الناصية
ليس السؤال الذى يجب أن يشغلنا كم نملك من الدولارات؟ بل السؤال الأهم:
كيف ننتج الدولارات؟
إن اقتراض الثروة سهل والصعب هو إنتاج الثروة وتعظيم الفائدة من القروض باستثمارها فى أصول إنتاجية لا فى شراء قمح وزيت وسكر وفراخ.. والدول التى تعتاد على الاقتراض تصبح مثل النساء الغارمات، اللاتى يعجزن عن سداد ديونهن، لتلبية الاحتياجات الأساسية. قد يبدو المثال بسيطاً فى ظاهره، لكنه واقعى، فالأمم لا تُقاس بما تقترضه أو بما تملكه من أموال وإنما بقدرتها على أن تجعل كل دولار اقترضته اليوم قادرًا على إنتاج دولارات جديدة غدًا!
ولهذا، فإن القضية الحقيقية التى تواجه مصر ليست نقص الموارد بقدر ما هى كيفية إدارة هذه الموارد، فالبلدان لا تنهض لأن لديها إمكانات كبيرة، بل لأنها تعرف كيف تحول كل فرصة إلى قيمة مضافة ، ولم تعد الثروة تقاس بما لدى الدول من موارد، بل بما تنتجه من معرفة، وما تصنعه من تكنولوجيا، فى زمن أصبحت الفكرة الجيدة أحيانًا أكثر قيمة مادية من منجم كامل، وأصبح الابتكار لا يقل أهمية عن الذهب، وإن أخطر أنواع الهدر ليس هدر المال، وإنما هدر القدرة على إنتاج المال، قد تخسر دولة مليارات، بسبب الحروب أو الأزمات ، ولكن تظل قادرة على تعويض ما تخسره إذا كانت قادرة عليها الإنتاج أما إذا فقدت قدرتها على الإنتاج، فإن كل ما تملكه يصبح قابلاً للنفاد!
والدول التى لا تتيح لشبابها فرصة للإبداع، ولا يجد الباحثون فيها من يستثمر فى ابتكاراتهم، ولا يجد العامل الماهر مصنع يستوعبه، جميعهم يمثلون ثروة مؤجلة، وربما ثروة مهدرة. لذلك فإن الاستثمار فى الإنسان ليس مجرد رقماً اجتماعيًا فى الموازنة، بل هو أكبر مشروع اقتصادى يمكن أن تخوضه أى دولة!
والدول تتقدم إذا بنت منظومة تجعل إنتاج الثروة عملية مستمرة، بزيادة الإنتاجية لا بزيادة الدخل، وبصناعة موارد جديدة من التعليم والبحث العلمى وريادة الأعمال، لا بصناعة مصادر جديدة للإهدار!
وفى مصر، آن الأوان أن يتغير السؤال فى الخطاب العام.. فبدلاً من أن نسأل كل يوم كم ارتفعت الأسعار؟ علينا أن نسأل كم أضفنا إلى قدرتنا على الإنتاج؟ والاقتصاد الحقيقى هو فلسفة فى إدارة الحاصر بجرأة. لا بالمشى جنب الحيط، وإدارة ترى فى كل مصنع مشروعًا للأمن القومى، وفى كل شركة ناشئة استثمار فى المستقبل، وفى كل جامعة مصنعًا للأفكار، لا مجرد مؤسسة تمنح الشهادات.
وربما ولهذا، فإن التحدى الحقيقى أمام مصر ليس فيما تنفقه أكثر ، وإنما فيما تنتجه أكثر، لأن الأمم التى تعيش على الاقتراض قد تصمد سنوات، أما الأمم التى تعيش على ما تنتجه فهى وحدها التى تضمن مكانها فى المستقبل!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض