رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

حين يتحول اللحن إلى جزء من تجربة فندقية، أو تصبح الأغنية عنصرًا في خدمة يقدمها مطعم أو مركز تجاري، فإن الإبداع يدخل دائرة النشاط الاقتصادي ويكتسب إلى جانب قيمته الثقافية قيمةً قابلةً للقياس والاستثمار. وهنا يؤدي القانون وظيفته في تنظيم الانتفاع، وتحديد الحقوق، وبناء علاقة واضحة بين المبدع ومن يستخدم عمله والجمهور الذي يستمتع به.


ويأتي حق الأداء العلني في قلب هذه العلاقة؛ لأنه يحول الحق المالي للمؤلف وأصحاب الحقوق المجاورة إلى مورد مشروع يمكن إدارته وتتبعه وتوزيعه. كما يفتح المجال أمام تطوير صناعة ثقافية أكثر انتظامًا، يعرف فيها صاحب الحق قيمة عمله، وتعرف المنشأة شروط الاستخدام القانوني، وتجد المؤسسة العامة بيانات تساعدها على التخطيط وقياس الأثر.

وتتسق هذه الرؤية مع توجه الدولة المصرية نحو بناء اقتصاد أكثر اعتمادًا على المعرفة والإبداع، ومع أهداف رؤية مصر ٢٠٣٠ في تحسين جودة الحياة، ورفع كفاءة المؤسسات، وتشجيع الابتكار، وتنمية القطاعات الواعدة، فالمصنف الفني أصل اقتصادي، والإدارة الرشيدة لهذا الأصل تخلق دخلًا، وتدعم فرص العمل، وتشجع الاستثمار، وتوسع مساهمة الصناعات الإبداعية في الناتج الاقتصادي.
الحماية القانونية تحول الإبداع إلى أصل منتج

ونصت المادة ٦٩ من الدستور المصري على التزام الدولة بحماية حقوق الملكية الفكرية بشتى أنواعها، وإنشاء جهاز مختص برعايتها وحمايتها القانونية، ويؤكد هذا النص أن حماية الإبداع تمثل جزءًا من البناء الدستوري للاقتصاد والمعرفة والثقافة، وأن العمل الفكري والفني يتمتع بقيمة تستحق التنظيم والحماية.

ونظم قانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم ٨٢ لسنة ٢٠٠٢ الحقوق الأدبية والمالية للمؤلفين، كما قرر الحماية لأصحاب الحقوق المجاورة، ومن بينهم فنانو الأداء ومنتجو التسجيلات الصوتية وهيئات الإذاعة. ويعكس هذا التنظيم حقيقة أن العمل الفني نتاج سلسلة متكاملة من الإبداع والأداء والإنتاج والإتاحة.

وتحمي الحقوق الأدبية الصلة المعنوية بين المبدع وعمله، وفي مقدمتها نسبة المصنف إلى صاحبه وصون سلامته، أما الحقوق المالية فتمنح صاحب الحق سلطة الترخيص بالاستغلال والحصول على المقابل المستحق. ومن هذه الحقوق ينبع الأداء العلني وغيره من صور إتاحة المصنف للجمهور.

كما تدعم الاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية ٢٠٢٢–٢٠٢٧ هذا الاتجاه من خلال حوكمة البنية المؤسسية، وتحسين البيئة التشريعية، وتعظيم المردود الاقتصادي للأصول الفكرية، ونشر ثقافة احترام الحقوق. ويعزز الجهاز المصري للملكية الفكرية، المنشأ بالقانون رقم ١٦٣ لسنة ٢٠٢٣، قدرة الدولة على توحيد الرؤية وتنسيق السياسات والانتقال من تعدد الجهات إلى إدارة أكثر تكاملًا.
يقصد بالأداء العلني، في معناه المبسط، استخدام المصنف أو الأداء أمام جمهور خارج نطاق الاستعمال الشخصي، وبخاصة عندما يكون هذا الاستخدام جزءًا من نشاط مهني أو تجاري. فالموسيقى التي تُشغَّل في الفندق أو المطعم أو قاعة المناسبات تسهم في تكوين الخدمة وتحسين تجربة العميل، ومن ثم تدخل ضمن عناصر القيمة التي يقدمها النشاط.

ويحصل المستخدم في هذه الحالة على ترخيص يجيز له الانتفاع بالمصنفات المحمية وفق ضوابط معلومة.

ويحدد المقابل على أساس طبيعة النشاط، ومساحة المنشأة، وسعة الجمهور، وعدد الفروع، وتكرار الاستخدام، ومدى اعتماد الخدمة على المحتوى الفني. ويضمن هذا التدرج تناسب المقابل مع المنفعة الاقتصادية المتحققة.

ويحتاج التطبيق القانوني إلى التمييز بين حقوق المؤلف والحقوق المجاورة، وتحديد أصحاب الاستحقاق ونسبهم، ومنع تداخل المطالبات، والمصنف الموسيقي قد تتصل به حقوق الشاعر والملحن، بينما يتعلق التسجيل بحقوق المؤدي والمنتج. وكلما اتضحت هذه المراكز القانونية، أصبح الترخيص أكثر بساطة، والتوزيع أكثر دقة.

وتمتد الحقوق المالية للمؤلف طوال حياته ولمدة خمسين سنة تبدأ من أول يناير التالي لوفاته، وتنتقل خلال هذه المدة إلى الورثة أو من آلت إليهم الحقوق.
وبذلك تظل القيمة الاقتصادية للعمل موردًا مشروعًا لصاحبه وأسرته خلال مدة الحماية، ثم يدخل المصنف في الملك العام ماليًا مع بقاء الحقوق الأدبية محل احترام.

يصعب أن يتفاوض كل صاحب حق بصورة منفردة مع آلاف المنشآت التي تستخدم المصنفات. ولهذا تقوم الإدارة الجماعية على تولي جهة مرخصة إدارة الحقوق نيابة عن أصحابها، فتمنح التراخيص، وتحصّل المقابل، وتوزع العوائد وفق قواعد معلنة.

وتقدم الإدارة الجماعية منفعة اقتصادية للطرفين؛ فهي تتيح للمبدع إدارة حقوقه على نطاق واسع، وتمنح المنشأة منفذًا واحدًا أو عددًا محدودًا من المنافذ للحصول على الترخيص.
كما تخفض تكاليف التفاوض، وتحد من المنازعات، وتحول الاستخدامات المتفرقة إلى تدفقات مالية قابلة للرصد.
  وتقوم الإدارة الرشيدة على تمثيل حقيقي لأصحاب الحقوق، وسجلات دقيقة للمصنفات، وحسابات مستقلة، وإفصاح دوري، ومراجعة مالية، وقواعد واضحة للاستقطاعات والتوزيع. كما تستلزم نشر التعريفات المطبقة، وبيان أسس احتسابها، وإتاحة آلية للتظلم والمراجعة.

وتساعد الرقمنة على رفع كفاءة هذه المنظومة. فمنصة موحدة تستطيع إصدار التراخيص، وتحصيل المقابل، وربط كل مصنف بأصحاب حقوقه، وتتبع الاستخدام، وإظهار مراحل توزيع العوائد. كما يمكن لتقنيات التعرف على المحتوى أن تزيد دقة تحديد الأعمال المستخدمة، بما يجعل التوزيع أقرب إلى الاستخدام الفعلي.

وحين يعرف المبدع مصدر العائد وقيمته، وتعرف المنشأة أساس التكلفة، تصبح الثقة جزءًا من الاقتصاد الإبداعي نفسه. فالثقة تخفض تكلفة المعاملات، وتشجع الامتثال، وتزيد قابلية القطاع للنمو والاستثمار.

تشمل الصناعات الإبداعية الموسيقى والسينما والدراما والإذاعة والنشر والتصميم والإعلان والفنون الرقمية والألعاب الإلكترونية وغيرها من الأنشطة التي تعتمد على المعرفة والموهبة. وتتميز هذه القطاعات بقدرتها على خلق فرص عمل متنوعة، وجذب فئات شابة، وتطوير خدمات قابلة للتصدير والوصول إلى أسواق واسعة.

ويضيف حق الأداء العلني موردًا منتظمًا إلى الدورة الاقتصادية للمصنف. فالعوائد التي تصل إلى المؤلفين والمؤدين والمنتجين تدعم إنتاج أعمال جديدة، وتمول التدريب والتسجيل والتسويق، وتنعكس على الاستوديوهات والمنصات وشركات التوزيع والخدمات المساندة.
كما تسهم الحماية الفعالة في تعزيز جاذبية البيئة الاستثمارية، فالمستثمر في الإنتاج الفني أو الإعلامي يحتاج إلى قواعد واضحة تحمي الأصول التي يمولها، وتمكنه من ترخيصها واسترداد استثماره. وكلما زادت كفاءة الإدارة والإنفاذ، ارتفعت قابلية الصناعة للنمو والشراكة والتمويل.
ويتصل ذلك مباشرة برؤية مصر ٢٠٣٠، التي تضع المعرفة والابتكار وكفاءة المؤسسات والتحول الرقمي وجودة الحياة ضمن مسارات التنمية.

والموسيقى والفن والثقافة تسهم في جودة الحياة، بينما تدعم إدارتها اقتصاديًا تنويع مصادر الدخل، ونمو المشروعات الصغيرة، وتوفير العمل، وتحسين قدرة الاقتصاد على إنتاج قيمة قائمة على المعرفة.
كما تساعد البيانات الناتجة عن نظام الترخيص في قياس حجم السوق الإبداعية.

وعدد التراخيص، وحجم الاستخدام، والعوائد المحصلة والموزعة، والقطاعات الأكثر نشاطًا، كلها مؤشرات تمكّن الدولة من تقدير المساهمة الاقتصادية للصناعات القائمة على حق المؤلف وتصميم سياسات أكثر دقة.
يتطلب نجاح حق الأداء العلني بناء منظومة تجمع بين الوضوح القانوني والكفاءة الاقتصادية. 
وتبدأ هذه المنظومة بإطار تنظيمي موحد يحدد نطاق الاستخدامات الخاضعة للترخيص، وحالات الإعفاء، وأصحاب الحقوق، والجهات المخولة بالإدارة والتحصيل.

ويأتي قياس الأثر التشريعي عنصرًا أساسيًا في هذا البناء؛ إذ ينبغي تحديد أهداف قابلة للقياس، مثل زيادة نسبة التراخيص، وتقليل زمن إصدارها، ورفع نسبة العوائد الموزعة، وخفض تكلفة الإدارة، وتقليل المنازعات، وتحسين رضا أصحاب الحقوق والمنشآت.

ويمكن اعتماد الخطوات العملية الآتية:
١. إنشاء منصة رقمية موحدة للتسجيل والترخيص والسداد وتوزيع العوائد، مع تطبيق قواعد حماية البيانات والأمن السيبراني.
٢. وضع جداول عادلة ومتدرجة للمقابل تراعي حجم النشاط وطبيعته ومدى استخدام المصنفات، وتخضع لمراجعة دورية مبنية على البيانات.
٣. إخضاع جهات الإدارة الجماعية لمعايير الحوكمة والإفصاح والمراجعة المستقلة، مع نشر تقارير سنوية مبسطة عن التحصيل والتوزيع.
٤. إنشاء آلية ميسرة وسريعة للتظلم وتسوية المنازعات، تحمي أصحاب الحقوق والمنشآت وتخفض تكلفة التقاضي.
٥. تطبيق المنظومة تدريجيًا، مع مرحلة تجريبية في قطاعات مختارة، يعقبها تقييم موضوعي للأثر التشريعي والاقتصادي.
٦. تنفيذ برامج توعية للمبدعين والورثة والمنشآت بشأن الحقوق والتراخيص، وبرامج تدريب للعاملين في الإدارة الجماعية والمحاسبة الرقمية.
٧. إعداد دراسة دورية لقياس مساهمة الصناعات القائمة على حق المؤلف في الناتج والتشغيل والصادرات، وفق المنهجيات الدولية المعتمدة.
حق الأداء العلني يمثل نقطة اتصال عملية بين الثقافة والاقتصاد والقانون.
وحين يُدار وفق قواعد واضحة، يصبح أداةً لتعزيز دخل المبدعين، وتحسين بيئة الاستثمار، وتوسيع السوق الإبداعية، ودعم أهداف رؤية مصر ٢٠٣٠.
والإبداع ينتج المعنى، والإدارة الرشيدة تحول هذا المعنى إلى قيمة قابلة للاستمرار. ومن هنا تبدأ صناعة ثقافية تحترم صاحب الحق، وتخدم المستخدم، وتضيف إلى الاقتصاد المصري موردًا متجددًا أساسه الموهبة والمعرفة.