رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

أحمد عبدالمعطي حجازي: الإخوان سقطوا سياسيا.. لكن سمهم الثقافي يقتل الديمقراطية

بوابة الوفد الإلكترونية


• يناير اختُطفت وجماعة الشر مازالت تزرع فتاوى الجهل

 

• السلطة حرمتني من التدريس.. والأقدار صنعت مني شاعرا

 

• الدولة الوطنية مهددة والعروبة قدرٌ لا اختيار

 

• حرية الرأي مقدسة.. ولا شيء يبرر التضييق أو المصادرة


• حجازي يقدم وصيته للجيل الجديد: أعطوا الشعر كيانكم كله


• فلسطين لن تكون للغريب.. والعالم بدأ يكتشف كذب «الدولة الإجرامية»


• ويتساءل: حين تغيبُ المجلات الثقافية.. من أين يستقي المصريون ثقافتهم الآن؟


• رددتُ على قسوة العقاد بقسوة.. لكنه يبقى عمود الثقافة العربية الذي خسرنا بدونه الكثير

 

• الشعر ليس مجرد قصيدة.. بل نضال لا يكتمل إلا بالفعل

 

• القاهرة لم تشفني من الوحشة.. والغربة تسكننا جميعا


• رسالة لصلاح عبدالصبور: أنت باقٍ مادام الناس يقرأون شعرك


• عن ديوانه الجديد: سأحمي تاريخي من التكرار.. والشاعر لا يكتب بـ «بطاقة واحدة»

 

• القرية لا تزال حاضرة في وجداني أحنُّ إليها وأكتب عنها

 

▪ لا يزال في جعبتي الكثير.. وقريبا سأعيد الاعتبار لمن يستحق من الشعراء

 

تصوير: محمد فوزي

الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي 
الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي 

 

​بين شغف الصحفية التي تطارد الحقيقة وسط ركام الصمت، وخيال القاصة التي لا تكتفي بخفوت الواقع، وعين الناقدة التي تحفر في باطن النص، عبرتُ عتبة تلك البناية الوقور في مصر الجديدة، حيث يقيم الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي. استقبلني بابتسامةٍ ودود وترحابٍ دافئ، يضمه مقعد وثير في الصالة المستطيلة، مرتديًا قميصه الأبيض الزاهي الذي زاده وقارًا وأناقة.
الآن يجلس أمامي "حارس القصيدة العربية"، الذي احتفلنا—منذ أيام— بإتمام عامه الواحد والتسعين، حيث ولد بقرية "تلا" بالمنوفية عام 1935، والذي لم يكن يوما مجرد شاعرٍ ينظم الكلمات؛ بل هو الابن البار لجيل الخمسينيات، ذلك الجيل الذي آمن بأن القصيدة فعل سياسي وتغييري. ومنذ أن وطئت قدماه القاهرة، تحولت المدينة في شعره من مكان إلى "وحش" يواجهه بالحرف، ليخط بيانه الشعري الأول في «مدينة بلا قلب»، ثم يمضي في دروبه الشعرية شاهرا صوته في «أوراس»، ومواجها الحقيقة في «لم يبق إلا الاعتراف»، ومحلقا في سماوات القلق في «شرفات الليل».
​لم يكن صوته الشعري وحده بوصلتنا، بل كان عقله النقدي حاضرا في كتبٍ شكلت وعي أجيال؛ فمن تأملاته في حداثة القصيدة، إلى قراءته النقدية لرواد الشعر في «أحفاد شوقي»، وصولا إلى فكره القومي في «عروبة مصر» ومقالاته الفكرية الجريئة في «كشف الحجاب»؛ ظل حجازي شاهدا ومشاركا في صياغة الوعي الثقافي العربي. إنه الشاعر الذي لم يكتب الشعر ليزين به الأوراق، بل ليعري به الواقع، ويحفظ ذاكرة الأمة من النسيان.

​لم تكن الجدران الأربعة التي تحيط بي مجرد حوائط صامتة؛ بل كانت أشبه بمعرضٍ فني يعكس هوية صاحب الدار. تزدان الجدران بلوحاتٍ أصلية لفنانين مصريين كبار، وكأن حجازي يختار أن يحيط نفسه بروح الوطن؛ من جورج بهجوري إلى آدم حنين، ومن إنجي أفلاطون إلى حلمي التوني وغيرهم. في قلب الصالة، يتصدر المشهد حائطٌ كامل يغص بصور العائلة؛ صورٌ ما زالت تنبض بالحياة رغم مرور السنين، توثق حكايات الشاعر مع رفيقة دربه الراحلة، وأبنائه في مراحل عمرهم المختلفة، وصورة لوالدته.
​كان حجازي حريصًا في ختام لقائنا على أن يأخذني في رحلة عبر تلك الصور، يشرح لي تفاصيلها بحماسٍ وفخر، يُعرّفني إلى أصحابها، وكأنما يعيد إحياء الذكريات. لم تكتفِ اللوحات الفنية باحتلال حوائط الصالة، بل امتدت لتزين جدران مكتبه أيضا؛ ذلك المكتب البسيط في تكوينه، تماما كبساطة روحه وعمق فكره.
على ذلك المكتب المتواضع، استقر العديد من الكتب التي تنوعت بين الأدب والنقد، واحتضنت إحدى زواياه "أباجورةٌ" هادئة الضوء، بينما انتصبت أمام المكتب مكتبة عامرة بشتى صنوف المعرفة وفروع الثقافة. وعلى الأرض، كانت سجادةٌ بسيطة تكمل تفاصيل المكان، وتضفي على الغرفة والبيت كله مسحة من السكينة. في تلك اللحظة، أيقنتُ أنني لست بصدد محاورة شاعرٍ وحسب، بل إنني سأغوص في أعماق إنسان استثنائي، جمع بين عمق الفكر وبساطة الروح، ليصبح بذلك قامة أدبية لا تُطال، ولكن، لكي أصل إلى هذه السكينة في حضرة حجازي، كان عليّ أن أقطع طريقًا طويلًا من العناء؛ فقبل أن أطرق بابه، خضتُ رحلةً كشفت لي وجهًا آخر لواقعنا الثقافي.. ذهبت إليه محمّلةً برهبة اللقاء، بين قدمٍ تتقدم شوقا وأخرى تتراجع خجلا. ورغم سعيي الحثيث لإنجاز هذا الحوار منذ عامين، إلا أن الجلوس بين يدي قامةٍ ثقافية بحجم "'أحمد عبد المعطي حجازي"' وضعني أمام مفارقة مؤلمة؛ فبينما كنتُ أستعد للمواجهة الفكرية، وجدت نفسي في مواجهةٍ مع واقعٍ ثقافي بائس.
​هكذا قضيتُ ما يزيد على أسبوعين في رحلة بحثٍ مضنية عن مؤلفاته، طرقتُ خلالها أبواب المؤسسات الثقافية الحكومية التي يُفترض بها صون ذاكرتنا الأدبية، لأجدها خاويةً تماما من أي إصدار له. في منافذ بيع الهيئة العامة للكتاب، لم أجد ديوانا واحدا، واكتفى الموظفون بهز الرؤوس مؤكدين نفاد الطبعات، دون أدنى أفق لإعادة إتاحتها.
​لم يتبقَ أمامي سوى ملاذ "الأزبكية"، حيث رحت أنقب لأيامٍ بين غبار الكتب والصفحات الصفراء، باحثةً عن أثر لإبداعه، فلم أظفر إلا ببعض الدراسات النقدية التي كُتبت عنه، لا بدواوينه التي شكلت وجدان أجيال، مما اضطرني في النهاية للجوء للفضاء الإلكتروني، حيث النسخ الرقمية التي لا أحبذ قراءتها.
​وهنا يطرح السؤال نفسه بمرارة: إذا كانت قامةٌ كأحمد عبد المعطي حجازي لا نجد لها أثرا في منافذ مؤسساتنا الثقافية الرسمية، فمن ذا الذي نجد له؟ إنني أوجه هذا التساؤل الملح إلى المسئولين عن هيئة الكتاب والهيئة العامة لقصور الثقافة: متى ستتوقف هذه المؤسسات عن دور المتفرج، لتبدأ دورها الفعلي في إعادة إتاحة الإبداع الحي للقراء؟

ورغم مرارة هذا السؤال، إلا أنني حين نظرت إليه، أيقنت أن التاريخ الذي فتشت عنه بين رفوف المكتبات الخاوية، يجلس أمامي حيا بوقاره، فالتفت إليه وبدأت حواري بسؤال أراد أن يلامس جوهر هذا الزمن...

أثناء حواره مع الوفد
أثناء حواره مع الوفد

 

​ * في ديوانك "مدينة بلا قلب"، رسمتَ القاهرة كوحشٍ يبتلع المارين به، وقلت فيها: "يا قاهره! أيا قبابًا متخماتٍ قاعده.. يا مئذناتٍ ملحده.. يا كافره.. أنا هنا لا شيء، كالموتى، كرؤيا عابره.. أجرّ ساقي المجهدة للسيده!".
بعد عقود من هذا الوصف الصادم، هل ترى أن المدينة اليوم "صالحَتْك" أم أنها تحولت إلى وحشٍ أكثر ضراوة وقسوة على أحلام الشباب؟ وهل ترى أن "الغريب" الذي في داخلك قد استأنس بالمدينة؟ أم أنك ما زلت تعيش في القاهرة كمن ينتظر الحافلة ليعود إلى القرية؟

 

بابتسامة بدت استرجاعا لذكريات بعيدة، قال:
​_ لابد أن مشاعري قد اختلفت؛ فقد أصبحت بالإقامة الطويلة قاهريًّا، بل وحتى باريسيًّا، لكن المسألة الأساسية في هذه القصيدة، وفي غيرها، هي "الشعور بالوحشة". سواء كان الإنسان ريفيًّا أو قاهريًّا، إذا شعر بالوحشة عبّر عنها، فهو يحتاج للوسط الاجتماعي والمناخ الثقافي والعاطفي وحتى السياسي الذي يشعر فيه بالأمان والاستقرار. هذا الشعور بالغربة والوحشة، والخوف أحيانا من المصائر التي تطارد البشر، موجود حتى الآن، ليس فقط في فترة معينة أو في مكان دون آخر، إنما هي الحاجة للآخرين، الحاجة للمحبة والمودة والألفة والاجتماع، ولذلك تظل القضية مطروحة على الناس.

 

​* قلت في قصيدة "رسالة إلى مدينة مجهولة": "أبي.. إليك حيث أنت، إليك في مدينة، مجهولة السبيل، مجهولة العنوان والدليل". هل ترى أن رحيل الأب كان المحفز الحقيقي لاكتشاف "قسوة المدينة"؟ وهل يمكن اعتبار رحيله بمثابة "إعلان وفاة" للقرية في وعيك؟



_ غشت ملامحه مسحة حزن واضحة، وأجابني بخفوت:
رحيل الأب كان تجربة إنسانية بالغة القسوة، وظروف ذلك الرحيل جعلتها أشد مرارة؛ فقد رحل وهو نائم، ولم يتح لي حتى وداعه أو تشييعه، إذ كنت في القاهرة ولم أعلم بالخبر إلا متأخرا، لكن لا أستطيع أن أقول إن رحيل الوالد كان بمثابة "إعلان وفاة" للقرية، أو أن غيابه هو المحفز الذي كشف لي قسوة المدينة؛ فالواقع أن رحيلي عن القرية كان قرارا واعيا ومحسوما لمستقبلي كشاعر، والقرية لا تزال حاضرة في وجداني، أحن إليها وأكتب عنها، ولم يقطع غياب الوالد صلتي لا بأسرتي ولا بأصدقائي ولا بذاكرتي هناك.
​وربما ما خفف من ألم الفراق كونه رحل وهو يشعر باطمئنان عليّ، ولقد كانت الأقدار في تلك المرحلة تتقاطع بقسوة؛ فبعد تخرجي من مدرسة المعلمين، حُرمت من العمل بالتدريس لمشاركتي في مظاهرة سياسية في ذكرى محمد فريد عام 1954، وهي المظاهرة التي اعتبرتها السلطات حينها ممنوعة.
​لكن الظروف التي قست عليّ بحرمان وظيفي وبُعد عن القرية، عوضني القدر عنها برحمةٍ غير متوقعة، فقد كانت الصحافة مقصدي، ففي عام 1955، وبفضل أحد أبناء القرية المقيمين بالقاهرة الذي قرأ شعري، نُشرت قصيدتي الأولى "بكاء الأبد"، في مجلة "الرسالة الجديدة" التي كان يرأس تحريرها يوسف السباعي، وكنت قد نظمتها في الثامنة عشرة من عمري، ثم فتحت لي أبواب الصحافة بفضل النقاد كرجاء النقاش، الذي قدم لديوان "مدينة بلا قلب"، فقد فتح لي الباب في الشعر، وبمقدمته قد فتحت له باب النقد، خاصة أن الديوان نشر في دار كبيرة وهي دار الآداب ببيروت.
وحين أتحدث عن عملي في الصحافة أتحدث عن عملي في "روز اليوسف"، لكني بدأت في "دار الهلال" لمدة نصف الشهر. وحين حصلت على مرتب نصف الشهر ذهبت إلى القرية وأخبرت الوالد، فقبلني وطمأنني، ولم يعنفني لأني شاركت في المظاهرة التي حرمتني من العمل في التدريس، بل اعتبرني حرا فيما أصنع وفيما أفكر.
هكذا تعلمت حينها أن البشر هم من يظلمون ويقسون، أما الأقدار فإنها دائما ما تخبئ خلف قسوتها أبوابا للرحمة والتحقق.

 

​* كنتما أنت وصلاح عبد الصبور وجهين لعملة واحدة في مشروع تحديث القصيدة العربية؛ كلاكما حمل همّ "الإنسان" في مواجهة القهر والمدينة. عندما تسترجع اليوم شريط الذكريات، وتنظر إلى "المقعد الفارغ" الذي تركه صلاح، هل تشعر أن مشروعكما الشعري الذي بدأتماه بـ "الناس في بلادي" و"مدينة بلا قلب" قد اكتمل؟ أم أن هناك حلمًا ما زال معلقا، وما الذي تود أن تقوله له لو كان يجلس في هذا المقعد الآن؟

 

​عاد الحزن ليغزو ملامحه، مجيبا: أظن أن مشروع صلاح -رحمه الله- اكتمل، لأننا عندما ننظر الآن فيما قدمه من أعمال، سواء في القصيدة أو في المسرح الشعري، نرى بناء مكتملا وشاهقا، لكن لا شك أن صلاح الذي رحل وهو في الخمسين كان يستطيع أن يقدم أكثر. أريد أن أطمئنه على أنه حي باقٍ ما دام الناس يقرؤون شعره، وأدعو من بيدهم أمور النشر والمسرح أن يلتفتوا إلى أعماله، فربما تكون هناك نصوص لم تُنشر بعد، وأنا لم أقرأ عنها.



​* في كتابك "عروبة مصر"، دافعت عن العروبة كحقيقة وجودية. اليوم، وفي ظل تيارات "الانعزالية" التي تطالب بالانسلاخ من المحيط العربي، هل تشعر أن مشروعك الفكري قد صُدم بجدار الواقع، وهل لا تزال "العروبة" بوصلة صالحة للمصري اليوم؟

 

​ أرى أن هناك من يحاولون فصل مصر عن العروبة لأنهم يظنون أن الفصل بين عصور التاريخ ممكن. لا يمكن الفصل في تاريخ شعب بين عصوره المختلفة، فعروبة مصر ليست "عرقا"، بل ثقافة وتاريخ ومصير، ولا يمكن أن أطمئن لمصير أي بلد عربي يتخلى عن العروبة. نحن نحتاج لبعضنا البعض، وهو ما لا يتحقق إلا بالعروبة، والعروبة واقع وليست خيالا، فهي ثقافة، فهل كان يمكن أن أقول ما قلته، أو تقولي ما قلتِه، بغير هذه الثقافة العربية؟ ومن يعرف تاريخ مصر يعرف أن العروبة كانت حاضنة لكل عصور تاريخها. فالعروبة احتضنت تاريخ الشام والعراق والمغرب، فكانت استكمالا لهذا التاريخ، فقد احتضنت العروبة ثقافات مختلفة حتى التي لم تتعرب، كالفرس والروم والهند، وأوربا، وثقافة الأندلس شاهدة على ذلك، والمستشرقون يتحدثون عن الثقافة العربية بهذا الفهم، فلا يوجد بلد له قيمة يكتفي بعنصر واحد من عناصر وجوده، لا شك أن المصريين شعب له تاريخ عريق، بدأ قبل أن يبدأ تاريخ أمم كثيرة وانتفعت به بلدان كثيرة.
لا يحق لأحد أن ينكر التاريخ، فقد تعربنا فيما لا يزيد على ثلاثة قرون، نعم، لدينا لهجة دارجة ونبدع بها، فكما نفخر بشوقي وحافظ وغيرهما، نفخر كذلك بحداد وجاهين والأبنودي وغيرهم..
اكتسبت نبرة صوته حدة، وهو يستطرد: إذن لماذا يستفز هذا الغنى الثقافي العاجزين عن إدراكه؟ لماذا يريدوننا أن نتخلى عن العروبة واللغة الفصحى، وأن نكتفي بجهلهم؟ نحن سوف نواصل الانتماء والدعم والإضافة؛ فالمصريون في العصر الحديث كانوا في مقدمة الساعين لإحياء الثقافة العربية وسيظلون.

 

​* كتبتَ في هجاء العقاد: "أقولُ فيك هجائي، وهو أوله / وأنت آخر مهجوٍّ وأنسبه". الآن وأنت في قمة نضجك وتجربتك، ألا تزال ترى في "العقاد" خصما فكريا كان يجب تجاوزه، أم أنك أعدت قراءة هذه العلاقة من منظور "المصالحات التاريخية"؟ وهل ترى أننا في زمننا المشتت، أصبحنا في أمس الحاجة لـ "عقاد" آخر يضبط إيقاع الفكر؟

 

​أجابني مبتسما: الواقع أنني كنت أرد على قسوة بقسوة، وتلك القصيدة تعبر عن تلك القسوة، وهي ليست صورة العقاد الحقيقية. فالعقاد قمة من قمم الثقافة العربية في الفكر والشعر والنثر؛ فقد قدم للثقافة العربية ما لم يقدمه غيره، بدون العقاد كنا سنخسر الكثير، نعم هو قدم بجانب الذين قدموا، مثل طه حسين، وأحمد لطفي السيد، وسلامة موسى، وإلى جانب من ظهروا قبله، مثل الإمام محمد عبده وقاسم أمين، ثم الأجيال التالية كنجيب محفوظ والحكيم وغيرهما، فالعقاد هو عمود من أعمدة الثقافة المصرية والعربية، وهذا لا أقوله وحدي بل يقوله كل من قرأ له وعنه، وربما كنا في حاجة إلى أن نقرأ العقاد من جديد لكي نخرج بما لم نخرج به من قبل.

 

​* في مقالاتك، حذرتَ من أن سقوط الجماعة سياسيا لا يعني هزيمتها فكريا، ونبهت إلى أن تراجعنا الثقافي الحالي هو البيئة الخصبة لإعادة إنتاج الخطر. في ظل هذا، ألا ترى أن اعتماد الدولة وحدها في المواجهة الفكرية -مقابل انسحاب المثقف إلى "مكاتبه"- قد ترك الساحة فارغة؟

 

​إن المطلوب من مؤسسات الدولة، لا سيما التعليم والثقافة والإعلام، أن تكون أمينة ووفية للدستور الذي يفصل بين الدين والسياسة، وأن تلتزم بمفهوم الدولة الوطنية الحديثة. صحيحٌ أن جماعة الإخوان قد سقطت، لكن الثقافة التي أشاعوها—عبر مؤسسات جندوا لها الدعاة والإعلام—قد نجحت في تقويض مكتسباتنا التي حققناها منذ عصر النهضة في أوائل القرن التاسع عشر؛ أي تقويض الديمقراطية ذاتها. إن سعي هذه الجماعات للوثوب على السلطة لا يعني سوى وأد الديمقراطية، وإسقاط الدولة الوطنية التي يقوم عقدها الاجتماعي على القانون لا على الفتاوى.
​وعندما نصل الآن إلى زمنٍ يحتاج فيه المواطن لفتوى في كل خطوة، فإننا أمام خطر شديد. لقد أصبح جهاد الرواد—من الإمام محمد عبده وقاسم أمين، إلى هدى شعراوي ودرية شفيق—في مرمى التهديد؛ فرغم ما نالته المرأة من حقوق، إلا أن نظرة "المخربين" ما زالت تعيدنا إلى الوراء. إن التخلي عن إرث قاسم أمين يمثل خطرا داهما؛ فنحن في أمسّ الحاجة لحرية التفكير والتعبير.
​وعلى الرغم من هذا التهديد، يبقى العالم منصفا لنا؛ فهو يرى تاريخنا وحضارتنا، وما اختيار الدكتور خالد العناني لرئاسة اليونسكو، أو اختيار مصر عضوا في مجلس حقوق الإنسان، إلا اعتراف دولي بمكانتنا. إن المصريين يقدمون الكثير، ولننظر إلى الرواية المصرية—ذلك الفن الذي لم يكن له وجود في أدبنا قبل هيكل والحكيم ومحفوظ. يجب أن نتذكر دائما نجيب محفوظ، الذي حصل على نوبل، فتعرض للاغتيال بسبب رواياته.. فهذا هو المثل الذي يجب أن نتمسك به ونحمي إرثه.
 

 

​* من حماسِك للثورة الجزائرية، إلى إيمانك العميق بالتجربة الناصرية التي جعلت من "العروبة" هوية لا مجرد جغرافيا. حين جاءت "25 يناير" حملت طموحا بالتغيير، ثم جاءت "30 يونيو" لتُعيد رسم المشهد بالكامل. اليوم، هل ترى أن هذه الأحداث كانت "امتدادا" لذلك الحلم الناصري الذي حملت شعلته يوما في قصائدك؟


​لقد قامت ثورة يناير من أجل الديمقراطية، لكن هذه الجماعة الشريرة التي تغوّلت في السنوات السابقة اختطفتها، وحوّلت مسارها إلى انقلاب انقادت إليه جماهير غُرر بها. هذا خطر ما زال ماثلا أمامنا، وقابل للتكرار في ظل ثقافة سائدة لا تزال تفتقر إلى اليقظة؛ فما زالت شعاراتهم تُرفع، متمثلة في الخطاب الذي يختزل الدين في حجابٍ ونقاب، وفتاوى سلبت الإنسان عقله. إننا أمام وضع يحتم علينا إنقاذ أنفسنا، وأن نقول "لا" قاطعة لكل من يسعى للعودة بنا إلى الوراء.

 

​* هل يرى حجازي أن المثقف لا يزال يملك ترف "الاستقلالية" في زمننا؟


​بالطبع، فالمثقف لا يزال قادرا على أن يكون مستقلا ويعبر عن رأيه، ولكننا نحتاج أن نقول إن حرية الرأي مقدسة، ولا شيء يبرر التضييق أو المصادرة. طالما كانت الحرية للجميع، أستطيع أن أقول رأيي، وإذا كان هناك من يعترض فله الحق أيضا في أن يعبر عن رأيه. هكذا نحتكم لعقولنا، ويصبح باستطاعتنا عندئذ أن نختار الصواب.

 

​* في قصيدتك عن فلسطين، كتبت: "وأنتِ في شبه نشيد.. تتجلين لطفلك الوحيد"، حين تعيد قراءة تلك الأبيات اليوم، هل تشعر أن فلسطين قد تحولت في وعيك الشعري من "هدف قومي" كنت تحلم بالعودة إليه، إلى "زمن جميل" صار يسكن الذاكرة والقصيدة فقط، أم ما زال الشعر قادرا على أن يكون بيانا ثوريا؟


​متحمسا أجاب: قصيدتي تلك تعبر عن رؤية تملأ كياني كله؛ أراها بخيالي، وفؤادي، وضميري، وميزان الحق. نحن لا ندافع عن مجرد بلد مجاور أو شقيق، بل ندافع عن «حقٍ» لا يسقط بالتقادم. كما أرى أن العالم—بما في ذلك الأمريكيون—قد بدأ يدرك زيف من أقاموا تلك الدولة الإجرامية، وطردوا أصحاب الأرض؛ فمن غير المنطقي أن تُنسب فلسطين لمشردين وفدوا من شتى البلدان، وتُنتزع من الفلسطينيين الذين لم يغادروا ديارهم قط. فلسطين أبدا لن تكون للغريب.
​والشعر يصنع الكثير حين يكون صوتا موازيا للفعل الإنساني؛ فنحن نعيش بالشعر والنثر، وبالقول والعمل، وبالإيمان والنضال، وبذاكرةٍ تمكننا من الانحياز للحق. لابد أن يعود الحق لأصحابه، وهذا إيمان لا يتزعزع؛ فالحفاظ على حقوق الفلسطينيين لا يكون بالكتابة وحدها، بل بالفعل.

​* تجربتك في رئاسة تحرير مجلة "إبداع" كانت نموذجا للمجلة الثقافية الجريئة. هل ترى أننا نعيش اليوم "فراغا" في المجلات الأدبية الرصينة التي كانت تُخرج المواهب، أم أن عصر "الورق" انتهى؟


بحزم أجابني: لا، عصر الورق لم ينتهِ. فقد وجدت أن الكتاب لا يزال حيا ومقروءا بقوة في البلاد التي يظن أن التكنولوجيا حلت محله بها، ربما تراجع بعض الشيء؛ ولذا فنحن نحتاج إلى التخطيط والسياسة والمؤسسات والإرادة.
أما عن المجلات الثقافية، فنحن بحاجة لمجلات ثقافية أكثر، ففي الأربعينيات، عندما كان تعداد المصريين حوالي 18 مليونا، كان لدينا 20 مجلة ثقافية! كانت هناك مجلة خاصة بالشعر وأربع مجلات للقصة، إضافة إلى مجلة أسبوعية وهي "الرسالة" التي رأس تحريرها أحمد حسن الزيات، ومجلة "الثقافة"، و"المقتطف"، و"الكاتب المصري"، التي كان يرأس تحريرها طه حسين.. وغيرها، أين نحن الآن من هذا؟ المسئولون عن الثقافة من واجبهم أن يسألوا أنفسهم: من أي مصدر الآن يحصل المصريون على ثقافتهم؟ وفي أي منبر يستطيعون أن ينشروا إنتاجهم؟
 

​ * أسعدنا تصريحك الأخير أن في الأفق "ديوانا جديدا"، لكن اسمح لي أن أسألك: ألا تخشى أن تكرر صوتك القديم؟ وهل يحمل هذا الديوان "صوت التمرد"، أم أنه صوت "الحكمة" الذي تصالح مع الزمن؟

 

قال بتأثر وحزن واضحين، وكأنه يؤنب ذاته:
​أشعر حقا أنني انشغلت في السنوات الأخيرة، فتوقفت عن إضافة أي عمل جديد إلى رصيدي؛ ربما فرض ذلك مناخ ما. لكنني بدأت مؤخرا كتابة قصائد جديدة، وسأعود لقصائدي عودة جادة في الأيام المقبلة. سأحمي نفسي وتاريخي من فخ التكرار؛ فأنا أعي جيدا الفرق بين ما هو مكرر وما هو مضاف.
​أما عن التساؤل: هل سيحمل الديوان صوت الحكمة أم التمرد؟ أقول إنه سيحمل صوت "الشاعر"؛ فالشاعر دائما متمرد وحكيم في آن واحد، حتى في بداياته. الشعر في جوهره هو "فن الحقيقة"، وفن يستنزف الإنسان بكليته. الشاعر الحقيقي لا يكتب بـ "بطاقة واحدة"، أو يختزل وعيه في جانب منه، بل يمنح نفسه كاملةً للقصيدة، يكتبها بروحه وجسده وكيانه، لأنه يخاطب قراء يقرأون الشعر بكل طاقاتهم الإنسانية.

 

​* بصفتك شاهدا على تحولاتنا الكبرى، ما هي "الوصية" التي تتركها، كشاعر وكأب روحي لجيل الشعراء الذي يحاول أن يكتب قصيدته الخاصة؟


ابتسم قائلا: أوصيهم أن يمنحوا الشعر كيانهم بأكمله؛ فالقصيدة لا تُصاغ باللغة فحسب، بل تعاش بالحواس، وتُخلق بفيض الطاقات الإنسانية. إن الشعر مشروع جمعي لا يقف عند الشاعر؛ إنه حاجة ملحة للناقد، والناشر، والقارئ، بل وللأمة في كليتها. وهذا الإدراك يجب أن يتحول من مجرد فهمٍ نظري إلى حافز للفعل.
​ليختتم حجازي حواره معي، بقوله: لقد أوفيتُ بكلمتي حين تناولت تجربة شعراء السبعينيات في كتابي "أحفاد شوقي"، ولا أزال أتحين الفرصة لأعود مجددا للكتابة عن شعراء يستحقون منا الإنصاف؛ أولئك الذين يستحقون أن نعيد تقديمهم للناس، وأن نقرأهم من جديد.
 

حين هممتُ بالانصراف، ألقيت نظرة أخيرة على ذلك المكتب الذي يختصر تاريخا من التمرد والحكمة. لم تكن الغرفة قد خلت من ذكرياته بعد، بل شعرت أن صوته لا يزال يتردد في الزوايا، بين رفوف الكتب وأوراق القصائد. خرجت من تلك الشقة الهادئة في قلب مصر الجديدة، عابرةً أبواب البناية الفخمة لأصطدم بصخب الشارع الذي طالما وصفه حجازي بـ "الوحش".
​لكنني، وفي هذه المرة، لم أعد أشعر بتلك الرهبة التي صاحبتني عند دخولي. لقد تبددت الرهبة، وحلت محلها مسئوليةٌ أثقل وأعمق؛ مسئولية نقل هذا الصوت، وحماية هذا التاريخ من التهميش. تركتُ خلفي أحمد عبد المعطي حجازي في عقر داره، محاطا بلوحاته وكتبه وذكرياته، لكنني أدركتُ أنني لم أحاور شاعرا وحسب، بل كنت أحاور "ضمير جيل كامل". وبينما كانت قدماي تخطوان في شوارع القاهرة التي لم تكن يوما بلا قلب، أيقنت أن كل قصيدة كتبها حجازي هي "موقف"، وكل كلمة قالها في هذا اللقاء هي "بوصلة" تذكرنا بأن الكتابة ليست مجرد حروف على ورق، بل هي فعل مقاومة، وحياة مستمرة رغم كل شيء.
 

بورتريه لحجازي بريشة رجائي ونيس
بورتريه لحجازي بريشة رجائي ونيس
صور عائلية 
صور عائلية 
لوحة للفنان جورج بهجوري تحتل أحد جدران بيت حجازي
لوحة للفنان جورج بهجوري تحتل أحد جدران بيت حجازي
بعض العناوين التي تقبع فوق مكتب حجازي
بعض العناوين التي تقبع فوق مكتب حجازي
مكتب ومكتبة حجازي بمنزله
مكتب ومكتبة حجازي بمنزله