تاملات
ليس لدىّ أدنى شك فى أن الدولة المصرية لديها من الرؤى التى تسعى لمواجهة الخطر الإسرائيلى على البحر الأحمر الكثير، وأن هذه الرؤى ربما تجد تطبيقا لها على أرض الواقع فى تحركات مختلفة سياسية وغير سياسية. غير أن هذا شىء وفكرة وصول السياسة الإسرائيلية إلى حد السعى لإيجاد موطئ قدم لها فى القرن الأفريقى والبحر الأحمر شىء ثانٍ تماما.
فى رأيى أن ذلك يكشف عن اتساع حجم الخطر الإسرائيلى وتهديده للأمن القومى العربى وليس المصرى فقط، وهو ما يعنى أن أى حديث عن سياسة إسرائيلية تسعى للتعايش بالمنطقة وسط مناخ مستقر ليس سوى مجرد أوهام تسوقها تل أبيب ومن يمثلون عونا لها أو امتدادا لها فى آفاق إعلامنا العربى.
وإذا كان البعض قد يرى أن تطورات الوضع السياسى فى المنطقة فى ظل الحرب على إيران لم تؤت أكلها على صعيد تحقق الأهداف الإسرائيلية، فإن النظرة الشاملة على خطط الدولة العبرية ربما تستدعى الكثير من الحذر والحيطة من محاولات الهيمنة واستغلال نقاط الضعف فى أى بؤرة عربية ومن بينها فى مجال حديثنا الضعف الحاصل فى الصومال والعمل على تشجيع العمل الانفصالى والذى لا يمكن وصفه سوى بأنه كذلك من أجل خلق كيان مفتعل لا يحظى حتى الآن بأى اعتراف دولى هو دولة أرض الصومال المزعومة إسرائيليا.
بمنطق الجغرافيا والتاريخ، فإنه ليس لإسرائيل أى حق فى الوجود بتلك المنطقة التى تسعى لأن تجعلها منطقة نفوذ لها من خلال الاعتراف بأرض الصومال. ورغم الإدانات المختلفة سواء عربيا أو إسلاميا للتحركات الإسرائيلية إلا أنها ماضية فى غيها للحد الذى وصل لاستقبال رئيس إقليم أرض الصومال عبدالرحمن محمد عبدالله من قبل الرئيس الإسرائيلى إسحق هرتسوغ فى القدس، وهو الأمر الذى جاء بعد شهر من تعيين أول سفير إسرائيلى لدى الإقليم، وتسلم إسرائيل أوراق اعتماد أول ممثل دبلوماسى لأرض الصومال.
أعرف أنه فى مثل هذه المواقف فإن الرزانة والهدوء يجب أن يكونا سيدَى الموقف ما يتطلب البعد عن التهوين أو التهويل، غير أن عدم وأد المحاولة الإسرائيلية فى مهدها ربما يكون خطرا كارثيا سيكون له تبعاته غير المحمودة على مستقبل الوضع فى البحر الأحمر.
إذا اعتبرنا هذه السطور لا تتجاوز خواطر وهواجس، فإن السؤال الذى يطرح نفسه يدور حول مستقبل الموقف إذا نجحت إسرائيل فى إخراج ما تسمى دولة أرض الصومال من دائرة الفكرة المرفوضة إلى حقيقة ملموسة على أرض الواقع ووفرت لها المزيد من الاعترافات الدولية؟ ألم تقُم الدولة العبرية ذاتها بنفس المنطق.. من العدم واللاوجود؟ ما الذى يمنع من أن يتم عقد اتفاقيات عسكرية بموجبها يكون لإسرائيل قواعد فى المنطقة تتيح لها حرية التصرف؟ وهو أمر من المتصور أنه كان يمكن أن يدعم العمليات الإسرائيلية فى مواجهة الحوثيين خلال الفترة التى اشتعلت فيها المواجهات بينهما.
يزيد من هذه المخاوف المطامع الإثيوبية التى تسعى لأن يكون لها منفذ بحرى على البحر الأحمر لحد اعتبار ذلك يصل لمرتبة أحد حقوقها. وإذا كان بعض حمائم السياسة ربما يطرحون فكرة المنفذ مقابل تسوية أزمة سد النهضة، فإن المشكلة أن إثيوبيا فى تقديرنا، لا تتحرك فقط بناء على رؤيتها لمصالحها وإنما هى انعكاس فى قدر كبير من سياساتها الخارجية لمصالح وسياسات أطراف أخرى.. لعله من هنا يصبح التحذير من خروج البحر الأحمر من كونه بحيرة عربية إلى ما هو غير ذلك.. تحذير فى محله ونأمل ألا يكون تجاوز وقته.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض