الهجرة النبوية.. مدرسة التخطيط والأخذ بالأسباب مع كمال التوكل على الله
لم تكن الهجرة النبوية مجرد رحلة انتقال من مكة إلى المدينة، ولا حدثًا تاريخيًا يُّستدعى مع مطلع كل عام هجرى، بل مدرسة عملية أرست قواعد النجاح فى حياة الأفراد والأمم، وأثبتت أن التوكل الحقيقى على الله لا ينفصل عن حسن التخطيط، ولا يعنى ترك الأسباب.
أوضح علماء الأزهر الشريف، أنه كان بإمكان الوحى، فى لحظة أن ينقل رسول الله، من مكة إلى المدينة، وينتهى الأمر، لكن الله شاء أن يعلمنا دروسا مهمة فى حياتنا، نتخذ فيها النبى صلى الله عليه وسلم قدوة، فالمتأمل فى أحداث الهجرة يجد أن النبى وهو سيد المتوكلين، لم يكتف بالاعتماد على معية الله ونصره مع يقينه الكامل بذلك، بل اتخذ من الأسباب ما يعجز عنه كثير من الناس.
هل يكفى التوكل دون إعداد؟
قال الدكتور هشام الجناينى، أستاذ الفقه بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، إن من الأخطاء التى يقع فيها بعض الناس أن يظنوا أن التوكل على الله يعنى ترك الأسباب، أو أن مفهوم الثقة بالله يغنى عن الإعداد والتخطيط، فإذا قصر أحدهم فى واجباته، أو أهمل أسباب النجاح، ثم أخفق، علل ذلك بأنه متوكل على الله.
أوضح «الجناينى» أن هذا الفهم لا يعرفه الإسلام، ولم تعرفه سيرة النبى صلى الله عليه وسلم، بل جاءت الهجرة النبوية لتقرر قاعدة عظيمة من قواعد الدين، وهى: أن التوكل الحق لا يكون إلا مع بذل الوسع فى الأخذ بالأسباب المشروعة، وأن المتأمل فى أحداث الهجرة يجد أن النبى صلى الله عليه وسلم، وهو سيد المتوكلين، لم يكتف بالاعتماد على معية الله ونصره، مع يقينه الكامل بذلك، بل اتخذ من الأسباب ما يعجز عنه كثير من الناس، فقد اختار الوقت المناسب للخروج، حيث خرج ليلا بعيدا عن أعين قريش، واختار رفيق الرحلة، وهو أبو بكر الصديق رضى الله عنه، وأمر على بن أبى طالب رضى الله عنه أن يبيت فى فراشه، واستأجر دليلا ماهرا يعرف طرق الصحراء، وهو عبدالله بن أريقط، واختبأ فى غار ثور ثلاثة أيام حتى تخف حدة المطاردة، وجعل عبدالله بن أبى بكر رضى الله عنه يأتيه بالأخبار، وكانت أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنها تحمل إليهما الطعام، وكان عامر بن فهيرة يمر بالغنم، ليمحو آثار الأقدام.
وبين أن كل هذه التدابير المحكمة اتخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يعلم أن الله ناصره وحافظه، فلو كان مجرد التوكل يغنى عن الإعداد، لكان النبى صلى الله عليه وسلم أولى الناس بترك هذه الأسباب، لكنه لم يفعل، ليعلم الأمة أن سنن الله فى الكون لا تتخلف. لقد جمع النبى صلى الله عليه وسلم بين أمرين عظيمين: كمال الثقة بالله، وكمال الأخذ بالأسباب، وحين وصل المشركون إلى باب الغار، حتى قال أبو بكر رضى الله عنه: «لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا»، لم يقل له النبى صلى الله عليه وسلم: لقد أغنتنا خططنا وتدابيرنا، وإنما رد الأمر كله إلى الله، قائلا: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما». متفق عليه.
التوكل المزعوم دون أسباب ليس من الدين فى شىء
وأكد الأستاذ بجامعة الأزهر، أن الأسباب وحدها لا تنجح إلا بإذن الله، كما أن التوكل المزعوم دون أسباب ليس من الدين فى شىء، ولهذا قرر القرآن هذا المعنى فى قوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} «الأنفال: 60»، فأمر بالإعداد، ثم قال سبحانه: {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} «المائدة: 23»، فأمر بالتوكل، فليس هناك تعارض بين الأمرين، بل إن أحدهما يكمل الآخر.
وقد جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم وترك ناقته دون أن يعقلها، وقال: أتوكل على الله؟ فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: «اعقلها وتوكل». «رواه الترمذى». فالأخذ بالأسباب من تمام التوكل، وترك الأسباب مع القدرة عليها لون من التواكل المذموم، لا من التوكل المشروع.
وتابع: لقد كانت الهجرة النبوية إعلانا عمليا بأن النصر لا ينال بالأمانى، وأن الإنجازات لا تتحقق بمجرد الرغبات، وإنما تتحقق بالثقة بالله مع الإعداد المحكم، ولهذا فإن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى استعادة هذا الفقه النبوى، فنربى أبناءنا على الإعداد، ونواجه تحدياتنا بالعلم والعمل، ثم نتوكل بعد ذلك على الله رب العالمين.
عندما غير التخطيط مجرى التاريخ
قال الدكتور مصطفى عوض، أستاذ التاريخ والحضارة بكلية اللغة العربية جامعة الأزهر، إن الهجرة النبوية تعلمنا الكثير من الدروس المهمة، التى يمكن أن نستخدمها فى حياتنا اليومية، ومن ذلك: التخطيط الجيد، والأخذ بالأسباب، والتوكل على الله، وحسن توظيف الطاقات البشرية، والتضحية فى سبيل الله نصرة لدينه، والهجرة النبوية أكبر دليل على ذلك.
أوضح «عوض» أنه كان بإمكان الوحى، فى لحظة، أن ينقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، وينتهى الأمر، لكن الله شاء أن يعلمنا دروسا مهمة فى حياتنا، نتخذ فيها النبى صلى الله عليه وسلم قدوة، ولو حدث الانتقال بالوحى من مكة إلى المدينة المنورة، لكان ذلك أدعى إلى الكسل، وترك العمل، وعدم الأخذ بالأسباب. لكن الحدث جاء درسا مهما فى كيفية التخطيط من قبل النبى صلى الله عليه وسلم، مع السرية التامة للأمر، والإعداد للموارد البشرية والمادية، فقد بدأ أبو بكر الصديق رضى الله عنه التجهيز قبل أربعة أشهر ليوم الهجرة، فيما أعد الرسول صلى الله عليه وسلم من الموارد البشرية ما يسهل طريقه للوصول بسلام إلى المدينة المنورة، من تجهيز الدليل، والراعى، والتزود بالمؤن، وجمع الأخبار، كما أعد صلى الله عليه وسلم طريقة الخروج، وكيفية التمويه على كفار قريش بأنه موجود بينهم، حتى لا يتتبعوه، وكيف غير النبى صلى الله عليه وسلم الطريق، ووصل إلى غار ثور. وهناك تدخلت العناية الإلهية بعد أن بذل رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ما بوسعه، فالمعية الإلهية بدت جلية واضحة عندما لحق سراقة بن مالك بموكب الرسول صلى الله عليه وسلم، فكانت أقدام فرسه تغوص فى الرمال كلما اقترب من الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبى بكر الصديق رضى الله عنه، فعلم سراقة بن مالك أن الرسول صلى الله عليه وسلم ممنوع، ولا يمكن الوصول إليه بسوء.
المعية الإلهية
وأشار إلى أن المعية الإلهية لا تكون مع النبى صلى الله عليه وسلم وحده، بل ينال المؤمن منها بقدر إيمانه وأخذه بالأسباب، ويكفى أن يبذل المسلم من الأسباب، والتخطيط، والطاقة، ما يفرغ فيه وسعه، ويعلم تمام العلم أنه بعد أن أخذ بالأسباب، وتوكل على الله، فإن الله لن يضيعه، بل سيكون معه بعونه وتأييده. يقول الله تعالى: {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثانى اثنين إذ هما فى الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هى العليا والله عزيز حكيم}. فكانت معية الله مع رسوله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبى بكر الصديق رضى الله عنه بالسكينة، والتأييد بالجنود، والمنعة من المشركين.
واختتم أستاذ التاريخ والحضارة بالقول: الهجرة النبوية الطاهرة ترتبط بالوطن، والدين، والإيمان، والعقيدة، فالنبى صلى الله عليه وسلم عاد إلى مكة بعد ثمانى سنوات من الهجرة فاتحا، لكنه لم يستقر فيها، وعاد مع الأنصار إلى المدينة المنورة، ليكمل حياته فيها، حتى توفاه الله تعالى، ودفن بها. وهذا هو الوفاء من نبينا صلى الله عليه وسلم حين قال لأهل المدينة: «بل المحيا محياكم، والممات مماتكم»، أى: سأعيش حياتى معكم، وأموت وأدفن فى بلدكم، تكريما وتشريفا لأهل المدينة على ما فعلوه معه صلى الله عليه وسلم، وقد اتخذت الهجرة النبوية الطاهرة بداية للتقويم الإسلامى، بأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، بعد استشارته بقية الصحابة فى زمن خلافته.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض