«يا خبر!»
أتذكر ذلك اليوم جيدا بكل تفاصيله, كانت الساعة تقترب من التاسعة مساء حين تم إعلان بيان 3 يوليو الذى ألقاه الرئيس عبدالفتاح السيسى الذى كان وزيرا للدفاع وقتذاك, لم أتمالك نفسى من الصراخ والبكاء فرحا, فتحت باب الشرفة كنت أسكن فى الطابق الرابع, لم يكن أحد يسمع لى حسا فى البناية التى أسكن فيها حتى تلك اللحظة التى وددت فيها أن يسمعنى العالم, لقد نجحت الثورة وسيعاد الإرهابيون إلى السجون, لقد انتصرنا على تجار الدين والدم, لقد استجاب الله للملايين التى خرجت إلى الشوارع تهتف «يسقط يسقط حكم المرشد»، عادت مصر إلى أهلها بعد أن اختطفها فصيل متطرف, كانت كلمة لا لجماعة الإخوان الإرهابية هى المانشيت الرئيسى فى الشوارع والميادين, فى الريف والحضر, فى كل شبر من أرض مصر.
كان خطابا تاريخيا وضع خارطة طريق لوطن كبير نحلم به, القوات المسلحة استشعرت أن الشعب الذى يدعوها لنصرته لا يدعوها لسلطة أو حكم، وإنما يدعوها للخدمة العامة والحماية الضرورية لمطالب ثورته فاستجابت لنداءات الملايين، وساندت الإرادة الشعبية، وحسمت القرار لصالح الوطن والشعب, تلك هى الرسالة التى تلقتها القوات المسلحة من كل حواضر مصر ومدنها وقراها وقد استوعبت بدورها هذه الدعوة وفهمت مقصدها وقدرت ضرورتها واقتربت من المشهد السياسى آملة وراغبة وملتزمة بكل حدود الواجب والمسئولية والأمانة.
كنا قد أمضينا عاما أسود فى مصر بعدما سرقت الجماعة الإرهابية الوطن وبدأت فى تفكيك مفاصل الدولة المصرية الكبيرة ذات التاريخ والحضارة وتهوى بها إلى نفق مظلم, وفرقت المصريين, هذا من جماعتى وهذا من عدوي, كان كل شىء ذي قيمة فى مصر معرضا للانتهاك والتدمير من قبل أعداء الحضارة فى ظل حكم الإرهاب, لكن الله لم يرد لهذا الوطن أن يضيع والشعب الذى تحمل الكثير خرج ليقول كلمته.
تحل اليوم الذكرى الثالثة عشر لبيان 3 يوليو 2013، الذى كان نقطة فاصلة فى عمر الوطن، كان الشعب قد خرج للشارع بالملايين قبل البيان بثلاثة أيام فى ثورة عظيمة استرد خلالها هويته وحريته, وكان البيان ثمرة الثورة من أجل الحفاظ على الدولة المصرية ومنع انهيارها، وتجنيب البلاد خطر الانزلاق إلى حرب أهلية ووقف تصاعد الفتنة الطائفية التى كانت تتسارع، حافظ بيان 3 يوليو على تماسك الدولة فى مرحلة كانت تنذر بالتفكك، لم يكن مجرد إعلان عن إجراءات سياسية لإدارة مرحلة انتقالية، وإنما مثّل خريطة طريق وطنية متكاملة أعادت صياغة مستقبل الدولة المصرية، ورسمت ملامح الجمهورية الجديدة على أسس دستورية ومؤسسية وتنموية، منذ اللحظة الأولى قدم بيان 3 يوليو رؤية متكاملة لبناء دولة جديدة، انطلقت من استعادة الشرعية الدستورية، وإطلاق مسار سياسى يقوم على إعداد دستور جديد، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، وترسيخ دولة القانون والمؤسسات، بما أعاد بناء الثقة فى مؤسسات الدولة.
خريطة الطريق لم تكن تقتصر على الجانب السياسي، بل امتدت لتؤسس لمسار شامل فى مختلف القطاعات، ورغم صعوبة التحديات اللاحقة وتهديد الإرهاب الذى قاتل المصريين من أجل جماعة الإخوان الإرهابية, كانت مصر بقدر التحدي؛ يدا تبنى ويدا تحارب الإرهاب وهذا لم يحدث فى أى دولة فى الدنيا, إذ شهدت مصر خلال السنوات التالية طفرة فى البنية التحتية، وتوسعًا فى المشروعات القومية، وإصلاحًا اقتصاديًا وهيكليًا، وتطويرًا غير مسبوق فى قطاعات التعليم والصحة والإسكان والطاقة والنقل والتحول الرقمى، إلى جانب تعزيز قدرات القوات المسلحة وأجهزة الدولة فى حماية الأمن القومى ومكافحة الإرهاب ودك معاقله وتجفيف منابعه وقطع دابره.
دولة 3 يوليو قامت منذ اللحظة الأولى على التخطيط الاستراتيجى طويل المدى، وبناء المؤسسات، والاستثمار فى الإنسان والقدرة الوطنية، وعدم الاكتفاء بإدارة الأزمات، وهو ما مكّن الجمهورية الجديدة من مواجهة تحديات إقليمية ودولية معقدة، بدءًا من الإرهاب، مرورًا بجائحة كورونا، والأزمات الاقتصادية العالمية، وصولًا إلى حروب الإقليم، وأمام كل هذا حافظت على تماسكها واستقرارها.
سيظل يوم 3 يوليو حدثا تاريخيا وبيانا للناس حمل وثيقة تأسيسية فى تاريخ الدولة المصرية الحديثة، يوما رسم مسارًا استراتيجيًا لمستقبل مصر، يقوم على دولة قوية بمؤسساتها، مستقلة بقرارها، قادرة على حماية أمنها القومى، وتحقيق التنمية الشاملة، وصناعة مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا للأجيال الجديدة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض