الحلال والحرام في الرزق.. جمعة: غسل المال الحرام لا يحوله إلى حلال
الحلال والحرام في الرزق من القضايا التي يحرص الإسلام على بيانها؛ إذ دعا الشرع إلى طلب الكسب الطيب واجتناب المال الحرام، وحذر من التحايل على الأحكام الشرعية أو تبرير المكاسب غير المشروعة.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن الله سبحانه وتعالى هو الرزاق، وأن الحلال والحرام كلاهما بتقدير الله، غير أن العبد يُثاب على السعي إلى الحلال كما يُثاب على اجتناب الحرام.
الله هو الرزاق والحلال والحرام بتقديره
قال الدكتور علي جمعة إن الله سبحانه وتعالى هو الذي يرزق جميع خلقه، وإن الرزق قد يكون حلالًا وقد يكون حرامًا، موضحًا أن الله أمر عباده بالتماس الكسب الحلال، واجتناب المكاسب المحرمة.
وأضاف أن الحلال والحرام كلاهما داخلان في تقدير الله عز وجل، إلا أن نعمة الحلال تتمثل في السعي والابتغاء لتحصيله، بينما تتمثل نعمة الحرام في قدرة المؤمن على تركه ابتغاء مرضاة الله، مؤكدًا أن الحلال والحرام في الرزق باب من أبواب الابتلاء الذي ينال فيه المؤمن الأجر في الحالتين؛ سواء بطلب الحلال أو باجتناب الحرام.
نعمة بيان الحلال والحرام
وأوضح عضو هيئة كبار العلماء أن الله سبحانه وتعالى خلق الحلال والحرام، وبيّن للناس طريق كل منهما، حتى يؤدي المؤمن ما أمره الله به، ويجتنب ما نهاه عنه، فيفوز بالأجر والثواب.
وأشار إلى أن بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بـالحلال والحرام في الرزق يعد نعمة عظيمة؛ لأن المسلم يُثاب على تحصيل المال من الطرق المشروعة، كما يُثاب على ترك المال المحرم، ولو كان قادرًا على الوصول إليه.
تفسير قوله تعالى: ﴿كلوا مما في الأرض حلالًا طيبًا﴾
واستشهد علي جمعة بقول الله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 168-169].
وأوضح أن الخطاب الإلهي موجه إلى جميع الناس، مؤمنهم وكافرهم، وأن كل ما في الأرض أباحه الله لعباده، لكن الإنسان هو الذي يجعل رزقه حلالًا طيبًا عندما يحصل عليه من الطريق المشروع، أو يجعله حرامًا خبيثًا إذا اكتسبه بوسائل تخالف شرع الله.
وأكد أن القرآن الكريم والسنة النبوية وضعا الضوابط الواضحة لمعرفة الحلال والحرام في الرزق، حتى لا يختلط الأمر على الناس.
غسل المال الحرام لا يجعله حلالًا
وحذر الدكتور علي جمعة من التحايل على الأحكام الشرعية، مشيرًا إلى أن بعض الناس إذا حصلوا على مال من طريق محرم حاولوا "غسل" هذا المال، متوهمين أن ذلك يغير حقيقته ويجعله مالًا حلالًا.
وأكد أن هذا التصور مخالف لمنهج الإسلام، لأن الله سبحانه وتعالى نهى عن اتباع خطوات الشيطان، وعن الخداع والتحايل، موضحًا أن المال الحرام لا يتحول إلى حلال بمجرد تغيير صورته أو تغطيته بمظاهر قانونية أو شكلية، وإنما يكون الحلال فيما اكتُسب من طريق مشروع منذ البداية.
تعطيل الإنتاج والانشغال بالترف
واستشهد مفتي الجمهورية السابق بقوله تعالى:﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: 45].
وأوضح أن الآية الكريمة تكشف أحد مظاهر الظلم التي تؤدي إلى هلاك المجتمعات، حيث تُعطَّل مصادر الإنتاج ومنافع الناس، بينما تُوجَّه الجهود إلى تشييد القصور والانشغال بمظاهر الترف.
وأضاف أن البئر في الآية ترمز إلى مورد الحياة والإنتاج الذي ينتفع به الجميع، ومع ذلك تُرك معطلًا، في حين بقي القصر المشيد شاهدًا على انشغال الناس بالمظاهر وإهمال ما ينفع المجتمع.
التحذير من تعطيل ما ينفع الناس
وأشار علي جمعة إلى أن من صور الظلم التي تعاني منها بعض المجتمعات تعطيل أدوات الإنتاج، وإهمال المشروعات التي تحقق النفع العام، مقابل التوسع في إنشاء القصور والاستراحات وقاعات الأفراح وغيرها من مظاهر الرفاهية.
وأكد أن هذا الخلل يؤدي إلى نتائج خطيرة، منها انتشار الفقر والجوع والخوف، لأن المجتمع يكون قد ابتعد عن منهج الإسلام في العمل والإنتاج، وخالف أوامر الله سبحانه وتعالى وسنة النبي ﷺ، التي تدعو إلى إعمار الأرض والكسب الحلال والعمل النافع.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض