طارق الخولى: ثورة 30 يونيو أسست الجمهورية الجديدة
الإخوان اعتمد العنف المفرط كأداة انتقامية.. وتصريحاتهم كشفت زيف خداعهم واستغلالهم للدين
لم تكن ثورة 30 مجرد حراك شعبى عابر، بل كانت انتفاضة وعى وملحمة وطنية كبرى استرد فيها المصريون هويتهم ووطنهم من براثن الفوضى والظلام.
وجاء يوم 3 يوليو ليصيغ من إرادة الملايين خارطة طريق حاسمة، تحولت بفعل التلاحم بين الشعب ومؤسساته الوطنية، وفى مقدمتها القوات المسلحة والشرطة، إلى حائط صد منيع تحطمت عليه أوهام جماعات الإرهاب والتفتيت، لتبدأ مصر معركة أخرى لا تقل شراسة، وهى معركة البناء والتنمية وتثبيت أركان الدولة.
بعد 30 يونيو تحولت النظرة الدولية لمصر من التشكيك إلى الاحترام والتقدير، واستعادت الدبلوماسية المصرية ريادتها بفضل سياسة حكيمة تضع أمنها القومى كخط أحمر لا يمكن تجاوزه، وبالتوازى مع هذا النجاح الخارجى، كانت الدولة فى الداخل تفتح آفاقًا غير مسبوقة لتمكين الشباب والمرأة، وتطلق المشروعات القومية الكبرى ومبادرات الحماية الاجتماعية، لتبرهن للعالم أن مصر قادرة على صياغة مستقبلها بمداد من العزيمة والكفاءة، ورؤية استراتيجية جديدة.
فى هذا الإطار، يكشف السياسى والباحث فى العلاقات الدولية طارق الخولى أمين سر لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب سابقًا، وعضو لجنة العفو الرئاسى وعضو تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين وأحد أبرز رموز شباب الثورة فى حواره لـ الوفد، كيف سارت مصر فى خارطة طريق تستهدف الاستقرار والتأسيس لجمهورية جديدة والحفاظ على مكانتها التاريخية واستعادة ريادتها الإقليمية والدولية التى كادت أن تفتقدها بسبب ما حدث قبيل هذه الثورة.
وإلى نص الحوار:
- كيف أسست خريطة الطريق التى أُعلنت فى 3 يوليو لمرحلة جديدة من الاستقرار الدستورى والسياسى فى مصر؟
يوم الثالث من يوليو يمثل محطة حاسمة وفارقة فى التاريخ المصرى الحديث، فالقرارات المصيرية التى اتُّخذت فى هذا اليوم جاءت كانحيازٍ شامل لجموع الشعب المصرى ورغباته، وانبثقت أيضًا هذه القرارات من حاضنة وطنية جمعت كافة ممثلى الأطراف والقوى الوطنية لتسهم بشكل جوهرى فى تغيير مجرى تاريخ البلاد، وحماية الدولة المصرية، وتثبيت أركان مؤسساتها الرسمية.
هذه الخطوة لا شك أنها ركيزة أساسية لتطهير الدولة من الإرهاب والقضاء عليه، وتمهيد الطريق للعبور نحو مرحلة جديدة من الاستقرار الدستورى والسياسى، والتى بدأت بوضع دستور عام 2014 وما تلاه من انتخابات لكافة مؤسسات الدولة، وبفضل هذه الرؤية، استعادت مصر قدرتها على الحفاظ على كيانها واستقرارها فى ظل محيط إقليمى مضطرب يعج بالنزاعات والمواجهات.
- من وجهة نظرك.. ما أبرز التحديات الأمنية خاصة فيما يتعلق بمحاربة الإرهاب فى سيناء التى فرضتها تبعات الثورة، وكيف تم اجتيازها؟
الحقيقة بعد انتصار الثورة وتمكين الشعب ومؤسسات الدولة الوطنية مرة أخرى، أصاب ذلك مناهضى الثورة وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين والكيانات الإرهابية التابعة لها بالصدمة، ومن ثم عولوا بشكل أساسى على سلسلة من العمليات الإرهابية المتتالية بهدف إسقاط الدولة المصرية وإدخال البلاد فى دوامة من الفوضى العارمة، ظنًا منهم أن هذه الأجواء ستسمح للجماعة بالنفاد مجددًا والسيطرة على مقاليد الحكم، فبعد أن ارتكزت محاولاتهم الأولى فى الوصول إلى السلطة على دغدغة مشاعر الجماهير واستغلال الخطاب الدينى، وسرعان ما انكشف زيف هذا الخداع أمام الوعى الشعبى، بادروا بالتحول المباشر نحو استخدام العنف المفرط كأداة انتقامية وضغط موجهة ضد المصريين والشعب ومؤسساته.
كشف كل ذلك وأبرز الاعتماد الممنهج للجماعة على السلاح الإرهابى، وتجسد ذلك بوضوح فى التصريحات الشهيرة والعلنية للقيادى الإخوانى «البلتاجي»، والتى هدد فيها صراحةً بأنه إن لم يعد محمد مرسى إلى سدة الحكم، فإن عمليات التفجير لن تتوقف فى شتى بقاع البلاد، ومن هنا، يتضح أن استخدام الإخوان لسلاح الإرهاب فى تلك المرحلة كان محاولة يائسة وبائسة لإخضاع الشعب المصرى بحد السلاح، وفرض أجنداتهم وسياساتهم بالقوة، والسعى الحثيث للقضاء التام على مكتسبات الثورة وإرادة الشعب الحرة.
- كيف تغيرت النظرة الدولية لثورة 30 يونيو من «تحفظ وتشكيك» فى البداية إلى «اعتراف واحترام» لخيار الشعب المصري؟
- لم تكن التحديات التى واجهت ثورة 30 يونيو تقتصر على الداخل فحسب، بل امتدت إلى الساحة الدولية التى شهدت معارك ضارية قادتها الدولة المصرية للانحياز لإرادة شعبها.. ومن واقع معايشتى اللصيقة لهذا الملف بحكم عملى فى لجنة العلاقات الخارجية بأول برلمان منتخب بعد دستور عام 2014، خضنا مواجهات شرسة فى الخارج ضد الآلة الدعائية لتنظيم جماعة الإخوان، حيث جابت وفودنا البرلمانية العواصم المؤثرة لإطلاع المجتمع الدولى على حقيقة الثورة الشعبية، داحضةً محاولات التنظيم المستمرة لترويج توصيفات مشوهة ومضللة تدعى حدوث مسميات غريبة عن الثورة فى مصر.
هذه الجولات الدبلوماسية اتسمت بظروف استثنائية بالغة الخطورة، حيث واجهنا كوفود برلمانية، كنتُ شاهدًا ومشاركًا فى معظمها، محاولات ترهيب ممنهجة واعتداءات سافرة فى شوارع العواصم الغربية من قِبل عناصر التنظيم الإرهابى.. ورغم هذه التهديدات والملاحقات، واصلت المؤسسات الوطنية المصرية، وفى مقدمتها البرلمان، تحركاتها الواعية للدخول فى نقاشات جادة، منطقية، وموضوعية مع صناع القرار الدولى، كاشفةً بالأدلة جرائم تنظيم الإخوان وارتباطه العضوى بالتنظيمات الإرهابية العالمية.
والحقيقة أن تلك الجهود الدبلوماسية المكثفة أحدثت تحولًا استراتيجيًا عميقًا فى الموقف الدولى، فالأيام أثبتت صحة الرؤية المصرية، حتى إن الدول التى احتضنت هذا التنظيم فى البداية باتت اليوم تجرى مراجعات صارمة بشأن خطورة وجود الإخوان على أراضيها وتأثير ذلك السلبى على أمنها القومى.. وفى نهاية المطاف، تحطم التضليل أمام صخرة الحقائق، وانتصرت إرادة المصريين بانحياز الدول ذات الثقل والمجتمع الدولى لها، بعد وصولهم إلى فهم عميق وحقيقى لطبيعة الحراك الشعبى فى ثلاثين من يونيو.
- كيف انعكست الثورة على الملف الاقتصادى من خلال إطلاق المشروعات القومية الكبرى (مثل قناة السويس الجديدة، العاصمة الإدارية، وتطوير العشوائيات)؟
جسّدت ثورة 30 يونيو وما تلاها من جهود دءوبة فى مكافحة الإرهاب محطة فارقة فى تاريخ الوطن، حيث تضافرت عزيمة الشعب مع التضحيات الجسيمة والدماء الزكية التى قدمها أبطال قوات الجيش والشرطة البواسل فى معارك الشرف ضد قوى الظلام.
هذا النجاح الصامد فى دحر الإرهاب وتقويض أركانه لم يكن مجرد انتصار أمنى، بل كان الركيزة الأساسية التى أعادت للبلاد هيبتها وأرست حالة من الاستقرار الثابت والبيئة الآمنة المستدامة، وبفضل هذا الاستقرار الأمنى المحقق، انطلقت الدولة بخطى ثابتة نحو تدشين مرحلة غير مسبوقة من البناء والتنمية، أتاحت المجال واسعًا لإطلاق المشروعات القومية الكبرى وتحفيز النشاط الاقتصادى وحركة الاستثمار.
إن ما نشهده اليوم من طفرة تنموية ونشاط اقتصادى ملموس ما هو إلا الثمرة المباشرة لتلك التضحيات، والنتيجة الحتمية للمسار التنموى الشامل الذى بدأ صياغته ورسم ملامحه منذ فجر ثورة الثلاثين من يونيو.
- صياغة المستقبل شملت ملف الحماية الاجتماعية.. كيف أسهمت الثورة فى ولادة مبادرات قومية ضخمة مثل «حياة كريمة» و«100 مليون صحة»؟
- بالتأكيد أن ملف الحماية الاجتماعية من أهم الملفات التى يُنظر لها كأحد الملفات التى تطلع لها الشعب المصرى بقوة من بعد ثورة الـ30 من يونيو، وما زال هناك تطلع مستمر من الشعب المصرى لمزيد من الإجراءات التى تصب فى الحماية الاجتماعية.
وما شهدناه من تحديات كبرى فى الحروب فى المنطقة والحروب العالمية التى كان لها انعكاساتها الاقتصادية السلبية على مختلف الدول، وأيضًا ما مررنا به من جائحة كورونا كان له تداعيات كتيرة، وهو ما كان فى حاجة إلى مزيد من الإجراءات وما زالت نلك التحديات قائمة ومن ثم فإن التطلع قائم لمزيد من الإجراءات للحماية الاجتماعية.
- كيف استعادت مصر دورها القيادى فى إفريقيا والشرق الأوسط وحتى دوليًا بعد 30 يونيو، بناءً على سياسة خارجية متوازنة ومستقلة؟
- شهدت مصر تحولات كبرى فى سياستها الخارجية دون أدنى شك، فانتقلت من مرحلة واجهت فيها عقب ثورة 30 يونيو أضرارًا بالغة فى علاقاتها الدولية مع شركائها، فضلًا عما تعرضت له من تجميد لعضويتها فى الاتحاد الأفريقى، إلى مرحلة مغايرة تمامًا.
وخلال فترة وجيزة، استطاعت مصر أن تقلب الموازين، وهو الأمر الذى أرى أنه يستحق أن يكون محلًا للدراسة من قبل الباحثين والمتخصصين فى القانون الدولى والعلاقات الدولية، لتفسير كيف تمكنت الدولة المصرية فى سنوات معدودات من تحويل مسارها بالكامل، من دولة تواجه أضرارًا ومحاولات مستميتة من تنظيم دولى إرهابى لتشويه سمعتها والنيل منها، إلى دولة قوية يستمع إليها الجميع وينصت لها بعناية.
وباتت مصر تضع خطوطًا حمراء صارمة لكل ما يمس أمنها القومى، وتفرض إرادتها السياسية بقوة وحسم فى مختلف القضايا، مستعيدة تأثيرها ومكانتها فى محيطها الإقليمى والدولى، وأصبحت الدولة المصرية رمزًا للحكمة، والسياسة الرشيدة، والدبلوماسية الدولية التى تراعى الأبعاد الإنسانية، لتثبت للعالم أجمع أن الدول يمكنها تنبى سياسات خارجية تترفع عن الانتهازية؛ وهذه هى النظرة الحقيقية التى ينظر بها المجتمع الدولى إلى مصر اليوم.
ومن واقع عملى فى لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب على مدار عشر سنوات، فإننى أؤكد أنه إذا ما اتجهنا شرقًا أو غربًا فى هذا العالم، سنلمس بوضوح تلك النظرة الدولية لمصر، وهى نظرة فخر واعتزاز يرتفع بها رأس كل مواطن مصرى.
إن العالم يرى فى مصر دولة عظيمة وكبيرة، تمثل صمام الأمان وركيزة التوازن فى منطقة الشرق الأوسط، ويُنظر إليها باحترام وتقدير بالغين لسياساتها الحكيمة، وخلو ممارساتها الخارجية من أى نزعة انتهازية.
- كيف فتحت الثورة الباب لتمكين الشباب والمرأة فى المناصب القيادية كمحافظين، وزراء، ونواب بالبرلمان بشكل غير مسبوق فى التاريخ المصري؟
- بالتأكيد.. شكلت الثورة نقطة تحول تاريخية وفارقة نجحت فى فتح آفاق جديدة وقنوات مشاركة حقيقية أمام فئات مجتمعية طالما عانت من التهميش السياسى والإقصاء على مدار سنوات طويلة.
لقد أتاحت هذه المحطة الاستثنائية لتلك الفئات الفرصة لإثبات ذاتها، والانتقال من هامش الفعل إلى مركز القرار، لتصبح رقمًا صعبًا وقوة مؤثرة ومُمكَّنة بشكل فعال فى صياغة المشهد السياسى وإعادة رسم ملامحه الحاضرة والمستقبلية.
إن ضمان استمرارية هذه التجربة ونضجها يضع على عاتق الشباب والمرأة ومختلف القوى الحيوية مسئولية وطنية جسيمة، تتمثل فى مراجعة الممارسات وتطويرها بشكل مستمر، مع الحفاظ على المكتسبات وتنقيحها وتصويب مسارها، ولن يتحقق التمكين الحقيقى والصحيح لهذه الفئات إلا بجعل الكفاءة، والعلم، والقدرة، والوعى العميق هى المعايير الأساسية والمحركة للتصدر؛ لتؤول القيادة دائمًا إلى الأكثر جدارة واستحقاقًا، بما يضمن بناء مجتمع ديمقراطى وعادل.
- بعد مرور سنوات على الثورة، كيف يمكننا تقييم مفهوم «الجمهورية الجديدة» كنتاج مباشر ومستقبلى لتطلعات الملايين فى 30 يونيو؟
- ثورة الـ30 من يونيو هى الثورة التى أسست الجمهورية الجديدة، جمهورية قائمة على الحفاظ على الهوية المصرية، هذه الثورة هى ثورة الهوية المصرية بامتياز، وهى التى حافظت على كيان الدولة المصرية.
وهذه الثورة فى إرهاصاتها هى التى أخرجت من صدور المصريين ما يُعرف بمفهوم الهوية، ولم تكن ثورة فئة، ولم تكن ثورة مطالب فئوية، ولم تكن ثورة تطالب بنواح سياسية محددة أو تطلعات اقتصادية بعينها، بقدر ما كانت هذه الثورة هى ثورة كل المصريين، وكانت هذه الثورة من أجل مصر ومن أجل كل المصريين، ومن أجل مستقبل الدولة المصرية حتى تبقى. ولولاها لدخلت مصر إلى نفق مظلم لعشرات السنوات، ولتحولت مصر إلى واحدة من التجارب المأساوية التى تشهدها المنطقة الآن من دول سقطت ولم تستطع حتى الآن أن تنهض مرة أخرى.
فتعظيم سلام إلى ثورة الـ30 من يونيو، وإلى كل من شارك فيها من كل جموع الشعب المصرى، وإلى كل من ضحى من أجلها من أبناء الشعب المصرى، من المدنيين، ومن رجال القوات المسلحة، ومن رجال الشرطة المصرية، فكل التحية والتقدير، وستبقى ثورة الـ30 من يونيو علامة مضيئة فى التاريخ الوطنى المصرى عبر ما مضى من تاريخ وعبر ما هو قادم فى هذا فى مستقبل مستقبل الدولة المصرية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض