطنون بين الترحيب والقلق
تحت أشعة الشمس الحارقة وعلى بُعد خطوات من باب أحد المخابز البلدية، يصطف عشرات المواطنين منذ الساعات الأولى للصباح فى طوابير طويلة تخترق الشوارع والحارات الضيقة المليئة «بالغلابة» والذى يمثل رغيف العيش «أبو ربع جنيه» ثروتهم الكبرى بالحياة تمتلئ البطون دائمًا بالرخيص المشبع ولا تجرؤ اشتهاء ما دون ذلك «فالعين بصيرة والإيد قصيرة».
ولمثل هؤلاء تصبح عبارة «البطاقة غير مستحقة» ليست مجرد رسالة تطبع على «بون» الخبز، بل سكين باردة تذبح الأمل فى الشبع ببرود مؤلم.. فكيف سيعود الأب بيديه خاليتين من أرغفة كل صباح ويطعم أطفاله؟.. أما عن الأم المسكينة فكيف لها أن تبحث عن بديل يناسب دخلها المنعدم؟
فرغيف الخبز بالنسبة لملايين الأسر أكثر من مجرد سلعة غذائية؛ فهو صمام أمان لمحدودى الدخل، وركيزة أساسية لاستقرار المائدة المصرية، إلا أن هذا المشهد التقليدى يقف اليوم أمام منعطف جديد، مع اقتراب تطبيق منظومة الدعم النقدي، التى تستهدف إعادة رسم خريطة الدعم بالكامل، عبر تحويل قيمة الدعم من رغيف يحصل عليه المواطن مباشرة إلى مقابل نقدى يمنحه مساحة أوسع لاختيار احتياجاته.
ولم يعد التحول إلى الدعم النقدى مجرد تصور أو مقترح مطروح للنقاش، بل دخل مرحلة الاستعداد للتنفيذ، بالتوازى مع مراجعة شاملة لقواعد بيانات المستفيدين، أسفرت عن حذف وإيقاف آلاف بطاقات صرف الخبز والسلع التموينية ليصل عدد البطاقات الموقوفة إلى ما يقرب من مليون بطاقة منذ بداية شهر يونيو.
وذلك بعد تنقية البيانات الخاصة باستحقاقية أصحابها للدعم وفق تصريحات وزارة التموين وبناء على معايير اقتصادية وضعتها الوزارة شملت امتلاك سيارات حديثة أو مرتفعة القيمة، وسداد مصروفات التعليم الدولى أو الخاص، وامتلاك شركات أو مساحات زراعية كبيرة، والإقامة فى تجمعات سكنية مرتفعة المستوى، وغيرها من المؤشرات التى اعتبرتها الدولة دليلًا على القدرة المالية، فى إطار خطة تستهدف إعادة توجيه مخصصات الدعم، البالغة نحو 178 مليار جنيه بالموازنة الجديدة، إلى الفئات الأولى بالرعاية.
رصدت «الوفد» مخاوف وآراء المواطنين حول المنظومة الجديدة، وكيف ستنال من رغيف العيش المدعم، والتى انقسمت بين مؤيد يرى فى الدعم النقدى فرصة لإحكام منظومة الدعم، والقضاء على الهدر، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، مع منح المواطن حرية أكبر فى اختيار احتياجاته، وبين آخرين أبدوا تخوفهم من تآكل القيمة الفعلية للدعم إذا لم تواكب الزيادات المتلاحقة فى الأسعار ومعدلات التضخم.
إلا العيش
عم رمضان، عامل يومية، قال: إن الخبز سيظل السلعة الأكثر أهمية بالنسبة للأسر محدودة الدخل، مؤكدًا أن أى تطوير لمنظومة الدعم يجب أن يضمن استمرار حصول المواطن على رغيف جيد بالسعر المناسب، لأن الخبز يمثل بالنسبة لكثير من الأسر الوجبة الأساسية التى لا غنى عنها.
وقالت صفاء ربة بيت: أى تطوير أو تعديل يمس رغيف العيش الذى نعتمد عليه فى وجباتنا اليومية يعتبر ظلمًا شديدًا للبسطاء وأصحاب العيال، فالرغيف خارج الدعم يصل إلى 5 جنيهات أو أكثر وفى أغلب الأحيان هو الوجبة الأساسية على مدار اليوم، يعنى ميزانية وخراب بيوت لأى أسرة تتكون من 3 أفراد فما بالنا لو 5 أو 6؟ كيف سنعيش؟
وقالت أم محمد، ربة منزل، إنها لا تمانع تطبيق الدعم النقدى إذا كانت قيمة المبلغ تكفى لشراء نفس عدد الأرغفة التى تحصل عليها أسرتها حاليًا، مؤكدة أن أكثر ما يشغلها هو ألا ترتفع أسعار الخبز بينما تظل قيمة الدعم ثابتة، لأن ذلك سيضاعف الأعباء المعيشية على الأسرة.
ويرى محمد عبدالعزيز، موظف، أن فكرة الدعم النقدى قد تكون أكثر مرونة من النظام الحالي، لكنها تحتاج إلى مراجعة دورية لقيمة الدعم، موضحًا أن أى زيادة فى أسعار الخبز يجب أن يقابلها تعديل مماثل فى قيمة الدعم، حتى لا يفقد المواطن جزءًا من حقه.
أما سيد أحمد، سائق، فأكد تأييده لتنقية بطاقات التموين واستبعاد غير المستحقين، مشيرًا إلى أن من يمتلك دخلًا مرتفعًا أو ثروة كبيرة لا ينبغى أن يحصل على الدعم، بينما يجب إعادة توجيه تلك المخصصات إلى الأسر الأكثر احتياجًا، التى يعتمد أفرادها على رغيف الخبز باعتباره سلعتهم الأساسية.
وفى المقابل، أبدت منى حسن، موظفة بالقطاع الخاص، تخوفها من أن تؤدى بعض معايير الاستبعاد إلى خروج أسر لا تزال تعانى من ضغوط اقتصادية، مطالبة بوجود آلية واضحة وشفافة للتظلمات، تتيح مراجعة الحالات التى ترى أنها استُبعدت من المنظومة دون وجه حق.

الدعم النقدى يواكب الإصلاح الاقتصادى
يرى الدكتور ياسر حسين سالم، الخبير الاقتصادى والمالى الدولى والمحاضر بالجامعات الخاصة والدولية، أن التحول من منظومة الدعم العينى إلى الدعم النقدى يمثل أحد أبرز محاور الإصلاح الاقتصادي، ويتماشى مع تجارب العديد من الدول التى نجحت فى توجيه الدعم إلى مستحقيه بكفاءة وعدالة. وقال، فى تصريحات خاصة لـ«الوفد»، إن فلسفة الدعم ترتكز على توجيه الموارد العامة إلى الفئات الأولى بالرعاية، وليس إلى القادرين ماليًا، مشددًا على ضرورة استبعاد غير المستحقين، وفى مقدمتهم الأثرياء، ومالكو الثروات والسيارات مرتفعة القيمة، والمتوفون، والأجانب المقيمون، وكل من لا تنطبق عليهم ضوابط الاستحقاق.
وأضاف أن الدولة تعمل على إحكام منظومة الدعم من خلال الربط بين الرقم القومى والبطاقة التموينية، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، ويحقق وفرًا ماليًا يمكن إعادة توجيهه للفئات الأكثر احتياجًا، بما يعزز كفاءة الإنفاق الاجتماعى.
وأشار إلى أن التحول إلى الدعم النقدى يعالج أوجه القصور التى صاحبت منظومة الدعم العيني، والتى مرت بمراحل متعددة من النقل والتخزين والتداول، بما أتاح فرصًا للهدر والفاقد. وأوضح أن النظام الجديد يقوم على تحويل قيمة استحقاق الخبز إلى مقابل نقدى يعادل السعر الرسمى للرغيف، مع احتفاظ المواطن بحقه فى الكميات المقررة، بما يسهم فى الحد من الممارسات الخاطئة، مثل بيع الخبز المدعم أو استخدامه فى غير الغرض المخصص له.
وشدد سالم على ضرورة مراجعة قيمة الدعم النقدى بصورة دورية بما يتواكب مع معدلات التضخم والتغيرات فى الأسعار، حتى يحتفظ المواطن بقوته الشرائية ولا تتراجع القيمة الفعلية للدعم بمرور الوقت، داعيًا إلى استمرار تحديث قواعد البيانات، وتطوير منظومة الحوكمة الإلكترونية، وربط قيمة الدعم بالسعر الحقيقى لرغيف الخبز، إلى جانب التوسع فى إنشاء المخابز وزيادة منافذ بيع الخبز بما يعزز المنافسة ويرفع جودة المنتج.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن نجاح المنظومة الجديدة يرتبط بوصول الدعم مباشرة إلى المواطن المستحق، مع استمرار تنقية قواعد البيانات وإضافة المستحقين الجدد، بما يحقق العدالة الاجتماعية، ويرفع كفاءة استخدام مخصصات الدعم، ويحافظ على الأمن الغذائى للفئات الأولى بالرعاية.

مرونة
أكد محمود العسقلانى، رئيس جمعية «مواطنون ضد الغلاء»، فى تصريحات خاصة لـ«الوفد»، تأييده للتحول من منظومة الدعم العينى إلى الدعم النقدي، معتبرًا أن هذا التوجه يمنح المواطن حرية أكبر فى اختيار احتياجاته، لكنه شدد على أن نجاح المنظومة يتوقف على قدرة الدولة على حماية القيمة الفعلية للدعم من آثار التضخم وارتفاع الأسعار.
وأوضح أن الدعم النقدى يتيح للمواطن شراء الخبز من أى منفذ يفضله، بما يخلق منافسة بين المخابز لتحسين جودة الرغيف والالتزام بالأوزان والمواصفات، على خلاف النظام الحالى الذى قد يضطر المواطن إلى التعامل مع منفذ واحد، حتى وإن كانت جودة المنتج أقل.
وأشار إلى أن أكبر تحدٍ يواجه المنظومة الجديدة يتمثل فى عدم تثبيت قيمة الدعم النقدى لفترات طويلة، مؤكدًا أن أى زيادة فى أسعار الخبز أو تكلفة الإنتاج ستؤدى إلى تآكل القيمة الحقيقية للدعم إذا لم تتم مراجعتها بصورة دورية، وهو ما قد يفقد المنظومة هدفها فى حماية الفئات الأكثر احتياجًا.
وأضاف أن قيمة الدعم يجب أن تكون مرنة ومرتبطة بمعدلات التضخم والتغيرات الاقتصادية، حتى يتمكن المواطن من شراء كامل الكميات التى يستحقها دون تحمل أعباء إضافية، محذرًا من أن تثبيت قيمة الدعم فى ظل الارتفاع المستمر للأسعار سيؤدى تدريجيًا إلى تراجع القوة الشرائية للمستفيدين.
وأكد العسقلانى أهمية وضع معايير دقيقة وعادلة لتحديد المستحقين للدعم، مشيرًا إلى أن الأزمات الاقتصادية العالمية والإقليمية ألقت بظلالها على الأسر المصرية، وأثرت فى أوضاع شريحة من الطبقة المتوسطة، وهو ما يستوجب مراعاة هذه المتغيرات عند تحديد المستفيدين.
وشدد على أن الهدف من المنظومة لا ينبغى أن يقتصر على تقليص أعداد المستفيدين، وإنما ضمان وصول الدعم إلى كل مستحق فعلي، مع مراجعة قواعد الاستحقاق بصورة مستمرة وفقًا للمتغيرات الاقتصادية.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن رغيف الخبز يمثل «خطًا أحمر» بالنسبة لمحدودى الدخل، داعيًا إلى تطبيق منظومة الدعم النقدى وفق خطة متدرجة ومدروسة تضمن الحفاظ على الأمن الغذائي، وحماية المواطنين من أى أعباء إضافية، مع مراجعة قيمة الدعم بصورة دورية بما يضمن استمرار قدرتها على تلبية احتياجات الأسر الأكثر احتياجًا.

المخابز تنفذ.. والدولة تحدد السياسات
أكد عبد الله غراب، رئيس الشعبة العامة للمخابز، فى تصريحات خاصة لـ«الوفد»، أن منظومة صرف الخبز المدعم ما زالت تُطبق وفق النظام الحالي، ولم يبدأ تنفيذ منظومة الدعم النقدى بصورة فعلية، مشيرًا إلى أن أى تغييرات سيشعر بها المواطن ستكون مع بدء التطبيق الرسمى وفق الجدول الزمنى الذى تحدده الحكومة.
وأوضح أن المخابز تواصل عملها دون أى تعديل، مؤكدًا أن المواطن لن يتأثر قبل دخول المنظومة الجديدة حيز التنفيذ. وأضاف أنه مع بدء التطبيق سيحصل المستحقون على رغيف الخبز بالمواصفات التى أعلنتها وزارة التموين، بوزن 70 جرامًا وسعر 1.5 جنيه للرغيف، وهو سعر سيظل أقل من أسعار الخبز بالمخابز السياحية، بما يضمن استمرار حصول الفئات المستحقة على الخبز المدعم.
وأشار غراب إلى أن المخابز ليست جهة معنية بوضع سياسات الدعم، وإنما يقتصر دورها على تنفيذ ما تقرره الدولة بشأن الأسعار والأوزان والمواصفات، موضحًا أن نحو 32 ألف مخبز بلدى على مستوى الجمهورية تلتزم بتطبيق تلك السياسات، بينما تعمل المخابز السياحية وفق آليات السوق.
وأكد أن من أبرز التحديات التى ينبغى الانتهاء منها قبل بدء التطبيق استكمال تفعيل الحسابات البنكية لجميع أصحاب المخابز، موضحًا أن نسبة منها لم تستكمل هذه الإجراءات بعد، وهو ما دفع الشعبة إلى مطالبة وزارة التموين بإرجاء التنفيذ لحين توفيق أوضاع جميع المخابز، بما يضمن تطبيق المنظومة بصورة منظمة ودون مشكلات فنية أو إدارية.
وشدد على أن الهدف الأساسى هو الحفاظ على استقرار حصول المواطن على الخبز المدعم، موضحًا أن التغيير سيقتصر على آلية صرف الدعم، التى ستتحول من دعم عينى إلى مقابل نقدى يستخدمه المواطن فى شراء الخبز أو السلع وفق الضوابط التى تضعها الدولة.
وطالب غراب بإعادة احتساب تكلفة إنتاج الخبز، مؤكدًا أن تكاليف التشغيل لم تُراجع منذ نحو عامين، رغم الزيادات المتتالية فى أسعار الوقود والطاقة وأجور العمالة والإيجارات ومستلزمات الإنتاج، مشددًا على أن تحديث تكلفة الإنتاج أصبح ضرورة لضمان استمرار المخابز فى أداء دورها بكفاءة والحفاظ على جودة رغيف الخبز، مع التأكيد على أن نجاح المنظومة الجديدة يتوقف على حسن التنفيذ وتحقيق التوازن بين مصلحة المواطن واستقرار قطاع المخابز.

بطاقة خبز لغير المستحقين.. ومطالب بتحديث تكلفة الإنتاج
أكد خالد صبري، المتحدث باسم الشعبة العامة للمخابز، فى تصريحات خاصة لـ«الوفد»، أن الدولة تمضى بخطوات واضحة نحو تطبيق منظومة الدعم النقدي، موضحًا أن هذا الملف انتقل خلال العامين الماضيين من مرحلة الدراسة إلى مرحلة التنفيذ الجاد، بهدف رفع كفاءة منظومة الدعم وترشيد الإنفاق العام، فى ظل اقتراب مخصصات دعم السلع التموينية والخبز من 180 مليار جنيه سنويًا.
وأوضح أن الشعبة تؤيد توجه الدولة طالما يحقق الصالح العام، لكنها تشدد على ضرورة أن تستند عملية تنقية بطاقات التموين إلى معايير عادلة ودقيقة، حتى لا يُحرم مواطنون مستحقون من الدعم بسبب مؤشرات قد لا تعكس أوضاعهم الاقتصادية الحقيقية، مثل امتلاك سيارة أو ارتفاع استهلاك الكهرباء أو إلحاق الأبناء ببعض المدارس.
وأشار إلى أن المخابز ليست جهة لوضع السياسات، وإنما تلتزم بتنفيذ ما تقرره الدولة بشأن سعر الرغيف ووزنه ومواصفاته، لافتًا إلى أن المقترح الحالى يقوم على تحويل قيمة دعم الخبز إلى وسيلة صرف إلكترونية تتيح للمواطن شراء الخبز أو استبداله بالسلع التموينية، بما يضمن توجيه الدعم للغرض المخصص له.
وكشف عن مقترح تقدمت به الشعبة لاستحداث «بطاقة خبز» لغير المستحقين للدعم التمويني، أو لمن لا يمتلكون بطاقات تموين أو تم حذف بعض أفراد أسرهم، بحيث يتمكنون من شراء الخبز من المخابز البلدية بالسعر الرسمى من خلال شحن البطاقة بأموالهم الخاصة، بما يسهم فى الحد من تقلبات الأسعار بالمخابز السياحية ويحقق قدرًا أكبر من الاستقرار.

وطالب صبرى بإعادة النظر فى تكلفة إنتاج الخبز بما يتناسب مع الزيادات التى شهدتها أسعار الوقود والطاقة وأجور العمالة، إلى جانب تحسين جودة الدقيق المورد للمخابز، أو منح أصحابها حرية التعاقد مع مطاحن توفر خامات أفضل، بما ينعكس على جودة الرغيف، كما دعا إلى تسوية الملفات التموينية القديمة وإعادة النظر فى القرار رقم 88 لسنة 2022 الخاص بتنظيم المهنة.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن نجاح منظومة الدعم النقدى يرتبط بوجود آلية دورية لمراجعة قيمة الدعم بما يتناسب مع معدلات التضخم، لضمان الحفاظ على القوة الشرائية للمواطن، واستمرار وصول الدعم الحقيقى إلى مستحقيه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض