إن محاولة الهروب من مسؤولية الكلمة والمواجهة تحت غطاء شعارات تبدو في ظاهرها حكيمة، هو واحد من أكبر الآفات التي تصيب الوعي الجمعي في مجتمعاتنا. وحين يرفع البعض شعار "أميتوا الباطل بالسكوت عنه" في وجه من ينتقد انتشاراً للبدع والرذائل أو يفند فكراً منحرفاً، فإنهم لا يمارسون فقط نوعاً من التخاذل الأخلاقي، بل يساهمون دون وعي في تمكين هذا الباطل وتوسيع رقعته. إن هذه المقولة الشائعة التي يظنها العوام قاعدة دينية، ليست كذلك في حقيقتها ، بل هي نص ليس من القرآن ولا السنة نُزع من سياقه الإجرائي الضيق ليتحول إلى مبرر للانسحاب العام. وإذا ما فتشنا في الآثار عن المقولة المتداولة "أميتوا الباطل بالسكوت عنه"، ، نجد أنها وُجهت في سياقات محددة للغاية ترتبط بالإشاعات الشخصية، أو الترهات العابرة ،حيث يكون الالتفات إليها ونقدها بمثابة وقود يشعل نارها ويحقق مأربها في الذيوع. هنا، وفقط هنا، يكون الإعراض صواباً لإسقاط الأهمية عن الشخص الذي يشيع الترهات لا عن الفكرة الكلية. أما عندما يتحول الباطل إلى دعوة صريحة للفسوق ، أو يمس الثوابت بكلام كفر، أو يرسخ لأخلاق تهدم السلم المجتمعي والقيم الإنسانية، فإن السكوت ينقلب جريمة شرعية. فالشريعة جاءت لحفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وهذه الكليات لا تُحفظ بإغماض العين وصم الآذان، بل بالبيان الساطع والحجة الدامغة التي تزهق الباطل وتظهره على حقيقته الضعيفة.
السكوت على الانحراف لا يقتله بل يمنحه بيئة مناسبة للنمو والانتشار، في حين أن التصدي الواعي هو السبيل الوحيد لإعادة الأمور إلى نصابها. وحين يقرر أهل الحق والوعي الصمت فى مواجهة الباطل، فإنهم لا يقتلون الباطل، بل يمنحونه احتكاراً كاملاً للمجال العام . خاصة وهو ويمتلك أدوات إعلامية فعالة للانتشار، والإنسان بطبعه كائن اجتماعي يتأثر بما يتكرر على مسامعه، والباطل إذا لم يجد صوتاً يعارضه، تحول بمرور الوقت إلى واقع مألوف، ثم إلى عرف مقبول، وينتهي به المطاف كقيمة بديلة تُزاحم الحق وتطرده.
وإذا تتبعنا المنهج القرآني تطالعنا الآية الكريمة: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ". فلم نكن خير أمة أخرجت للناس إلا بأننا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ويقول جل وتعالى عن بنى اسرائيل " كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ". إن هذه الآية تقطع دابر القول بإماتة الباطل عبر إهماله، لأنها تبين أن نزول العقوبة واللعنة على الأمم السابقة كان سببه المباشر السكوت عن الباطل.ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ". مما يثبت أن الجهر بالحق وتفنيد الباطل هو الأصل الفطري والشرعي لحفظ كيان المجتمع.
ولنا في التاريخ الإسلامي عبرة في كيفية التعامل مع حركة الخوارج ، فعندما بدأت هذه الحركة كفكرة تنزع نحو الغلو والتكفير والفسوق الفكري، لم يقف حكماء الصحابة موقف المتفرج ولم يركنوا إلى مقولة إماتة الباطل بالسكوت عنه، بل انبرى لهم حبر الأمة عبد الله بن عباس ، فذهب إليهم في معسكرهم وحاورهم وفكك شبهاتهم وأبطل حججهم بمنطق سديد وبصيرة نافذة، ومكنت هذه المواجهة المبكرة والجريئة آلافاً منهم من مراجعة مواقفهم والعودة إلى الحق، وحصرت الفكر المتطرف في زاوية ضيقة وعزلته عن الأمة ، ولولا هذا لانتشرت الفتنة والفساد الفكري في أركان الدولة الإسلامية الناشئة. وكذلك الحال فى فتنة خلق القرآن التي ظهرت في العصر العباسي، فلو أن الإمام أحمد بن حنبل ومن معه من علماء الأمة ركنوا إلى مقولة إماتة الباطل بالسكوت عنه، والتزموا بيوتهم تذرعاً بالسلامة، لتحولت تلك الفرية إلى عقيدة رسمية للمسلمين تُدرس للأجيال وتُهدم بها أصول الدين. لكن المواجهة الصارمة، والصدع بالحق في وجه السلطان والمجتمع، والبيان العلمي الدقيق، هي التي أوقفت الفتنة عند حدها، وأعادت للأمة توازنها الفكري، وماتت الشبهة تحت أقدام الحجة الساطعة. وفي تاريخ الفكر الغربي نجد أن صمت النخب الألمانية والمثقفين الأوروبيين في بدايات ثلاثينيات القرن الماضي عن نقد الأفكار الشاذة والخطاب المتطرف للحركة النازية، ظناً منهم أنها مجرد ظاهرة عابرة ستزول بالإهمال والتهميش، قد أتاح لتلك الأفكار أن تلتهم وعي الجماهير وتصل إلى سدة الحكم، مما تسبب في إشعال حروب عالمية مدمرة أودت بحياة الملايين، وهو ما يثبت تاريخياً أن الصمت لا يميت الباطل بل يمنحه الوقت والبيئة ليتحول إلى وحش كاسر يهدد الوجود البشري.
وعندما ضربت الانهيارات الأخلاقية والاجتماعية الإمبراطورية الرومانية في أواخر عهدها ، قوبلت في أول الأمر بنوع من التغافل والسكوت من قِبل الحكماء والمصلحين الذين ظنوا أن هذه السلوكيات مجرد نزوات عابرة ستموت بموت أصحابها، غير أن هذا الصمت أرسل إشارات أمان للمفسدين، فتمددت السلوكيات المعوجة من الخفاء إلى العلن، وتحولت بمرور الأيام والقرون من رذائل مستهجنة إلى أعراف مقبولة ثم إلى نمط حياة عام تهدمت معه الأسرة والقيم الأخلاقية ، حتى سقطت الإمبراطورية من الداخل فكرياً وأخلاقياً قبل أن تسقط عسكرياً تحت ضربات القبائل المهاجمة، مما يؤكد أن السكوت على المنكر والفسوق يثبت أركانه ويحييه، وأن الكلمة الشجاعة والنقد الصارم هما السبيل الوحيد لإيقاف الباطل عند حده وصيانة هوية الأمم وحمايتها من الانهيار.
كما أن الصمت عن نقد السلوك السيئ أو الفكر المنحرف يؤدي إلى ما يُعرف في علم الاجتماع بـتطبيع الانحراف، وهي حالة نفسية جمعية تنشأ عندما يتكرر الخطأ أمام الناس دون نكير، فيعتاد الوجدان على رؤيته وسماعه، وتتحول الصدمة الأخلاقية الأولى إلى قبول تدريجي، ثم إلى دفاع مستميت عن هذا الخطأ باعتباره جزءاً من الواقع المعيش. إن الإنسان يكتسب معاييره الأخلاقية من البيئة المحيطة به، وحين يرى الفرد في مجتمعه سلوكاً معوجاً أو كلاماً يمس الثوابت، ولا يجد في مقابل ذلك حراكاً نقدياً يفنده أو صوتاً عاقلاً يجهر بالحق، فإنه يستنتج تلقائياً أن هذا الفعل ليس بالسوء الذي يتخيله، أو أن المجتمع يرتضيه ضمناً. هذا التواطؤ الصامت يكسر الحواجز النفسية بين الناشئة والمنكر، ويجعل من الباطل مرجعية سلوكية بديلة تتحدى القيم الأصيلة وتطردها من المشهد تماماً، لتصبح الفضيلة في نهاية المطاف هي الغريبة والمحارَبة، وكل ذلك لم يكن ليحدث لولا أن أولئك الذين رفعوا شعار إماتة الباطل بالسكوت قد مهدوا الطريق بجهلهم أو بتخاذلهم لسيادة الرذيلة وتراجع الفضيلة.
إن السكوت عن الباطل خطيئة تصنع من الضعف قوة، ومن القلة كثرة، في حين أن الوقوف في وجه الانحراف بالحجة والدليل هو الضمانة الوحيدة لحفظ هوية الأمة واستقامة مسيرتها الإنسانية، ولتظل كلمة الحق هي العليا دائماً كما أراد لها رب العزة وجرت بها سنن الكون وفطرة العقول المستنيرة..
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض