رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

علماء الأزهر لـ«الوفد»: ثوابت القرآن لا تقبل التشكيك.. وما يردده يوسف زيدان «كذب وافتراء»

بوابة الوفد الإلكترونية

فى عالم يموج بالأفكار، وتتشابك فيه الرؤى بين قراءات الحداثة وثوابت العقيدة، فجّر يوسف زيدان كعادته قنبلة جديدة مُثيرة للجدل، ولكن تجاوزت شظاياها حدود النقاش لتصطدم مباشرة بما هو «قطعى الثبوت» فى الوجدان الإسلامى، فخرج بتصريحات تلفزيونية، لم يقف فيها عند حدود التشكيك فى تفاصيل الرواية التاريخية لقصة «أصحاب الفيل»، بل نسف أصل الواقعة من جذورها، زاعمًا أن جيش «أبرهة الحبشى» لم يتجه صوب مكة، وأن القصة برمتها مستوحاة من «أسفار الأبوكريفا»، متناسيًا نصًا قرآنيًا تليت آياته على مر العصور وصارت جزءًا لا يتجزأ من الهوية الإيمانية والتاريخية للعالم الإسلامى.

اسم الفيل «محمود»

ولكن رغم كل ما أثاره يوسف زيدان من جدل حول تصريحاته، إلا أنه قد سبق وأعلن عنها عام 2022، حيث تعود جذور هذا السجال الفكرى إلى تصريحات قديمة لمفتى الجمهورية الأسبق الدكتور على جمعة، حين أشار إلى أن الفيل الذى رافق أبرهة كان يُّدعى «محمود» استنادًا لبعض المرويات، وهو ما دفع زيدان آنذاك لمهاجمة الرواية وتصنيفها ضمن الإسرائيليات، وقال حينها عبر صفحته على الفيسبوك: «أبرهة قديس مسيحى حبشى، لم يذهب إلى مكة.. ولا يمكن للفيل أن يمشى من اليمن إلى مكة».

«غرفة من أربعة جدران»

ولم يتوقف نفى يوسف زيدان لواقعة «عام الفيل» عند حد التشكيك، ولكن فى نبرة حملت تهكمًا واضحًا، سخر زيدان من فكرة تحرك جيش تتقدمه الفيلة لهدم بناء بسيط -على حد وصفه- عبارة عن «غرفة من أربعة جدران»، معتبرًا أن هدمها لم يكن يحتاج سوى خادمين من أتباع أبرهة!، حيث اختصر مقام الكعبة المشرفة.
فى المقابل، نجد أن كتب التفسير المعتبرة، مثل تفسير ابن كثير وتفسير الطبرى، أجمعت على أن المقصود بأصحاب الفيل هم جيش أبرهة الذى قصد مكة لهدم الكعبة، مع اختلاف يسير فى بعض التفاصيل التاريخية، دون إنكار أصل الحادثة.
ويفتح هذا الجدل بابًا واسعًا للتساؤل حول العلاقة بين النص القرآنى والروايات التاريخية، وحدود الاجتهاد فى قراءة الوقائع التى وردت فى القرآن الكريم، وهو ما يجعل القضية محل نقاش بين المتخصصين فى التفسير والتاريخ، بعيدًا عن الجدل الإعلامى.

القرآن حسم القضية

فى هذا السياق، علّق الدكتور عطية لاشين، عضو لجنة الفتوى، وأستاذ الفقه بجامعة الأزهر، فى حديثه لـ«الوفد»، على ما ورد فى تصريحات الكاتب يوسف زيدان المُتلفزة بشأن نفى محاولة أبرهة الأشرم هدم الكعبة، مؤكدًا أن هذه الأقوال: «كذبًا وافتراءً على الثوابت الدينية»، وتتعارض مع النصوص القرآنية الصريحة.
وأضاف لاشين أن أبرهة خرج بالفعل على رأس جيشه قاصدًا هدم بيت الله الحرام، وسعى إلى تنفيذ ذلك، إلا أن الله سبحانه وتعالى حفظ بيته العتيق، وأحبط مخططه ومنعه من تحقيق مقصده، وقد حسم القرآن الكريم حسم هذه القضية وسجلها بوضوح، قائلًا: «أبرهة حاول هدم الكعبة، والله سبحانه وتعالى منعه، والقرآن الكريم أثبت هذه الواقعة ليكذب كل من ينكرها».
واستشهد بسورة الفيل فى قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ}.، متسائلًا: «ماذا يقول من ينكرون الواقعة أمام هذا النص القرآنى الواضح؟».
وأوضح أن تسمية الحادثة بـ«عام الفيل» جاءت لارتباطها بالجيش الذى قاده أبرهة، والذى كان يصاحبه الفيل، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم صراحة فى سورة الفيل.
واختتم حديثه مستشهدًا بقوله تعالى: {يُّرِيدُونَ أَنْ يُّطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُّتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}، مؤكدًا أن ثوابت القرآن الكريم محفوظة بحفظ الله، ولا تنال منها مثل هذه الطروحات، داعيًا إلى التوقف عن إثارة الشبهات حول ما ثبت بنصوص القرآن الكريم، ومضيفًا: «عليهم أن يكفوا عن هدم ثوابت الدين أو تنفيذ أجندات أجنبية».

جاحد القرآن يخرج عن الملة

ومن جانبه قال الدكتور عبدالفتاح العوارى، عضو مجمع البحوث الإسلامية والعميد الأسبق لكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، إن إثارة الشبهات حول القرآن الكريم وثوابته ليست أمرًا جديدًا، وإنما دأب عليه أهل الشغب والدجل والجدل العقيم، الذين يثيرون بين الحين والآخر شبهات وصفها بأنها «تافهة وساقطة عن درجة الاعتبار»، مؤكدًا أن حتى طالب العلم المبتدئ يدرك بطلانها.
وأضاف أن الأمر بلغ ببعض هؤلاء إلى توجيه الطعن إلى النص القرآنى نفسه، رغم أنه وحى معصوم تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظه، مستشهدًا بقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، موضحًا أن القرآن الكريم هو كلام الله المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والمنقول إلينا بالتواتر، والمتعبد بتلاوته، والمتحدى بأقصر سورة منه، وهو قطعى الثبوت لا يُّنكر منه حرف واحد.
وأكد أن من يجحد شيئًا من القرآن الكريم يكون قد أنكر معلومًا من الدين بالضرورة، مبينًا أن العلماء قرروا أن من ينكر معلومًا من الدين بالضرورة يخرج عن ملة الإسلام، وأن النظر فى أمره يكون من اختصاص القضاء وولى الأمر لاستتابته وتطبيق ما يقرره الشرع، وليس من حق أى فرد أن يتولى ذلك.
وأشار إلى أن باب التوبة مفتوح، مستشهدًا بقوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُّغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ}، موضحًا أنه إذا تاب من وقع فى هذا الإنكار ورجع إلى الإيمان بما أنكره، فإن الله يقبل توبته، مؤكدًا فى الوقت نفسه أن التعامل مع هذه القضايا مرجعه إلى القضاء وولى الأمر، وليس إلى الأفراد.

للبيت ربٌّ يحميه

وأوضح العوارى أن القرآن الكريم، المكون من 114 سورة، والمفتتح بسورة الفاتحة والمختتم بسورة الناس، والمحفوظ فى المصاحف والصدور، هو كلام الله عز وجل، ومن بين سورة الفيل، التى امتن الله فيها على أهل مكة، مذكرًا إياهم بنعمته حين توجه أبرهة الأشرم بجيشه مصطحبًا الفيلة لهدم الكعبة، بعدما بنى كنيسة فى صنعاء وأراد صرف الناس إليها.
وأضاف أن كُتب السيرة والتاريخ تروى الحوار الذى دار بين أبرهة وعبدالمطلب، وفيه قال عبدالمطلب: «أما الإبلُ فأنا ربُّها، وأما البيتُ فله ربٌّ يحميه.»، ثم أنزل الله سبحانه وتعالى على أبرهة وجيشه طيرًا أبابيل تحمل حجارة من سجيل، فجعلتهم كعصف مأكول، كما أخبر القرآن الكريم.
وشدد على أن سورة الفيل من القرآن الكريم القطعى الثبوت، وأن إنكار ما ورد فيها يُّعد -بحسب ما قرره العلماء- جحدًا لشىء من القرآن، موضحًا أن النظر فى مثل هذه القضايا من اختصاص القضاء وولى الأمر، اللذين يتوليان استتابة من يقع فى ذلك، واتخاذ ما يقرره الشرع بحقه، وليس لأى فرد أن يتولى هذا الأمر.

الأسفار اليهودية

ورفض «العوارى» ما يُّردده البعض من أن سورة الفيل مأخوذة من أسفار اليهود، مؤكدًا أن السورة مكية نزلت على النبى صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة، وأنه عندما هاجر إلى المدينة كان اليهود موجودين بها، وكان بينهم الأحبار والعلماء العارفون بما فى التوراة، ولو كانت سورة الفيل مأخوذة من كتبهم -كما يزعم البعض- لاعترضوا على النبى صلى الله عليه وسلم وأعلنوا ذلك، ولتناقلت الأخبار هذا الاعتراض جيلاً بعد جيل، إلا أن شيئًا من ذلك لم يحدث.
وأكد أن عدم اعتراض أحبار اليهود على سورة الفيل أو غيرها من السور المكية يمثل -فى نظره- دلالة قاطعة على بطلان هذه المزاعم، مستشهدًا بقوله تعالى: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا}، مناشدًا السلطتين التنفيذية والتشريعية القيام بدورهما فى حماية ثوابت الدين وأصوله، باعتبار أن القرآن الكريم هو المصدر الأول للتشريع الإسلامى.

ازدراء الأديان

وأضاف الدكتور عبدالفتاح العوارى أن الطعن فى القرآن الكريم إذا تُرك دون مواجهة، فإنه يفتح الباب أمام ما هو أخطر، مؤكدًا أن من واجب السلطات المختصة، بالتعاون مع المؤسسات الدينية وفى مقدمتها الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء، العمل على مواجهة مثل هذه الطروحات وإحالتها إلى الجهات المختصة.
وأوضح العوارى أن ما يحدث يندرج تحت قانون ازدراء الأديان، لافتًا إلى أن الأمر يتعلق بالدين الذى ارتضاه الله للبشرية، مستشهدًا بقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}، مؤكدًا أنه الدين الذى جاء به جميع الأنبياء والمرسلين، ولا يقبل الله غيره.
وفى ختام تصريحاته، كما دعا إلى حفظ مصر وهويتها الإسلامية والعربية من محاولات التشكيك، والتى تخدم أفكار المستشرقين والمبشرين الذين -بحسب قوله- لا يريدون خيرًا للبلاد أو للأمة الإسلامية، وأن يحفظ المجتمع «سموم الافتراءات والشبهات» التى يرددها من لا يمتلكون أدوات العلم الشرعى الصحيح، وناشد السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية بالاضطلاع بمسؤولياتها فى حماية ثوابت الدين، مؤكدًا أن هذه المسؤولية ستكون أمانة فى أعناقهم أمام الله سبحانه وتعالى.
فى النهاية، بين قراءة التاريخ بعيون تبحث عن الشذوذ وإثارة الجدل، وصون العقيدة بأدوات العلم الشرعى الرصين من الجانب الآخر، تظل قضية التشكيك فى الثوابت الدينية معركة حقيقة تفتر للكثير من الوعى، والهجمة الشرسة التى تتعرض لها النصوص قطعية الثبوت تحت لافتة «الاجتهاد والتنوير»، تضع المؤسسات الدينية، والقضائية، والتشريعية أمام مسؤولية تاريخية لا تقبل التراخى، فحرية الفكر ينتهى سقفها عندما تبدأ معول الهدم فى ثوابت الأمة وهويتها.