ضمير مستتر
(1/16) مقدمة ـ الدين والأيدولوجيا
ـ يرى الفكرُ الانسانى الأشياءَ حقًا وفقًا لدعواه هو، لا طبقًا لذاتها هى، رغم أن الحق هو ما يطابق سنن الكون، وسنن الكون هى ما تتطابق عليها ذات الأشياء، فالحق إذًا هو ما يطابق ذات الأشياء، لا ما يختلف حوله الفكر.
ـ من هنا كان دعم الأديان السماوية لمبادئ الحرية والمساواة والعدالة الإجتماعية، وإنحيازها الدائم للطبقات الكادحة والمستضعفة، وتطابَق مع ذلك الكثير من التعريفات والمفاهيم العصرية لنفس الدعوات الفكرية أو الأيدولوجيات، حسب المصطلح الأكاديمى.
ـ إلا أننى حسب رأيى المتواضع، وعلى إستحياء المحترِم لكل القامات الفكرية التى رأت غير ذلك فى أى عصر، والذى ما كان لرأيى البسيط هذا أن يتشكل لولا القراءة لهم والأخذ عنهم والإستقاء منهم ..
فرأيى أنه لا يجب التأصيل لذلك التطابق بين المفهومين، السماوى والإنسانى، أو الإستشهاد بما جاء فى الأول لإثبات صحة الثانى، وإلا، كما ذكرت فى السطور الأولى، منحنا الحق لأصحاب الفكر الآخر أن يفعلوا الشىء نفسه، مستدلين على منطقهم من نفس المفاهيم السماوية.
أقصد على طريقة ما قاله الإمام على بن أبى طالب، رضى الله عنه، يوم قصة التحكيم "إن هذا القرآن حمَّال أوجه"، يقصد، كرم الله وجهه، أن البعض يفسر القرٱن على هواه، فيتحول الأمر، أحيانًا، الى كلمات حق أريد بها باطل يتبعه خلاف دينى ينتهى بتكفير فئة أو وصف أخرى بالتجمد الفكرى، كما يحدث عادة بين التيارات المتشددة عمومًا، دينية أو غير دينية، وخلطها بين الفكر الانسانى والعقيدة الدينية.
ـ فالأديان، إختصارًا، تمثل وصفة للإصلاح الإجتماعى باقية لا تُستَنفد الى أن يشاء الله، وصفة طبيعتها التأقلم مع معايير كل عصر وأدواته وقوى حراكه المجتمعى، أما الفكر الإنسانى السوى، أى الأيدولوجيات الحسنة، فهو الإطار التطبيقى لتلك الوصفة، فلا يمكن استقراؤه لذاته خارج إطار كونه وسيلة تطبيقية وليس تأصيلًا ولا غايةً ذات قيمة لذاته، فهو أمر قابل للتغير جِذريًا حسب معطيات العصر وأدواته، أو كما ورد فى الأثر "الدين المعاملة"، المعاملة مع الله الثابتة بثبات الإيمان فى القلوب ولو اختلف العصر، والمعاملة مع المجتمع التى تتأثر بكل العناصر الإجتماعية، الزمانية منها والمكانية، وتتفاعل معها حسب أدوات وروح العصر الذى تحياه داخل نفس الإطار السماوى ذى الحيز الواسع.
ـ الشاهد..
الإيمان هو الفطرة، والدين أدواته، والرابط بين الدين والأيدولوجيا السليمة، أن الدين يؤطِّر للمُثُل العليا، بينما أيدولوجيات العدالة الإجتماعية، على تنوع رؤاها، هى محاولات للدخول فى إطار تلك المُثل منهجةً وشرحًا وتحليلًا، والإقتباس منها لصياغة تطبيقات إنسانية تلائم العصر، إن صحِّت فمن البديهى أنها لن تخرج عن فطرة الله التى فطر الناس عليها، ولو رغم أنف صاحبها، رغم ما يبدو للمتابع من تباين بين أيدولوجيا وأخرى، فالقاعدة أنه أينما توجد المصلحة يوجد شرع الله.
والقرآن الكريم، مثلًا، هو إطارٌ للخير كله، لكن بين دفتيه سطورًا لا تتكلم، تحتاج أن يضعها العالمون فى قوالب تطبيقية لما فيه خير الناس، كلٌّ حسب عصره وإجتهاده.
ـ وإن صحَّ رأيى، فأيدولوجيات العدالة الإجتماعية أشبه بالمذاهب الإسلامية الأربعة عند أهل السنة والجماعة، جميعها تتبع الحق وتأخذ بالكتاب والسنة وهى الأصول، بينما تختلف أحيانًا فى التطبيق الفقهى وهو الفروع، أو تأخذ بأغلب الظن فيما يخص المسائل والمعاملات التى لم يرد فيها نص صريح، خاصة ما ظهر منها نتيجة إنتشار الإسلام وتغيير التركيبة البشرية والإثنية التى حملته فى صدره، وإندماجها فى أمم أخرى باتت رعايا للدولة الإسلامية، بعضها دخل الإسلام وبعضها بقى على دينه، فتحتاج لإحتواء تقاليدها ومعاملاتها وشئونها الدنيوية مما لا يتعارض مع أصول الدين وأحكامه، أو فى إحتكاك وتداخل الشعوب الإسلامية مع بقية شعوب الدنيا من غير المسلمين فى عصرنا الحديث وما سيليه من عصور.
ـ ولإنّ "للعقول حدًا تقف عنده من حيث ما هى مفكرة لا من حيث ما هي قابلة"، كما يرى "ابن عربى"، فهنا فَرَضَ الإستنباط من الأصول العقلية وتراكمات مُدركاتِها نفسه لتأسيس فقهٍ حديثٍ يلائم معاملات كل عصر، ولا يفتئت على أصول الدين وأسسه.
فالعقل هو محل التكليف الكاشف، القابل للتطور وإن كانت مداركه غير مطلقة، وليس هو صاحب التشريع ﴿وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾، فكان إستثمار العقل أو الأدلة العقلية لإستخراج قواعد للتعامل مع النصوص الدينية من واقع العلم اليقينى والعلم الإستدلالى، كما فعل "الإمام مالك" على سبيل المثال، أو كما بيَّن "الإمام ابو حامد الغزالى فى "دلالات الألفاظ ووجوه دلالة الأدلة" من أن الأقوال إما أن تدل على الشئ بصيغتها ومنظومها، أو بفحواها ومفهومها، أو باقتضائها وضرورتها، أو بمعقولها ومعناها المستنبط منها.
ـ هنا إجتهد المستنبطون فى وضع أًطُرٍ تطبيقيةٍ لنفس التعاليم الإلهية والحدود الربانية، وداخل إطار نفس الدين إستنادًا الى المأثور عنه، صلى الله عليه وسلم، (أنتم أعلم بشئون دنياكم)، بينما كان اختلافهم فقط حول المنظور التطبيقى فيما لم يرد فيه نص قاطع، أو كما قال "الإمام أبو حنيفة النعمان" (إذا وجدت الأمر في كتاب الله، تعالى، أو في سنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أخذت به ولم أصرف عنه، وإذا اختلف الصحابة اخترت من قولهم، وإذا جاء من بعدهم أخذت وتركت".
ـ تلك، كما فهمتها، هى أُطُر الأيدولوجيات التى تنشد العدالة الإجتماعية وصلاح المجتمع عبر تطبيقات فكرية أو حزبية تسعى لتديين السياسة بأخلاق الدين، وليس الى تسييس الدين بأخلاق السياسة، أيًا كانت مسميات تلك الأيدولوجيات أو أركانها أو تعريفاتها أو برامجها المختلفة، وليس تلك التى تنشد السيطرة والهيمنة والسلطة عن طريق التمايز الدينى أو الطبقى أو العرقى او النخبوى.
ونلتقى الحلقة القادمة، مع من يهتم، إن أراد الله تعالى، وكان فى العمر بقية..
سبحانه، هو المستعان ، منه نهتدى، وبه، تعالى، نستند ونتأيد.
ولك يا مصر السلامة، وسلامًا يا بلادى
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض