اعترف أني كنت أحد المخدوعين بإبراهام عيساو، في تسعينيات القرن الماضي، كنت أراه صحفيًا متمكنًا من أدواته، وإعلاميًا جريئًا يصدح بالحق، ولم أكن أعلم أني أعجبت بثعبان متلون، يستغل ما حباه الله من موهبة في غير رضا الخالق، بحثًا عن شهرة زائفة وعيشة رغدة، تعوضه مرارة الفقر والحرمان، الذي عاشه في بداياته، ولو كان الثمن فقد دينه، لذا صدمت حين رأيته يتلون، ويرقص على حبال المصلحة مثل لاعب الأكروبات، متنقلًا من حبل لآخر، بحسب ما تقتضيه مصلحته، فهو أشبه بمحفوظ عجب في رواية موسى صبري الشهيرة "دموع صاحبة الجلالة"، والفرق أن محفوظ عجب كان عديم الموهبة، فيما إبراهام يمتلك موهبة خداع الناس بلسان معسول يدس السم في الدسم، فهو ممن عناهم المولى جلت قدرته في قوله "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ" (204 :البقرة).
أتذكر قول السيد المسيح عليه السلام " ماذا يستفيد ابن الإنسان لو ربح العالم وخسر نفسه"، واتحسر على إبراهام عيساو، فقد باع الرجل روحه لشيطان المال والشهرة، مثلما فعل "فاوست" في رائعة جوتة، بدأ مسيرته صحفيًا وطنيًا يدافع عن حقوق البسطاء، ثم تلون بعدما جرفته الشهرة وعمر حسابه البنكي بالمال، فصار يهاجم نظام مبارك صباحًا، ويأكل على موائد النظام مساء، ولهذا حظى بحماية مستترة من النظام، الذي رأى فيه عميلًا يخدمه بمعارضة شكلية، توحي بوجود حرية رأي، وتضفي على النظام صورة ديمقراطية، وهي لعبة معروفة في النظم الاستبدادية، التي توظف معارضة كرتونية لخدمة مصالحها، وبعد سقوط نظام مبارك، انتقل ولاء إبراهام للأخوان المسلمين، إنطلاقًا من مصلحته الخاصة أيضًا، فالميكافيلية تحكم كل خطواته، حتى إذا ما سقط الأخوان، أنهال عليهم بطعناته عبر أعمال تهاجمهم، ولا عجب فهو ابن اللحظة الآنية التي يعيشها، والتي تحدد توجهاته فيما يخدم مصلحته.
وحتى في آرائه الخارجية تبدلت مواقفه من النقيض للنقيض، فبعدما كان من أشد المتحمسين للمقاومة الفلسطينية، تبنى السردية الصهيونية، وانقلب على المقاومة مهاجمًا، كما كان في فترة من الفترات يروج للفكر الشيعي ممتدحًا، ثم فجأة في ذروة العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، صار من أشد الإعلاميين انتقادًا لطهران.
ولم يقتصر شذوذه الفكري على السياسة، لكنه تجاوز في انحرافه الفكري الديني كل الخطوط الحمراء، لدرجة أنه أثناء حديثه عن الوضع السياسي في مصر، استخدم الآيتين الكريمتين في سورة الحاقة "مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ۜ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ"، استخدامًا ساخرًا، لا يليق بحرمة كلمات الله، مكررًا كلمة "سلطانية" بسخرية قائلًا: سلطانية سلطانية.. لا دي سلطانية! ولم يقتصر الأمر على السخرية من كتاب الله، لكنه امتد إلى رفض أحكام وحدود فقهية قرآنية ثابتة: كرجم الزاني، وقتل المرتد، وقضايا سبي النساء في المعارك.
وفي لقاء مع إعلامية تونسية منحرفة الفكر مثله، زعم إبراهام أن جسد الرسول صلى الله عليه وسلم، تحلل وتعفن، لتأخر دفنه يومين، متجاهلًا أن أجساد الأنبياء لا يحدث لها ما يحدث للبشر العاديين، لما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان: "إنَّ الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجسادَ الأنبياء"، فضلًا عن أن جسد الرسول عليه الصلاة والسلام كان دوًما طاهرًا طيب الرائحة، إذ روى ابن سعد في الطبقات الكبرى بسند معتبر عن عليٍّ رضي الله عنه أنه قال: "ما شممتُ قطُّ رائحةً أطيبَ من رائحة رسول الله ﷺ حيَّاوميِّتًا".
كما تعرض لمعجزة الإسراء والمعراج بالإنكار، وتراجع عن إنكاره حين تصدى لخزعبلاته العلماء والمثقفون وحتى عوام الناس، وأنكر ما قاله زاعمًا أن أقواله حرفت عن مقصدها، وأنه لم يقل أنها قصة وهمية، وإنما قال إن الكتب الإسلامية تروي روايات مختلفة ومتناقضة عنها.
وشكك إبراهام في الأحاديث النبوية الشريفة، قائلًا كيف نأخذ بحديث رواه فرد واحد، كاشًفا عن جهله بشروط أحاديث الأحاد، التي رواها عدد من الرواة لا يبلغ حد التواتر، فحديث الآحاد: ما كان عدد الرواه في طبقاته أقل من 4، وهناك من قال أقل من 7 أو 8 أو 12، وشكك في السيرة والنصوص، بزعمه عدم صحة قصة سحر النبي محمد على يد اليهودي لبيد بن الأعصم، وأثار جدلاً عبر روايته "رحلة الدم: القتلة الأوائل" التي تتناول فترة الفتنة الكبرى، وفيها سعى لتشويه التاريخ الإسلامي ورموز الصحابة.
إن إبراهام عيساو يسير على درب المتشرقين في طعنه للشريعة، وتشكيك المؤمنين بصحتها، وطعنه في تاريخ المسلمين من أجل تشويهه في نفوس الشباب، والتنفير منه، يفعل ذلك وهو يزعم أنه يتبع طريق المعتزلة، تلك الجماعة التي أحدثت فتنة القول بخلق القرآن الكريم، مع فرق العلم الشاسع بينه وبين فكر المعتزلة، وفرق النية أيضًا، فنية عيساو خدمة أسياده الذين يريدون تسميم الفكر الإسلامي بأفكار منحرفة، من أجل القضاء على الإسلام، وإعلاء الدين الإبراهيمي الذي يريدون فرضه على المسلمين دون غيرهم.
لقد سقط إبراهام عيساو في بئر العمالة، ويومًا ما سوف يهوي إلى قاع جهنم بلا قرار، ويومها لن تنفعه شهرة ولا مال، وكما قالت أبيات منسوبة إلى إمامنا الشافعي رضي الله عنه:
حسبي بعلمي إن نفع
ما الذل إلا في الطمع
من راقب الله رجع
عن سوء ما كان صنع
ما طار طير وارتفع
إلا كما طار وقع.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض