حين يرد الحديث عن ثورة 1919، ينصرف الذهن مباشرة إلى نفي الزعيم سعد زغلول ورفاقه، وخروج المصريين في مظاهرات عارمة تطالب بالاستقلال. غير أن الثورات لا تولد من حدث واحد، وإنما تصنعها سنوات طويلة من القهر، وتراكم المظالم، حتى تبلغ الشعوب لحظة لم يعد معها الصمت ممكنًا.
ومن بين أكثر الصفحات التي لم تنل ما تستحقه من اهتمام في تاريخنا الحديث، قصة فيلق العمال المصري الذي أنشأته سلطات الاحتلال البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى، وهي صفحة تكشف حجم المعاناة التي عاشها الفلاح المصري، وأسهمت في تشكيل الوعي الوطني الذي انفجر لاحقًا في ثورة 1919.
مع دخول بريطانيا الحرب العالمية الأولى، أصبحت مصر قاعدة رئيسية لدعم العمليات العسكرية في الشرق الأوسط. ولم يقتصر الأمر على استغلال موارد البلاد، بل امتد إلى استغلال الإنسان المصري نفسه. فبدعوى الحاجة إلى العمال، جرى تجنيد مئات الآلاف من المصريين للعمل في حفر الخنادق، ومد خطوط السكك الحديدية، وإنشاء طرق الإمداد، ونقل المؤن والمياه والذخائر في سيناء وفلسطين ومناطق أخرى تخدم المجهود الحربي البريطاني.
ورغم أن السلطات البريطانية وصفت ذلك بأنه تطوع، فإن كثيرا ََ من الشهادات والوثائق التاريخية تؤكد أن التجنيد كان في حالات كثيرة يتم بالإكراه، وبمساندة بعض الإدارات المحلية والعمد، الأمر الذي ترك جرحا ََ عميقا ََ في وجدان الريف المصري. اقتُلعت أعداد كبيرة من الفلاحين من أراضيهم وأسرهم، ليجدوا أنفسهم في ظروف عمل قاسية، بعيدًا عن وطنهم، في حرب لم تكن حربهم، بينما فقد كثير منهم حياتهم بسبب الأمراض أو الحوادث أو قسوة المناخ.
وقد أدرك الزعيم سعد زغلول مبكرا ََ خطورة ما يتعرض له المصريون، واعتبر أن ما يجري يمثل انتقاصًا من كرامة الأمة وحقوقها، ولم يكن هذا الشعور مقصورا ََ على النخبة السياسية، بل كان حاضرا ََ في القرى والنجوع التي دفعت الثمن الأكبر. ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن تتحول تلك المعاناة المتراكمة إلى غضب شعبي واسع عندما رُفض السماح للوفد المصري بعرض قضية استقلال البلاد، ثم اعتُقل سعد زغلول ورفاقه ونُفوا خارج الوطن.
ومن هنا، فإن فهم ثورة 1919 لا يكتمل دون التوقف أمام هذه الصفحة المنسية. فالثورة لم تكن مجرد احتجاج على قرار سياسي، بل كانت تعبيرا ََ عن شعب أنهكته سنوات الاحتلال، والسخرة، والمصادرات، والأحكام العرفية، والاستعلاء على كرامته الوطنية.
إن إعادة إحياء هذه الوقائع لا تهدف إلى إثارة الأحقاد، وإنما إلى إنصاف أجيال من المصريين تحملوا من المعاناة ما لا يعرفه كثيرون، وإلى تذكيرنا بأن الحرية والاستقلال لم يكونا هبة من أحد، بل ثمرة تضحيات قدمها رجال بسطاء، ربما لم تذكر أسماء معظمهم في كتب التاريخ، لكن آثارهم بقيت محفورة في تاريخ الوطن.
ولعل أقل ما نقدمه لهم اليوم هو أن نعيد قراءة تاريخهم بإنصاف، وأن نمنح هذه الصفحة ما تستحقه من اهتمام، لأنها كانت بحق أحد الوجوه المنسية التي مهدت لقيام ثورة 1919، إحدى أعظم محطات النضال الوطني في تاريخ مصر.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض