توج بالدكتوراة الأزهرية في سن الـ 25..
"موريتاني الجنسية" أصغر حاصل على الدكتوراة في حواره للوفد: الأزهر ذاكرة أمة وضمير علمي وطموحي إنشاء معاهد بروح الأزهر
الحاد الشباب سببه غياب الإجابة بلغة عصره
مصر أم الدنيا والإنسان لا يشعر بالغربة في حضنِ أمه
نصيحتي للشباب: لا تجعلوا وسائل التواصل تسرق أعماركم
الشباب يترك الدين لأنه رأى نماذج مشوهة تنفّره من التدين
أول شرط في مواجهة الإلحاد والمادية أن نفهمهما فهمًا صحيحًا
العمر لا يُحسب بالسنين بل بما يُبذل فيه من خدمة الدين والوطن والناس
يسهل على الإنسان أن يتعايش مع الناس في مصر فقلوب الشعب المصري مفتوحة
الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي أدوات عظيمة تحتاج إلى عقلٍ يوجّهها وقيمٍ تضبطها
العلاقة بين مصر ونواكشوط ليست علاقة مجاملة ثقافية وينبغي تتويجها ببرامج ومشاريع
نحتاج إلى خطابٍ لا يخاف من الأسئلة ولا يتهاون في الثوابت ويفهم البيولوجيا كما يعرف الشريعة
حوار:- أسماء عز الدين
من قرية صغيرة في قلب الصحراء الموريتانية، تحديدًامن بلدة باب الفتح في جنوب بلاد شنقيط، بدأت رحلة ذلك الشاب صغير السن _ آنذاك_ كبير الفهم والوعي إلى قاهرة المعز في 2021، يحمل في يديه كتاب الله باحثًا عن العلم وطالبًا للمعرفة، فكان له ما أراد ويزيد.
من هنا، من داخل أروقة الأزهر الشريف تمكن الموريتاني الدكتور محمد عبد الرحمن النحوي من تحقيق انجاز حقيقي، ليصبح أصغر حاصل على الدكتوراه في تاريخ الأزهر الشريف، إذ حصل عليها وهو في سن الخامسة والعشرين فقط، بعنوان "نظرية التطور وأصل الأنواع بين الجامعات الغربية (السوربون وأكسفورد نموذجًا) وصلتها بالأديان الثلاثة: دراسة مقارنة".
وجود النحوي وانجازه الكبير في الأزهر يُجسّد في شخصيته لقاءً حيًا بين حضارتين إسلاميتين عريقتين، وهي روح المحظرة الموريتانية بزهدها ومتانتها وروح الأزهر المصري برحابته ومؤسسيته ووسطيته، ومن خلال هذا الحوار، يرسم الدكتور عبد الرحمن صورة واضحة لكيفية تكامل المنهجين.
وهذا الحوار ليس مجرد حديث شخصي، بل هو شهادة حية على عمق الروابط العلمية والثقافية بين موريتانيا ومصر، ودليل على أن الهمة الصادقة قادرة على بناء جسور متينة بين صحراء موريتانيا ووادي النيل، لخدمة الأمة ومواجهة تحديات العصر بأصالة ومعاصرة.
وإلى نص الحوار،،
بداية.. كيف كانت الانطلاقة من موريتانيا إلى القاهرة؟
كانت الرحلة إلى القاهرة رحلة شوقٍ وتوق فقد كنا نسمع ونقرأ: أنه كانَ مكتوباً على أسوار القاهرَة: يا داخل مصر، كنْ من شئْت، ستجدُ ألفاً من مثلِك، فسافرت من انواكشوط بعدَ جائحَة كورونا متوجهاً إلَى الحرمين الشريفَين ثم إلَى القاهرَة، فكانَ ما كانَ من فضل اللـه وإحسانه.
وما الذي دفعك للتوجه للدراسة بجامعة الأزهر؟
الذي جذبني إلى الأزهر هو مكانته العلمية والتاريخية، واعتداله، وثراء مناهجه، وكونه يجمع بين الأصالة والمعاصرة، فضلًا عن تنوع علمائه وطلابه القادمين من مختلف البلدان، مما يهيئ بيئةً علميةً وثقافيةً أطمح إليه وأهفو إليه كما تهفو إليها القلوب من سائِر الأقطار.
ما طبيعة دراستك فيها وتخصصك في سنواتك الأولى داخل أروقته؟
جئت إلى مصر عام 2021 وأقمت فيها نحو خمس سنوات متقطعةً، وكانت سنوات حافلة بالتحصيل العلمي، والاستفادة من العلماء، والتعرف على بيئات وثقافات متعددة جليلةً، وتقبلني الأزهر في قسم العقيدة والفلسفة في كلية أصول الدين، وقد سجلت في تمهيدي الدكتوراه في ذات القسم، ثم قدمتُ على الرسالة.
حدثنا عن نشأتك في موريتانيا وتأثيرها على شخصيتك وفكرك؟
نشأتُ في بيتٍ نبويّ، يتنفّس أهلُه محبّة النبي صلى الله عليه وسلم، ويحبّون أن يقتدوا بنوره الشريف في كل شيء؛ ووالدي وسيدي الشيخ محمد الحافظ النحوي، حفظه الله، يعيش حياةً محمّدية، ويدعو دائمًا أن يجعل الله ذريته قرةَ عين للنبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: "ولتجعلنَّ أنجالَنا بالأُلْفَةِ..أعلامَ مجدٍ بالتُّقى مُثبَّتِ". وقد عرفتُ فيه منذ وُلدتُ نفعًا للناس، وحبًّا للعلم، ورفقًا بالمساكين، وأنا موقنٌ تمامَ اليقين، ومؤمنٌ تمامَ الإيمان، أن كل ما أنا فيه من فضل الله بعضٌ من ثمرة أعماله الصالحة وأنفاسه النبوية.
وكيف صاغ التراث العلمي الموريتاني شخصيتك وفكرك هو الآخر؟
استلهمتُ من التراث العلمي الشنقيطي، أن الأمة تحتاج إلى علماء محققين، والمحضرة الشنقيطية قائمةٌ على قالبٍ تعليميٍّ تطوعي؛ فهي جامعة متنقّلة وارفة الظلال، تصنع الأجيال وتُخرّج العلماء.
كنت أصغر حاصل على الدكتوراه في تاريخ الأزهر.. ما الذي أشعل فيك هذه الرحلة العلمية المبكرة من قرية باب الفتح في موريتانيا؟
أحسبُ أن النشأة الأولى لم تكن حدثًا واحدًا، بل كانت بيئةً كاملة: كانت قريةً وديعةً قال فيها مؤسسها: «أساسها التقوى، وطابعها الأخلاق الفاضلة»، وكانت تلك الصحراء تتنفّس العلم، وكانت تلك البيئة التي عشتُ فيها ترى في المعرفة شرفًا ورسالة.
حفظتُ القرآن الكريم في تلك القرية، في ظروفٍ تكوينية صنعت عشرات الأجيال؛ لأن شعار تلك القرية كان: «الهمّة أكبر من الجغرافيا». وهناك سمعتُ عمّتي ذات ليلة تقول: «إن الرجل إذا غاب لا يُسأل عن كم قضى، بل يُسأل: بماذا أتى؟»، تعني بذلك أن العمر لا يُحسب بالسنين، بل بما يُبذل فيه من خدمة الدين، وخدمة الوطن، وخدمة الناس. وقد كان القرآن، والمتون التي تعلّمتُها، والحديث الشريف الذي حفظتُه، وتكوين الوالدين، أطال الله بقاءهما، ومجالس العلماء، وهيبة الكتاب، كلُّها عناصر صنعت في نفسي معنًى مبكرًا: أن العلم أمانة في الأعناق.
عندما وصلت إلى القاهرة، ما أكبر اختلاف بين طريقة التفكير العلمي في موريتانيا والأسلوب الأزهري؟
حين وصلتُ إلى القاهرة، شعرتُ أنني انتقلت من فضاء المحظرة البدوي القائم على التكنيش والجمع والحفظ، إلى فضاء الأزهر المتسع بالمؤسسة، والتخصص، والتراكم الأكاديمي، وتعدد المدارس، والتفتيش والتحقيق. في موريتانيا تجد صفاء المتن، وقوة الذاكرة، ومباشرة التلقي.
وفي الأزهر تجد رحابة المؤسسة، وامتداد التاريخ، وتنوع المشارب، فترى أرباب كل فنٍّ في كل رواق أزهري. ولا ريب أن المحظرة والأزهر يلتقيان في خدمة العِلم وتقديمه على كل شيء.
فالمحظرة الشنقيطية نموذج فريد؛ لأنها قامت على البساطة في الوسائل، والعمق في الغايات. كان أهلها يتعلّمون على ظهور الإبل، يجمعون بين عمق الفهم وغزارة الحفظ، فكانت جامعةً مفتوحة في الصحراء، سقفها السماء، ومقاعدها الرمال، ومادتها القرآن، واللغة، والفقه، والأصول، والمنطق، والبيان، والسيرة، والحديث، والشعر.
تميّزت المحظرة بثلاث خصائص كبرى: قوة الحفظ، ومتانة الملكة، وحرية التدرّج العلمي. والجامعات في هذا الزمان تحتاج إلى هذه الثلاث. أين تلتقي الروح المصرية الأزهرية بالروح الموريتانية، وأين تكمل كل منهما الأخرى؟ تلتقي الروح المصرية الأزهرية والروح الموريتانية في حب العلم، وتوقير القرآن، والاعتزاز باللغة العربية، وخدمة الدين بوسطية ووقار. كلاهما يعرف قيمة الرواية، وقيمة الدراية، وقيمة الكتاب، وقيمة الأدب.
لكن لكل روحٍ عطاؤها الخاص؛ فمصر أعطت العالم الإسلامي مؤسسة الأزهر، بما فيها من تاريخ، ورمزية، وانتشار، وقدرة على مخاطبة العالم. وموريتانيا أعطت نموذج المحظرة، بما فيه من صفاء، وزهد، وحفظ، ومتانة لغوية وفقهية نادرة. فإذا التقت المؤسسة الأزهرية بالملكة الشنقيطية، وُلد مشروع علمي كبير، يجمع بين الرسوخ والملكة والعمق والحضور.
ناقشت في رسالتك نظرية التطور مقارنة بالأديان السماوية. ما أبرز ما توصلت إليه بين العلم الحديث واليقين الإسلامي؟
أبرز ما سعيتُ إلى بيانه أن المشكلة لا تكون دائمًا بين العلم والدين، بل كثيرًا ما تكون بين تأويلاتٍ فلسفية للعلم، وتأويلاتٍ ضيقة للدين. فالعلم، حين يلتزم حدوده التجريبية، يكون طريقًا إلى فهم سنن الله في الخلق، ولا يكون خصمًا للإيمان؛ فلا مشاحة في قبوله. أما حين يتحول النموذج العلمي إلى عقيدة مادية مغلقة، ويغادر باحات المختبر إلى العقائد، فإنَّه يكون تعالمًا لا علمًا.
وقد حاولتُ في الرسالة أن أفرّق بين البحث العلمي في ظواهر الحياة، وبين توظيف بعض القراءات المادية لنظرية التطور في نفي الغيب. فالإسلام لا يخاف من العلم، لكنه يطلب من العلم أن يكون علمًا، لا غطاءً أيديولوجيًّا في معطف المختبر، واليقين الإسلامي لا يقوم على الجهل بالعلم، بل على فهمٍ أعمق للوجود، ترى منه الكون آيةً، والعقل معينًا، والوحي نورًا.
كيف يمكن للأزهر وموريتانيا أن يقدما رؤية إسلامية متكاملة تجمع بين العقل والقلب؟
يمكن للأزهر والمحضرة أن يقدما رؤية متوازنة إذا اجتمع عقل الأزهر المؤسسي بروح المحظرة الشنقيطية. نحن نحتاج إلى خطابٍ لا يخاف من الأسئلة، ولا يتهاون في الثوابت؛ خطابٍ يفهم البيولوجيا كما يعرف الشريعة، ويقرأ كتب التراث كما يقرأ إشكالات العصر! وهذا هو العالم الحر الذي نحتاجه في سائر أصقاع الدنيا.
كيف يستطيع علماء الشباب مواجهة أمواج الإلحاد والمادية على وسائل التواصل؟
أول شرطٍ في مواجهة الإلحاد والمادية أن نفهمهما فهمًا صحيحًا، فكثير من الشباب في العالم لا يترك الدين كرهًا له، بل يبتعد عنه لأنه لم يجد من يجيبه بلغة عصره، ولا من يخاطبه بما يفهم، أو لأنه رأى نماذج مشوهة تنفّره من التدين. وعلى العلماء الشباب أن يجمعوا بين ثلاثة أمور: علمٍ راسخ، ولغةٍ معاصرة، ورحمةٍ بالناس. فوسائل التواصل بين الشباب لا يصلح فيها خطاب التعالي، ولا الردود المرتجلة، ولا الأفكار الشاحبة الشائبة، بل نحتاج إلى محتوى عميقٍ وميسّر، يشرح، ويحاور، ويفكك الشبهات، ويعين الشباب، ويخاطبهم على قدر عقولهم، فينتشلهم من براثن الغلو والتطرف، والإفراط والتفريط.
والأهم أن نعيد للشباب الحائر الثقة بأن الإسلام ليس خصمًا للعقل، بل هو الذي حرّر العقل من الخرافة، ووجّهه إلى النظر، ولعلماء المسلمين إسهامات جليلة في ذلك.
برأيك، ما الدور الحضاري الذي يمكن أن يلعبه الأزهر اليوم كجسر بين وادي النيل وموريتانيا؟
أنا لا أعتبر الأزهر جامعةً فقط؛ إنه ذاكرة أمة، وضمير علمي، ومنارة تواصل بين الشعوب الإسلامية. وقد كان لبلاد شنقيط حضور قديم في رحاب الأزهر، كما كان للأزهر أثر كبير في وجدان الموريتانيين؛ لأنهما يلتقيان في خدمة العلم الشرعي، واللغة العربية، والوسطية. يمكن للأزهر اليوم أن يكون جسرًا متجددًا بين وادي النيل وبلاد شنقيط عبر استقبال طلاب المحاظر، وربطهم بالمناهج الأكاديمية الحديثة، وفي المقابل الاستفادة من قوة التكوين الشنقيطي في اللغة والحفظ والفقه، فقد استفاد الأزهر في تاريخه من ملَكاتٍ شنقيطية فذّة، كالشيخ محمد محمود ولد اتلاميد، ولمجيدري بن حبّ الله، وسيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم، وأحمد بن الأمين الشنقيطي.
إن العلاقة بين مصر وموريتانيا ليست علاقة مجاملة ثقافية، بل علاقة عروقٍ علمية ممتدة، ينبغي أن تتحول إلى برامج ومراكز ومشاريع.
تمتلك موريتانيا كنوزًا من المخطوطات النادرة، وتمتلك مصر خبرة عالمية في حفظ التراث ونشره... كيف يتحول هذا الغنى المشترك إلى مشروع حضاري يخدم الأمة؟
المخطوطات الموريتانية ذاكرة الشناقطة؛ كُتبت في ظروف قاسية، وحُملت كتبها فوق ظهور الإبل، وصانت المعرفة في الخيام والقرى والبوادي. فإذا اجتمع الكنز الموريتاني بالخبرة المصرية أمكن أن نؤسس مشروعًا حضاريًّا ضخمًا: رقمنة المخطوطات، وفهرستها، وتحقيق النفائس منها، وتدريب جيل جديد من المحققين، وإتاحة التراث للباحثين في العالم.
لو طُلب منك اقتراح مشاريع مشتركة بين مصر وموريتانيا على المستوى العلمي والثقافي، ما أهم ثلاثة مشاريع تتمناها؟
أطمح أولًا إلى إنشاء معاهد أزهرية في موريتانيا، تجمع بين روح المحضرة وروح الأزهر، وكذلك إنشاء مركز مصري موريتاني للتراث والمخطوطات، تكون مهمته الفهرسة والرقمنة والتحقيق والتدريب، مع التركيز على التراث الشنقيطي وصلاته بالمشرق والمغرب. وأطمح ثانيًا إلى إطلاق برنامج تبادل علمي بين الأزهر والمحاظر الموريتانية، يتيح لطلاب الأزهر أن يتذوقوا قوة المحظرة في اللغة والحفظ، ويتيح لطلاب المحاظر أن يستفيدوا من التكوين الأكاديمي والمنهجي في الأزهر.
وأطمح ثالثًا إلى تأسيس كرسي علمي أزهري-محضري لدراسات الفكر الإسلامي وقضايا العصر، يعالج أسئلة الشباب: الإلحاد، والعلم والدين، والهوية، والذكاء الاصطناعي، والأخلاق، والحداثة، بلغة علمية رصينة لا تنفصل عن أصول الأمة.
مع التحولات الرقمية وثورة الذكاء الاصطناعي، كيف يستطيع التراث العلمي الموريتاني والمنهج الأزهري أن يواكبا العصر دون أن يفقدا أصالتهما؟
الأصالة في نظري لا تعني أن نبقى خارج الزمن، والمعاصرة لا تعني أن نذوب في كل جديد، فالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي أدوات عظيمة، لكنها تحتاج إلى عقلٍ يوجّهها وقيمٍ تضبطها. والتراث الموريتاني والمنهج الأزهري يستطيعان مواكبة العصر إذا انتقلا من مجرد حفظ الكتب إلى بناء منصات معرفية، وقواعد بيانات، ومكتبات رقمية، وبرامج تعليمية عالمية. لكن الشرط المهم هو ألا نستبدل الذكاء الاصطناعي بالشيخ.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخدم الفهرسة، والتحقيق، والتعليم، والترجمة، لكنه لا يصنع وحده عالمًا ربانيًّا. العالم تصنعه الملازمة، والأدب، والصبر، والتلقي، ثم يحتاج إلى أن يعيش زمانه، وأن يستخدم آليات عصره.
أنت نموذج ملهم.. ما رسالتك للطالب المصري في الأزهر وللشاب الموريتاني في آن واحد؟
أنا في الحقيقة لا أرى نفسي جديرًا بهذا الوصف، بل أنا أقل من ذلك بكثير، لكن ذمّة المسلمين واحدة، يقوم بها أدناهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هذا المنطلق أقول ناصحًا للشباب:اقرؤوا كثيرًا، واحفظوا ما استطعتم، وتعلّموا اللغات، وافهموا العصر، ولا تجعلوا وسائل التواصل تسرق أعماركم. اجمعوا بين تحصيل العلم وأدوات البحث، واجمعوا بين النُّهى والعقل. فالأمة لا تحتاج إلى شبابٍ يكررون أمجاد الماضي فقط، بل إلى شبابٍ يصنعون امتدادًا جديدًا لذلك المجد. فاجمعوا أحساب الماضي إلى أمجاد الحاضر، والأمة بإذن الله تنتظر في القريب جيلًا ذهبيًّا.
كثير من الشباب يعيش أزمة هوية بين الأصالة والحداثة. كيف نستعيد الثقة الحضارية؟ نستعيد الثقة الحضارية حين نخرج من عقدتين: عقدة الانغلاق، وعقدة الميوعة. فنحن لسنا أمةً بلا ماضٍ حتى نستعير هويتنا من غيرنا، ولسنا أمةً خارج التاريخ حتى نرفض كل جديد، إنما الأصالة الحقيقية تكمن في المحافظة على التراث، والاستفادة من أدوات العصر دون فقدان البوصلة.
ما دور الشراكة بين مصر وموريتانيا في هذا المسار؟
مصر وموريتانيا تستطيعان أن تقدما نموذجًا في هذا الباب؛ مصر بما لها من ثقل حضاري ومؤسسي، وموريتانيا بما لها من عمقٍ محضري. إذا تعاونا في التعليم، والتراث، والإعلام، والبحث العلمي، أمكن أن نقدّم للشباب صورةً مطمئنة: تحفظ التراث، وتحافظ على الهوية، وتستعين بأدوات العصر.
كيف تتمنى أن يُذكر اسم الدكتور عبد الرحمن النحوي في تاريخ العلاقة بين مصر وموريتانيا؟
أحبّ أن يُذكر اسمي دائمًا في خدمة الأمة، وفي خدمة العالم كله، وفي خدمة بني الإنسان مطلقًا. وسأكون بإذن الله خادمًا لوطني، ووفيًّا لعطاء مصر، ومحافظًا، ما استطعت، على ذلك الجسر العلمي بين محاضر شنقيط وأروقة الأزهر الشريف.
ما الحلم الكبير الذي تطمح أن تحققه للأمة؟
الحلم الذي أطمح أن أقدّمه للأمة، فأحلام كثيرة، والطموحات كبيرة، في نشر العلم والعمل، ونفع الناس وخدمتهم، راجيًا من الله أن يتحقق كل ذلك، مستحضرًا قول البوصيري في مدح النبي صلى الله عليه وسلم: هِمَمٌ تَسقُطُ الأماني حَسْرى دونَها ما وراءَهنَّ وراءُ.
لو أتيحت لك الفرصة للعودة مرة أخرى إلى مصر والعمل فيها، فما موقفك؟
مصر بلد له مكانة خاصة في نفسي، وإذا أتيحت فرصة مناسبة أستطيع من خلالها أن أقدم شيئًا نافعًا في مجال العلم أو الدعوة أو التعليم، فلن أتردد في العودة، لأنني أعتبرها بلدًا عزيزًا، ولي فيها ذكريات جميلة، وأسأل الله أن يديم عليها الأمن والاستقرار والرخاء.
أخيرًا.. ما هو انطباعك عن المصريين خلال فترة تواجدك في القاهرة؟
وجدت الشعب المصري شعبًا كريمًا، مضيافًا، قريبًا إلى القلب، يتميز بخفة الروح وحسن المعاملة، وقد لمست منهم كثيرًا من المحبة والتقدير، وكانت لي معهم ذكريات وعلاقات طيبة ما تزال محل اعتزاز. وأقولُ دومًا: إن مصر أم الدنيا، والإنسان لا يشعر بالغربة في حضنِ أمه، ويسهل على الإنسان أن يتعايش مع الناس في مصر، فقلوب الشعب المصري مفتوحة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

