رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

النيل يلتهم أبناءه..فريق غواصي الخير في مهمة لانتشال جثامين الغرقى

نهر النيل
نهر النيل

 نهر النيل..على مشارف أطلال قصر بائد طمست الأيام معالمه فلم يبقَ إلا واجهته التي اتخذت من الأصفر القاني لونًا لها، يفضي الطريق خلفها إلى جزيرة بين البحرين "لاريفا"،  بالمنيب.

 تقبع لافتة بنية تآكلت بفعل الصدأ على رأس ممر حلزوني يتوشح بسواد كلمات منقوشة على جدرانه ليقودك نحو النيل، حيث يقبع الموت هناك على مشارف الشاطئ.

 يجثم الهلاك فارغًا فاهًا تمتد لعشرات الكيلو مترات بدون حائل من سور أو غيره فيما تتخذ الدوامات من مياه النيل مرتعًا لها تتحرك على استعداد لالتقاط أحد الصبية ممن سولت لهم رعونة المراهقة تجربة ممارسة السباحة في مياه النيل.

 "لا مش هنزل البحر ده خد ناس ياما"، يتعالى صوت سائق "ميكروباص" وجد في جزيرة بين البحرين ملجأ للاحتماء من وهج شمس يونيو الحارقة ومن مياه نيل الجزيرة مرفدًا لغسيل و"تطويق" سيارته، بينما يتسابق بعض المراهقين الذين تتساقط حبات المياه عن أجسادهم الغضة خارجين من الماء.

 على سور لا يتعدى عرضه سنتيمترات قليلة يتخذ لانش من "حراس النيل" التابع لشرطة البيئة والمسطحات مرفأ له، على الجانب الآخر من النيل تتخذ عدد من القصور مكانًا، منتزهات للأسر وبقعة بطبيعة خلابة لالتقاط صور حفلات الزفاف.

 على ناحية القصبجي، يقف عم "عبدالنبي"، محدقًا في فراغ الماء مقطبًا جبينه كمن يبحث عن إبرة في قومة قش، لكنها ليست إبرة ولم تكن مياه النيل أبدًا في هوان كومة القش، منتظرًا أن تنقشع صفحة المياه عن عريس الجنة محمود، صاحب الـ16 ربيعًا، ليضم جثمانه إلى صدره للمرة الأخيرة.

 

فريق غواصي الخير: 

 يواصل هاتف "كابتن محمد عبده" الرنين بلا انقطاع، بينما يحاول صاحبه نفض بقايا النوم عن عينيه والتوجه للرد على صاحب النداء الذي لا ينقطع، ليكتشف أنه على موعد مع مهمة إنسانية جديدة، حالة غرق؛ جثمان مراهق لم تفلح محاولات البحث والتمشيط التقليدية في العثور عليه لمدة أسبوعين، وبعدة عدة اتصالات يجمع كابتن محمد شمل عدد من زملائه من أعضاء فريق "غواصي الخير" من سوهاج والأقصر وأسوان جنوبًا حتى مدينة السادات شمالاً: حمادة أبو دقة وكابتن أحمد أبو رضوان وكابتن عامر النجار وكابتن عمرو حسنين وكابتن محمد الليثي وغيرهم.

نيل جزيرة بين البحرين 
نيل جزيرة بين البحرين 

13 عامًا عمل خلالها فريق غواصي الخير في مجال انتشال جثامين الغرقى، بقيادة الكابتن محمد عبده يستقل الفريق سياراته على طول شريط نهر النيل من جنوب مصر وحتى الشمال حاملين عدتهم من بذلات الغوص وماكينة ضغط الهواء داخل أسطوانات الأكسجين ومنظم الهواء لتخفيف الضغط وصدرية" BCD" المسؤولة عن حمل الأسطوانة والتحول إلى بالون طفو لإنقاذ الغواص في حالات فشل العملية بجانب الزعانف ولمبات الإضاءة تحت الماء، وغير ذلك من العدد التي يتكفل الفريق بتوفيرها بالكامل مجانًا.

آخر أمل للعثور على محمود معلق على عاتق فريق الخير:

 قطع كابتن محمد عبده آلاف الكيلو مترات من منزله بإسنا بمحاذاة نهر النيل في اتجاه الشمال ليقتفي أثر جثة محمود التي ابتلعها النيل بمنطقة المنيب، ملبيًا صرخة الأم المكلومة فقدت ابنها الأصغر واستودعت فريق غواصي الخير أمانة إعادة جثته ليثلج صدرها بمواراته التراب فتتمكن أخيرًا من التناوب على زيارته كل حين.

 

لغز غرق محمود وتورط صديقيه اختفى مع جثته:

 كان النيل ولا يزال مصدر الحياة لنا جميعًا لكنه بالنسبة لآخرين مقبرة التقمت أحبائهم، ففي صبيحة يوم الأحد 7 يونيو كان محمود على موعد مع الموت، ودع والدته للمرة الأخيرة دون أن تدري ليتوجه برفقة صديقيه للتنزه على مقربة من المنزل وهناك على ضفة الجزيرة كان نعيق الغربان يختلط برائحة الموت.  

محمود الضحية 
محمود الضحية 

 قاد الحظ العثر محمود إلى بقعة الموت ودفعته حموة المراهقة ليطفئ جذوة حماسه في النيل لكن تفاصيل الغرق لا تزال حبيسة صدر صديقيه اللذان أودعتهما النيابة الحبس بعدما دبرا بعقلية شيطانية إخفاء ملابسه ودفنها في تحت واحدة من الأشجار بعدما تأكدا من غرقه وفشلهما في محاولة إنقاذه على حد زعمهما، بل وإتلاف شريحة هاتفه المحمول والتخلي عن الجهاز نفسه لشاب آخر شهد الواقعة وساومهما على الهاتف مقابل الصمت. 

انتشال جثة مجهولة:

 يحكم كابتن محمد عبده ضبط وضعية الزعانف على قدمي زميله محمد الليثي قبل أن يقفز الأخير برفقة أحمد أبو رضوان إلى الماء بحثًا عن جثمان محمود، يخضعهما لتجربة قياس عمل خراطيم الأكسجين، فأرواحهما "أمانة في رقبة" كابتن محمد.

 تضطرب صفحة الماء مع نزول الغواصين قبل أن يبتلعهما النيل لمدة ساعتين في تمشيط مستمر عن الجثمان العالق تحت الماء، تنقضي عدة ساعات دون جدوى حتى تصل إشارة إلى قسم المنيب بالعثور على جثمان مطموس المعالم عالق في الماء بين ورد النيل على شاطئ عزبة الزراعة بكورنيش بنها، يهرع الفريق بصحبة والد محمود وشقيقه الأكبر محمد إلى المكان.

 يطارد الأمل أهل محمود حتى بنها؛ الأمل في العثور على الجثة ليودعوها مثواها الأخير ولا يلبث الفريق فور وصوله أن ينتشل الجثة التي طمس الماء معالمها وأخذت الأسماك نصيبها حتى فلم يتمكن الأب من التعرف على نجله، والذي بقى في الماء لأكثر من أسبوعين، ويظل تأكيد هوية الجثة رهينًا بتحليل البصمة الوراثية الـ DNA بمعرفة المعامل الرسمية في القاهرة.

 

دعم فريق الخير: 

 يبسط الكابتن محمد عبده وفريقه يديه بما تجود به جيوبهم لتجديد معدات الغوص والحصول على النواقص من أسطوانات الأكسجين وخراطيم الإمداد وغيرها كما يتكبد وفريقه تكاليف السفر بالكامل من جنوب مصر وحتى الشمال إجابة لعشرات بل المئات من نداءات الإستغاثة التي تبثها الأهالي عبر مواقع التواصل الاجتماعي والصفحة الرسمية لغواصي الخير المتطوعين رافضين قطعًا الحصول ولو على جنيه واحد من أسرة الغريق.

 وتظل تكاليف البحث المضنية تحت الماء تقيد الفريق عن الإستجابة للنداءات كافة فيما لاتزال التبرعات الكريمة بالمعدات التي يشرف على استقبالها كابتن محمد عبده هي المعين الوحيد للفريق لمواصلة مهمته النبيلة.

القصة بالكامل في الفيلم التالي: