بائعة الشاى ليست آخر الضحايا
أطفال.. وقاتلة
تنفيذ الحكم فى قاتلة والدتها ببورسعيد ونجاة شريكها القاصر.. وقاتلة «هدير» فى الانتظار
مطالب بتعديل السن القانونية للطفل إلى 15 عاماً
د. صلاح الطحاوى: ضرورة تغليظ العقوبة للردع ومنع استغلال الأطفال فى ارتكاب الجرائم
د. أحمد القرمانى: لا بد من إيجاد نظام قانونى أكثر تدرجاً يراعى الفروق العمرية ومستوى الإدراك والنضج العقلى
د. محمد ممدوح: تغليظ العقوبة ليس الأولوية بل تعديل أساليب التربية والتعامل مع الأطفال
منذ أيام قليلة تم تنفيذ حكم الإعدام فى قاتلة والدتها ببور سعيد بينما نجا شريكها لأنه لم يكن يبلغ الثامنة عشرة وقت وقوع الجريمة، فأصبح فى نظر القانون قاصراً، ونجا بجريمته الشنعاء، تزامن هذا مع قيام طفلة بقتل هدير «بائعة الشاى» دهساً بالسيارة فى مدينة 6 أكتوبر ووقفت بهدوء ولا مبالاة تنظر لجريمتها بل أخرجت لسانها أمام الكاميرات كأنها لم تفعل شيئاً.
هذه الجرائم المتكررة وغيرها من الجرائم الشنعاء أثارت موجة من الغضب والتساؤلات فى آن واحد، فكيف ينجو هؤلاء بأفعالهم؟ ولماذا لم يتم الاستجابة للمطالب السابقة بتعديل السن القانونية للطفل فى القانون ليكون 15 عاماً بدلاً من 18 عاماً، لردع مرتكبى الجرائم من الأطفال.
لم تكن حادثة مقتل بائعة الشاى فى منطقة حدائق الأهرام مؤخراً إلا أحدث حلقة فى مسلسل جرائم الأطفال فى مصر، فقد سبقها الكثير والكثير من الجرائم خلال السنوات القليلة الماضية، من أبرزها الجريمة المروعة فى الإسماعيلية عندما قتل طفل زميله فى المدرسة وقطع جثته بالمنشار، وقبلها مقتل شاب أطلق عليه «شهيد الشهامة» على يد 3 أطفال لم يتجاوزوا الـ18 عاماً، بالإضافة إلى جريمة بورسعيد التى تم تنفيذ الحكم فى مرتكبتها مؤخراً بينما نجا الشريك.
هذه الحوادث المتكررة أثارت الكثير من الغضب فى الشارع المصرى، للمطالبة بمحاولة السيطرة على مرتكبى الجرائم من الأحداث الذين يحميهم القانون باعتبارهم أطفالاً، ولا تطبق عليهم عقوبة المؤبد أو الإعدام مثل البالغين.
فى هذا الصدد، تباينت الآراء بين مؤيد ومعارض لتخفيض السن القانونية للأطفال إلى 15 عاماً بدلاً من 18 حالياً، حيث طالب البعض بضرورة التدخل وردع هؤلاء بتغليظ العقوبات ومنعاً لاستغلال الأطفال من جانب بعض الجناة فى ارتكاب الجرائم، بينما يرى آخرون ضرورة اتخاذ إجراءات وقائية استباقية قبل تغليظ العقوبة وعدم اعتبارها أولوية، مع إطلاق حملات توعية ضخمة لتعريف أولياء الأمور بكيفية التعامل مع الأطفال فى ظل المتغيرات والمستحدثات التى طرأت على المجتمع.
لا تعارض مع الاتفاقية
من جهته، قال الدكتور صلاح الطحاوى، أستاذ القانون الدولى والمحامى بالنقض، إننا بحاجة ماسة إلى تعديل قانون الطفل، مؤكداً أن هذا التعديل لا يتعارض مع الدستور أو اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بالطفل.
وأضاف الطحاوى، أن الحل موجود داخل اتفاقية الأمم المتحدة نفسها، مشيراً إلى أن قول إن البرلمان لا يستطيع تعديل قانون الطفل بسبب النص على أن سن الطفل فى الدستور ما دون 18 عاماً واتفاقية الأمم المتحدة التى وقعت عليها مصر تنص أيضاً على أن عمر الطفل هو ما دون الـ18 عاماً غير دقيق، لأن الاتفاقية نفسها فى مادتها الأولى تنص على أن الطفل هو من لم يبلغ 18 عاماً، لكنها فى الفقرة الثانية من نفس المادة تنص على «أو بلغها طبقاً لقانون دولته»، وإذا نظرنا إلى الدول المجاورة لنا فسنجد أن بعض الدول الخليجية مثل السعودية والإمارات تنص على أن الطفل هو من لم يبلغ 15 عاماً، على الرغم من أن هذه الدول وقعت على اتفاقية الأمم المتحدة للطفل مثل مصر، وبالتالى هى لم تخالف الاتفاقية الدولية.

وتابع قائلاً: «نحن بحاجة ماسة إلى تعديل هذا القانون وأن هذا التعديل لا يصطدم مع الاتفاقية الدولية، وذلك لمواجهة كثرة الجرائم التى يرتكبها من لم يبلغ الثمانية عشر عاما، خاصة وأن بعض الجناة يستغلون هذه السن فى ارتكاب جرائم كبيرة مستغلين أن الطفل فى الجرائم الكبيرة مثل القتل لا يعاقب بالإعدام أو المؤبد كما يحدث مع الشخص البالغ وإنما يعاقب بـ15 عاماً فقط».
ولفت الطحاوى، إلى أنه أحيانا يتم استغلال بعض الأطفال لارتكاب مثل هذه الجرائم من جانب الجناة تحت بند الفقر والاحتياج مقابل تولى الإنفاق على أسرهم وذويهم فيما بعد، وبالتالى كثرة الجرائم تجعلنا نسرع فى تعديل هذا القانون.
حوار وطني
الدكتور أحمد القرمانى، المحامى وأستاذ القانون الجنائى، يقول إن أى تعديل دستورى أو تشريعى يتعلق بسن الطفل أو المسئولية الجنائية يجب أن يكون ثمرة حوار وطنى واسع يشارك فيه رجال القانون والقضاء وعلماء النفس والاجتماع وخبراء التربية ومؤسسات حماية الطفل.
وأضاف القرمانى أن المجتمع يحتاج إلى تشريعات تحقق الردع وتحمى الأمن العام، لكنه يحتاج فى الوقت نفسه إلى الحفاظ على فرص الإصلاح والاندماج للأجيال الجديدة، مشيراً إلى أن النجاح الحقيقى لأى سياسة جنائية لا يقاس بعدد العقوبات المشددة، بل بقدرتها على منع الجريمة قبل وقوعها، وحماية المجتمع مع الحفاظ على العدالة والإنسانية فى آن واحد.
وتابع: السنوات الأخيرة شهدت تزايداً ملحوظاً فى بعض الجرائم التى يكون أطرافها من الأحداث الذين لم يبلغوا الثامنة عشرة من العمر، سواء كانت جرائم عنف أو سرقات أو جرائم إلكترونية أو جرائم مرتبطة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعى.
وذكر القرمانى أن ذلك أثار نقاشاً مجتمعياً وقانونياً حول مدى ملاءمة الإبقاء على المعاملة القانونية ذاتها لجميع من هم دون الثامنة عشرة، بصرف النظر عن درجة النضج والإدراك التى يتمتع بها بعض المراهقين فى الفئة العمرية من ستة عشر إلى ثمانية عشر عاماً.
وأوضح أستاذ القانون الجنائى أن العالم تغير بصورة كبيرة خلال العقود الأخيرة، فالشاب الذى يبلغ السادسة عشرة اليوم يمتلك من وسائل المعرفة والتواصل والخبرة الحياتية ما لم يكن متاحاً لمن هم فى العمر نفسه قبل عشرات السنين، كما أن انتشار التكنولوجيا والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعى جعل بعض المراهقين أكثر قدرة على فهم نتائج أفعالهم وآثارها القانونية والاجتماعية.
وطالب القرمانى بضرورة فتح حوار تشريعى ودستورى جاد حول إمكانية إعادة النظر فى بعض الأحكام المتعلقة بالمسئولية الجنائية للأحداث، خاصة فى الجرائم الجسيمة التى تنطوى على قدر كبير من الإدراك والتخطيط والإرادة الحرة، مشيراً إلى أن التفرقة بين طفل فى العاشرة أو الثانية عشرة من عمره وبين مراهق بلغ السادسة عشرة أو السابعة عشرة أصبحت ضرورة تفرضها اعتبارات العدالة وحماية المجتمع.

وتابع: لا يعنى ذلك بالضرورة إلغاء الحماية القانونية المقررة للأطفال، وإنما قد يتطلب إيجاد نظام قانونى أكثر تدرجا يراعى الفروق العمرية ومستوى الإدراك والنضج العقلى، فقد يكون من الملائم منح القضاء سلطة أوسع فى تقدير المسئولية الجنائية للمراهقين فى الجرائم الخطيرة، مع الإبقاء على الضمانات الأساسية التى تمنع التعسف وتحافظ على فرص الإصلاح والتأهيل.
ولفت القرمانى إلى أن تشديد المسئولية الجنائية يرجع إلى أن بعض الجرائم الخطيرة أصبحت ترتكب من قبل أشخاص يعلمون تمام العلم طبيعة أفعالهم ونتائجها، بل قد يستغل بعضهم الحماية القانونية المقررة للأحداث للاعتقاد بإمكانية الإفلات من العقاب أو الحصول على معاملة أخف من تلك المقررة للبالغين، كما أن الضحايا وأسرهم قد يشعرون أحياناً بعدم التوازن بين جسامة الجريمة والعقوبة المقررة لمرتكبها إذا كان حدثاً قريباً من سن الرشد.
وأضاف: على الجانب الآخر، خفض سن الطفل أو التوسع فى العقوبات الجنائية قد يؤدى إلى نتائج عكسية، إذ إن فلسفة عدالة الأحداث تقوم أساساً على الإصلاح وإعادة الدمج فى المجتمع، لا على العقاب وحده، كما أن الدراسات الجنائية والنفسية تشير إلى أن الشخصية الإنسانية لا تكتمل بصورة نهائية فى مرحلة المراهقة، وأن كثيراً من الأحداث الذين يرتكبون أخطاء جسيمة يمكن إصلاحهم وإعادتهم إلى الطريق الصحيح إذا توافرت برامج التأهيل المناسبة.
ولذلك إن القضية لا ينبغى أن تُختزل فى مجرد خفض سن الطفل من 18 عاماً إلى 16 عاماً، بل يجب أن تتناول تطوير منظومة العدالة الخاصة بالأحداث ككل، فالمطلوب هو إيجاد توازن دقيق بين حق المجتمع فى الحماية والأمن، وحق الحدث فى الإصلاح وإعادة التأهيل، وقد يكون الحل فى استحداث نظام قانونى خاص للفئة العمرية بين السادسة عشرة والثامنة عشرة فى الجرائم الجسيمة، يحقق قدراً أكبر من المساءلة دون المساس بجوهر الحماية المقررة للأطفال، وفقاً للدكتور أحمد القرمانى.
وأشار إلى أن مواجهة جرائم الأحداث لا تتحقق من خلال العقوبات وحدها، وإنما تحتاج إلى دور فعال للأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية، لأن التربية السليمة والرقابة الواعية والتوجيه الفكرى والنفسى تمثل خط الدفاع الأول ضد الانحراف والجريمة، كما أن مكافحة المحتوى الضار على الإنترنت، والتصدى لظواهر التنمر الإلكترونى والمراهنات الإلكترونية وتعاطى المخدرات الرقمية والجريمة المنظمة عبر الشبكات الإلكترونية، تعد من أهم أدوات الوقاية الحديثة.
تعامل مختلف
فيما قال الدكتور محمد ممدوح، عضو المجلس القومى لحقوق الإنسان، إن المسألة ليست فى تخفيض السن القانونية للأطفال، وإنما الأمر يحتاج إلى دراسة بعناية شديدة لمنع تكرار هذه الحوادث.

وأضاف ممدوح أنه يجب التعامل مع هذه الفئة العمرية بأسلوب مختلف نتيجة التطورات والمستحدثات التى طرأت مؤخراً على المجتمع، مشيراً إلى أن تغليظ العقوبة القانونية ليس الأولوية، بل تعديل أساليب التربية والتعامل مع الأطفال خاصة أننا أصبحنا نرى فى الفترة الأخيرة عدداً كبيراً من الآباء يتغافلون عن تربية أبنائهم مع الظروف الاقتصادية التى نمر بها.
وأوضح عضو المجلس القومى لحقوق الإنسان أنه لا بد من العمل على إطلاق حزمة من المبادرات المجتمعية والإجراءات الوقائية التى تقى من وقوع الجريمة نفسها وليس تغليظ العقوبة. وموضحاً أننا نحتاج إلى مجموعة من المشاركات القوية من المتخصصين ومنظمات المجتمع المدنى والجهات المعنية حتى يتم تبصير أولياء الأمور بآليات التعامل مع التطورات والمستحدثات التى طرأت على المجتمع أثناء تربية الأطفال، فضلاً عن حملات توعية قوية ومجموعة من الإجراءات الاستباقية لمنع وقوع الجريمة والحد منها.
وتابع ممدوح «بدلاً من تعديل سن الأطفال من الممكن تغليظ العقوبة الآباء الذين يهملون فى تربية أبناءهم ويتركون لهم قيادة سياراتهم يرتكبون بها الجرائم، بالإضافة إلى توقيع عقوبة على من يقوم بتأجير السيارات إلى الأطفال، لأنه فرد عاقل راشد مسئول، ولذلك الأهم من التشريعات هو الممارسات على أرض الواقع.
وأكد ممدوح أن المشكلة لن يتم حلها بتغليظ العقوبة لأنها إجراء لحظى، إنما الأهم هو منع تكرار هذه الجرائم بالحملات المجتمعية والاهتمام بتربية الأبناء.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض