رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

قد تدمر الحروب المدن وتنهك الأزمات الاقتصادات لكن الأمم التى تحافظ على بناء الإنسان لا تهزم، فاليابان خرجت من أنقاض الحرب العالمية الثانية والصين واجهت عقوداً من الفقر والتحديات ومع ذلك استطاعتا التحول إلى قوتين اقتصاديتين عالميتين ولم يكن السر فى وفرة الموارد أو المساعدات الخارجية بل فى قرار استراتيجى واضح، الاستثمار فى الإنسان قبل الاستثمار فى الاقتصاد.

أدركت اليابان أن إعادة بناء المصانع أسهل من إعادة بناء الشخصية الوطنية فجعلت المدرسة محور مشروعها الحضارى لم يكن التعليم مجرد نقل للمعرفة، بل وسيلة لغرس الانضباط واحترام الوقت والعمل الجماعى وتحمل المسئولية وتقدير قيمة العمل وأصبحت ممارسات مثل تنظيف الطلاب لفصولهم واحترام النظام جزءاً من ثقافة المجتمع وهو ما انعكس لاحقاً على الإنتاجية وجودة الصناعة والثقة المؤسسية.

أما الصين، فرغم ما واجهته من تحديات اقتصادية واجتماعية، ربطت التعليم بالتنمية والإنتاج، واستثمرت فى البحث العلمى والتكنولوجيا، وعززت ثقافة الاجتهاد والاعتماد على النفس حتى أصبحت اليوم من أكبر القوى الصناعية والتكنولوجية فى العالم، وكانت الرسالة واضحة لا يمكن تحقيق نهضة اقتصادية مستدامة دون بناء إنسان يمتلك المعرفة والانضباط والقدرة على الابتكار.

وتكشف التجربتان أن نقطة الانطلاق لم تكن التكنولوجيا ولا رأس المال وإنما الإنسان، فالمواطن الذى يحترم القانون يرفع كفاءة المؤسسات، والعامل المنضبط يزيد الإنتاجية، والطالب الذى يتعلم التفكير والعمل الجماعى يصبح قائداً قادراً على مواجهة تحديات المستقبل، ولهذا أصبحت الأخلاق والانضباط والثقة المجتمعية عناصر اقتصادية حقيقية تسهم فى جذب الاستثمار وخفض تكلفة الفساد وتعزيز جودة الأداء المؤسسى كما تؤكد الخبرات الدولية أن الأمن القومى لم يعد يقتصر على حماية الحدود بل يشمل الأمن الفكرى والثقافى والاجتماعى والرقمى، فبناء مواطن واعٍ يمتلك التفكير النقدى، ويحسن التعامل مع المعلومات يمثل خط الدفاع الأول فى مواجهة التطرف والشائعات وحروب المعلومات، ويعزز قدرة الدولة على حماية استقرارها وتحقيق أهدافها التنموية.

ومن هذا المنطلق مصر لا تحتاج إلى استنساخ التجربتين اليابانية أو الصينية، وإنما إلى استلهام جوهرهما بما يتوافق مع هويتها الوطنية وخصوصية مجتمعها، ويبدأ ذلك بإعادة الاعتبار للتربية الأخلاقية وتطوير المناهج ودعم مكانة المعلم وتعزيز دور الأسرة وربط التعليم بالبحث العلمى والإنتاج ونشر ثقافة احترام الوقت وسيادة القانون وتنمية مهارات الابتكار والتفكير النقدى باعتبارها ركائز أساسية لبناء الإنسان.

 

رؤية مصر 2050

من وجهة نظرى، مستقبل مصر يرتكز على جعل بناء الشخصية المصرية مشروعاً وطنياً مستداماً تتكامل فيه جهود الدولة والأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلام والقطاع الخاص والمجتمع المدنى لإعداد مواطن يجمع بين الاعتزاز بهويته والانفتاح على المعرفة والقدرة على الإبداع والإنتاج.

إن الاستثمار فى الإنسان يمثل أحد أهم ضمانات التنمية المستدامة لأنه ينعكس على الاقتصاد، ويعزز الاستقرار ويرفع كفاءة المؤسسات، ويدعم الأمن القومى بمفهومه الشامل. كما أن تطوير التعليم والبحث العلمى وترسيخ القيم وتمكين المعلم وتوظيف التكنولوجيا بصورة مسئولة هى جميعاً مكونات متكاملة لرؤية مستقبلية تستهدف بناء دولة حديثة قادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً.

 

الرسالة الوطنية

إن التجارب الدولية تؤكد أن نهضة الأمم تبدأ ببناء الإنسان قبل بناء المشروعات، وبترسيخ القيم قبل تعظيم المؤشرات الاقتصادية، فالإنسان الواعى هو أساس التنمية والمؤسسات الناجحة هى الضامن لاستدامتها وسيادة القانون هى الإطار الذى يحفظ مكتسباتها، وتمتلك مصر من التاريخ والهوية والطاقات البشرية والمؤسسات الوطنية ما يؤهلها لمواصلة مسيرة التنمية مستفيدة من خبرات العالم مع الحفاظ على خصوصيتها الحضارية وثوابتها الوطنية، إن الاستثمار فى الإنسان ليس مجرد خيار تنموى بل استثمار فى مستقبل الوطن وإحدى أهم ركائز بناء الجمهورية الحديثة، فحين يصبح التعليم رسالة والقيم ثقافة والعمل أسلوب حياة والابتكار نهجاً تتحول التنمية إلى مشروع وطنى يشارك فيه الجميع وتصبح الدولة أكثر قدرة على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل بثقة واقتدار.

إن الأمم لا تخلد بما تملكه من ثروات وإنما بما تبنيه فى عقول أبنائها وما ترسخه من قيم وما تؤسسه من مؤسسات قادرة على تحويل المعرفة إلى إنجاز، والوعى إلى قوة، والتنمية إلى مستقبل مستدام للأجيال القادمة.

المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية