تخوض الدولة المصرية في السنوات الأخيرة مواجهة ممتدة من الجيل الرابع والخامس من الحروب، وهي مواجهات لا تقتصر على الجبهة الشمالية الشرقية التي تعد خط النار التقليدي، بل تمتد إلى عمق المناطق الحدودية الأخري (خاصة الغربية والجنوبية) عبر أدوات وواجهات متنوعة من بينها عصابات الفساد والتهريب والمخدرات والآثار والإرهاب. وتُعد المواجهات الأخيرة في جنوب مصر مع عصابات التنقيب غير المشروع عن الذهب (المعروفة محلياً بعصابات الدهّابة) نموذجاً حياً لإحباط واحدة من أعقد عمليات التخريب الممنهج، والتي تتجاوز مجرد السعي وراء الثروات المعدنية، لتكشف عن واجهة تخريبية أوسع تستهدف الأمن القومي المصري في ظل تمدد مخطط " الأفروسنتريك " التي هي بدورها واجهة لمخططات العدو التقليدي لمصر وهو الكيان الصهيوني.
إن تحركات هذه العصابات في الصحراء الشرقية وجنوب أسوان وعلى طول الحدود السودانية لم تكن وليدة الصدفة أو مجرد نشاط عشوائي لكسب العيش، بل تشير المعلومات المتداولة إلي أنها تحولت إلى شبكات شبه عسكرية مدعومة بتدريب وتسليح متطور وأجهزة اتصال حديثة عبر الأقمار الصناعية. إن تغلغل هذه المجموعات، بالتوازي مع موجات الهجرة غير الشرعية عبر الحدود ومحاولات فرض واقع ديموغرافي وثقافي جديد يتماشى مع أطروحات "الافروسنتريك" (التي تسعى لتجريد الهوية المصرية من عمقها التاريخي ومحاولات نسبة حضارتها لأطراف أخرى)، يمثل آلية قضم تدريجي للسيادة الوطنية على الأرض والموارد.
وعند تفكيك خيوط هذه المنظومة التخريبية، يبرز بوضوح دور جهاز "الموساد"، الذي يعمل باستمرار على استغلال الأزمات الإقليمية حول مصر لإستحداث مداخل جديدة للنيل من استقرارها. إن الاستراتيجية الاستخباراتية المعادية تقوم على مدخل خطير يقوم علي بناء تحالفات هجينة تحت إشراف "شبكة جاسوسية تخريبية" تضم توليفة متكاملة من "شبكات الفساد السياسي والإقتصادي والإداري وعصابات الجريمة المنظمة والبلطجة وشبكات غسيل الأموال وكذلك منظومات التطرف والإرهاب والعنف". ويبدو أن الموساد يسعي من خلال وكلاءه المحليين والإقليميين إلى تحويل ملف "الدهّابة" من مجرد سرقات لموارد تعدينية إلى "بؤرة استنزاف أمني وعسكري" تقوض الجبهة الداخلية، وتخلق مناخاً من الفوضى الأمنية والاقتصادية عبر تهريب الذهب وحرمان الخزانة العامة من جزء مهم من مواردها السيادية.
أما الغاية الإستراتيجية الكبرى والعميقة من وراء تحريك هذه الجبهة الجنوبية، فهي محاولة "خلخلة" التواجد العسكري والاستراتيجي الكثيف واليقظ للدولة المصرية على حدودها الشمالية الشرقية. يدرك المخطط الصهيوني أن القوة الضاربة للعسكرية المصرية تقف حائلاً دون تنفيذ مخطط التهجير لتصفية قطاع غزة ومن ثم تصفية القضية الفلسطينية، ومن ثم، جاءت المحاولات الحثيثة لتشتيت انتباه القيادة العسكرية والسياسية وتوزيع جهد الجيش المصري على أكثر من جبهة مشتعلة في وقت واحد (الجبهة الغربية المتوترة، الجبهة الجنوبية المتداخلة مع الحرب الأهلية السودانية وعصابات التهريب، والجبهة الشمالية الشرقية).
إن فكرة "حصار مصر بالجبهات المشتعلة" هي عقيدة أمنية صهيونية قديمة جرى تحديثها بأدوات معاصرة؛ حيث يتم توظيف توليفة من "التوترات السياسية، والجريمة المنظمة و العابرة للحدود، وأطماع الفساد المحلي والصراع مع شبكات التطرف" كقطع شطرنج لإرهاق اللوجستيات العسكرية المصرية. إلا أن هذه المخططات تصطدم دائماً بصخرة الوعي الإستراتيجي المصري؛ وهو ما يقتضي تعميق السياسة الراهنة القائمة علي التعامل مع ملف الجنوب بيقظة حاسمة، تجمع بين الضربات الأمنية الاستباقية لشبكات التهريب، والتنمية العمرانية والاقتصادية لقطع الطريق على أي اختراق سياسي أو ديموغرافي أو ثقافي من جانب المتربصين بمصر.
وتؤكد الشواهد على الأرض أن هندسة الأمن القومي المصري تمتلك من المرونة والعمق ما يمكنها من إدارة الأزمات المتزامنة بكفاءة واقتدار. لقد ارتدت سهام المؤامرة إلى نحور صانعيها، وتحولت الصحراء الجنوبية إلى مقبرة لأوهام الاختراق ومحاولات خلخلة إنتشار القوات العسكرية المصرية علي الجبهة الرئيسية مع الكيان الصهيوني. إن تحالف الجاسوسية الجاسوسية التخريبية مع شبكات الفساد والعنف، مهما تنوعت أقنعته بين "دهّابة" أو دعايات "افروسنتريك"، لن يفلح في كسر عقيدة المصرية أو النيل من تماسك الجبهة الداخلية، وبإذن الله وتوفيقه، ثم بيقظة أبنائها المخلصين، ستبقى مصر عصية على التشتيت، صامدة في وجه كل مخططات الاستنزاف والفتنة والتفكيك.
كاتب المقال
سياسي ونقابي مصري
والمستشار الأسبق لوزير البيئة
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض