رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

مواجهة السحاب

الجغرافيا لا تعرف الخصومة...

البحار لا تغضب، والحدود لا تنتقم، والمصالح لا تموت.

وحدهم الساسة يختلفون، ثم يكتشفون، بعد سنوات من الصراع، أن الجغرافيا كانت أكثر حكمة منهم.

لهذا، لم يكن التقارب المصري التركي مفاجئًا لمن يقرأ خريطة الشرق الأوسط، بقدر ما كان مفاجئًا لمن اكتفى بمتابعة عناوين الأخبار.

فما يحدث اليوم ليس مجرد مناورات عسكرية، ولا زيارة لرئيس أركان، ولا توقيع بروتوكول تعاون دفاعي، وإنما فصل جديد تكتبه المصالح في منطقة لم تعد تحتمل رفاهية الخصومات.

قبل أكثر من عقد، بدا أن القاهرة وأنقرة تسيران في طريقين متوازيين لا يلتقيان. اختلفتا حول ليبيا، وتنافستا في شرق المتوسط، وتباينت رؤيتهما لملفات إقليمية شائكة. لكن الشرق الأوسط نفسه تغيّر، وأصبحت خريطته السياسية أكثر تعقيدًا من أن تُدار بعقلية القطيعة.

جاءت حرب غزة، واشتعل البحر الأحمر، وتعقدت الأزمة السودانية، وبقيت ليبيا تبحث عن استقرارها، بينما تحولت الطاقة وخطوط الملاحة إلى عصب الاقتصاد العالمي. عند هذه النقطة، لم يعد السؤال: من يختلف مع من؟ بل أصبح: كيف نحمي مصالحنا في منطقة تتغير كل يوم؟

من هنا يمكن فهم ما جرى خلال الأيام الماضية. فقد وقّعت القاهرة وأنقرة خريطة طريق جديدة للتعاون العسكري، بالتوازي مع انطلاق مناورات "نسر الأناضول 2026" بمشاركة القوات الجوية المصرية والتركية، في رسالة تؤكد أن العلاقة تجاوزت مرحلة استعادة الاتصالات، ودخلت مرحلة بناء الثقة العملية بين المؤسستين العسكريتين.

لكن الخطأ سيكون أن ننظر إلى هذا التطور باعتباره تحالفًا عسكريًا جديدًا، أو انقلابًا في خريطة التحالفات.

مصر لم تتخل عن سياستها القائمة على تنويع الشراكات، وتركيا لم تتخل عن مصالحها الإقليمية. ما يحدث هو أن الدولتين وجدتا مساحة أوسع للتعاون في ملفات تتقاطع فيها المصالح، دون أن يعني ذلك اختفاء جميع نقاط الخلاف.

في ليبيا، قد يساهم هذا التقارب في تقليل مساحة التنافس وزيادة فرص دعم المسار السياسي، لأن استقرار ليبيا مصلحة مباشرة لمصر، كما أنه يخدم استقرار جنوب المتوسط الذي يهم تركيا أيضًا.

وفي غزة، تمتلك مصر دورًا محوريًا في الوساطة، بينما تحافظ تركيا على حضور سياسي وإنساني مؤثر. وإذا اتسعت مساحة التنسيق بين البلدين، فقد ينعكس ذلك على الجهود الإنسانية والسياسية، لكن ذلك سيظل مرتبطًا بتطورات الصراع نفسه، وليس بالتقارب الثنائي وحده.

أما في البحر الأحمر، فقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن أمن الملاحة لم يعد قضية إقليمية فقط، بل قضية اقتصادية عالمية. وكل استقرار ينعكس على حركة التجارة عبر قناة السويس، ينعكس مباشرة على الاقتصاد المصري.

وفي شرق المتوسط، لا يدور الصراع حول الغاز وحده، بل حول مستقبل ممرات الطاقة والاستثمارات والبنية التحتية. وكلما انخفض مستوى التوتر بين القوى الإقليمية، زادت فرص التعاون الاقتصادي.

وهنا يظهر الوجه الآخر للتقارب...

الاقتصاد.

فالأرقام تقول إن العلاقات بين القاهرة وأنقرة لم تعد مجرد علاقات سياسية. فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 6.8 مليار دولار خلال عام 2025، مع إعلان قيادتي البلدين العمل على رفعه إلى 15 مليار دولار خلال السنوات المقبلة.

كما تقترب الاستثمارات التركية القائمة في مصر من 4 مليارات دولار، وتتركز في قطاعات الإنتاج الحقيقي، مثل الغزل والنسيج، والملابس الجاهزة، والصناعات الهندسية، والكيماويات، ومواد البناء، وهي قطاعات توفر فرص عمل وتدعم التصنيع والتصدير.

وهنا يصبح السؤال مختلفًا...

هل تستطيع الدول أن تختلف سياسيًا بينما تتشابك مصالحها الاقتصادية؟

التجربة تقول إن الاقتصاد كثيرًا ما يكون الجسر الذي تعبر عليه السياسة.

كل مصنع جديد، وكل خط إنتاج، وكل استثمار طويل الأجل، يجعل الاستقرار مصلحة مشتركة، ويجعل الحوار أقل تكلفة من الصدام.

ويبقى السؤال الذي يشغل العواصم الكبرى: كيف ستقرأ القوى الإقليمية والدولية هذا التقارب؟

من الطبيعي أن تتابع الولايات المتحدة والدول الأوروبية وإسرائيل وغيرها هذا التطور باهتمام، لأن أي تقارب بين قوتين إقليميتين بحجم مصر وتركيا ينعكس على ملفات الأمن والطاقة والملاحة. لكن الاهتمام لا يعني بالضرورة أن المنطقة تتجه إلى محور جديد أو مواجهة جديدة؛ فالواقع أكثر تعقيدًا، وما زالت كل دولة تتحرك وفق مصالحها وحساباتها الخاصة.

لقد تعلمت المنطقة، بعد سنوات من الصراعات، أن القوة لا تُقاس فقط بعدد الطائرات والدبابات، وإنما بقدرة الدولة على تحويل الجغرافيا إلى فرصة، والخلاف إلى تفاهم، والمصلحة المشتركة إلى عنصر استقرار.

ولعل هذا هو الدرس الأهم...

أن السياسة قد ترفع الجدران لسنوات، لكن الجغرافيا تظل تبحث عن الجسور.

ولهذا، لم تكن "مواجهة السحاب" مواجهة بين طائرات تحلق في السماء، بل مواجهة بين منطقين: منطق يصر على أن الماضي يحكم المستقبل، ومنطق يؤمن بأن الدول الكبرى لا تبني قراراتها على الخصومات، وإنما على مصالح شعوبها.

وفي النهاية...

قد تتغير الحكومات، وتتبدل التحالفات، وتتبدل الأولويات.

أما الجغرافيا...

فهي تظل اللاعب الوحيد الذي لا يغادر المسرح.