أبو الغيط يمازح "زكي" ويؤكد: قطار التحديث في بيت العرب لم يمس أصالة "الخشب العتيق"
لحظة أصالة ووفاء ممتزجة بلمحة دبلوماسية إنسانية مبهجة، وذلك أثناء إلقاء السفير حسام زكي كلمة وداع مؤثرة بمناسبة انتهاء مسيرته التي امتدت لعشر سنوات كاملة في بيت العرب.
وفي تفاصيل المشهد الدبلوماسي، وبينما كان السفير حسام زكي يستعرض الإنجازات الهيكلية والتطويرية الكبرى التي شهدتها الجامعة خلال فترة عملهما، ومن بينها إنشاء الملحق العراقي المتميز وتحديث القاعة الكبرى وملحقاتها، تدخل الأمين العام للجامعة أحمد أبو الغيط، بمقاطعة دبلوماسية خفيفة اتسمت بالود والروح الإنسانية العالية.
وطلب أبو الغيط من "زكي" التوقف قليلاً ليؤكد للحضور مسألة تعكس عمق اعتزازه بجذور المنظمة، راجياً منه الإشارة والتأكيد على أنه بالرغم من كل أعمال التحديث الشاملة وبناء الملحق الجديد، إلا أنه أصر شخصياً على بقاء الأخشاب والتغليفات الخشبية الأصلية التي تزين القاعة الكبرى كما هي دون مساس.
وأوضح الأمين العام أن هذا الإصرار ينبع من القيمة المعنوية والمادية البالغة لهذا الخشب العتيق، الذي يقف شاهداً حياً على البدايات الأولى لنشأة جامعة الدول العربية وتاريخها المجيد.
ولاقت هذه المقاطعة العفوية ابتسامة واسعة من السفير حسام زكي، الذي رد ضاحكًا بأن معالي الأمين العام قد "قطع سياق كلمته" لكنها قطيعة محببة توثق أصالة المكان، ليتابع بعدها مستعرضاً فصول رحلته الطويلة.
استهل السفير حسام زكي حديثه بعبارات جياشة واصفاً تلك اللحظة الحتمية التي يخشى الجميع قدومها، تماماً كنهاية قصة مثيرة يتمنى المستمع ألا تتوقف أحداثها.
وأشار بكلمات مؤثرة إلى أنه قد حان الوقت لتوديع "البشر والحجر" في بيت العرب، بعد عقد كامل من العطاء والعمل الدؤوب، واصفاً مسيرته بأنها امتدت لـ 3 آلاف و650 يومًا بحلوها ومرها، ومؤكداً أن هذه الوقفة تعد فرصة لتقييم الماضي واستشراف مستقبل أكثر إشراقاً للمنظمة العتيدة، طارقاً باب الإنسانيات والمشاعر قبل الدخول في لغة الأرقام والعمل.
عقد من الأقدار
وفي لفتة وفاء، وجّه زكي خطابه مباشرة إلى الأمين العام، مسترجعاً بدايات التكليف في عام 2016؛ حيث لم يدر بخلده حينها أن مكوثه سيمتد لعشر سنوات كاملة، ظناً منه أن المهمة لن تتجاوز العام أو العامين يعود بعدها إلى أروقة الخارجية المصرية. وعلق زكي على ذلك مبتسماً بأن الأقدار دائماً تصيغ سيناريوهاتها الخاصة في السماء وتفاجئنا خارج حدود تخطيطنا الشخصي.
كما أشاد زكي بالنموذج القيادي النادر الذي قدمه أحمد أبو الغيط على مدار ولايتين متتاليتين، واصفاً قيادته بأنها جمعت بين الثقة الهائلة بالذات والإدراك العميق لقدرات الآخرين وتوظيفها في مكانها الصحيح، مثمناً غاية الثمين مناخ الصداقة والثقة الإنسانية الشديدة التي وفرها له الأمين العام، والتي كانت بمثابة الجناحين اللذين حلق بهما في أداء مهامه الدبلوماسية الشاقة للوصول بالسفينة إلى بر الأمان.
جسور التواصل
وانتقل السفير إلى الحديث عن شبكة العلاقات الإنسانية التي نسجها مع السفراء المندوبين الدائمين، الأمناء المساعدين، ورؤساء المنظمات المتخصصة، مؤكداً أن ضغوط العمل وقيوده لم تمنعه يوماً من إدارة الملفات بابتسامة وهدوء خاطر، مرسخاً قيم احترام اللوائح والأنظمة كسبيل وحيد لإنجاز أعقد المهمات. وعبر عن امتنانه لكل من سانده في المؤتمرات الصعبة والاجتماعات العسيرة التي واجهها العمل العربي المشترك.
ووجه تحية إجلال لموظفي الأمانة العامة بجميع درجاتهم ومسؤولياتهم، واصفاً إياهم بحماة الأمانة الذين سلّحوا أنفسهم بضمير وظيفي يقظ، ومثمناً كذلك الجهود الدؤوبة والمحترمة لسفراء وبعثات الجامعة في الخارج والذين عملوا في ظل ظروف مادية وسياسية معقدة. وخصّ بالشكر فريقه المقرب في مكتب الأمين العام، مشيداً بمثابرتهم وتفانيهم في تحمل ضغوط العمل الاستثنائية.
حصاد عقد من الإنجازات
وعلى الصعيد العملي، استعرض زكي القفزات النوعية التي تحققت بدعم الدول الأعضاء والموظفين خلال العقد الماضي، والتي تلخصت في:
* التحول الرقمي الكامل: تحديث البنية الأساسية الرقمية للأمانة العامة وتحويل مجلس الجامعة إلى جهاز يعمل بلا أوراق لأول مرة في تاريخه.
* التحديث الهيكلي:*تطوير القاعة الكبرى وملحقاتها، وإنشاء "الملحق العراقي المتميز" بما يضمه من مسارح وقاعات، وتأسيس متحف الجامعة الدائم لحفظ الذاكرة المشتركة.
*المشاركة الدولية والقمم: النجاح المبهر للجامعة في إكسبو دبي 2021، وتنظيم أكثر من 10 قمم عربية وإسلامية وأوروبية وصينية مشتركة.
* الملف الإداري: استعادة حقوق الموظفين عبر تعديل مكافأة نهاية الخدمة لتصبح شهرين بدلاً من شهر واحد.
العمل العربي ضرورة لا ترف
وفي قراءة تحليلية للمشهد السياسي، أكد السفير حسام زكي أن العمل العربي المشترك ليس ترفاً سياسياً بل هو ضرورة حتمية تفرضها طبيعة التحديات، مشيراً إلى أن بقاء هذا الإطار الجامع يحول دون تحول الخلافات إلى قطيعة ويحافظ على الحد الأدنى من قنوات الحوار.
وتحدث زكي عن الملفات الساخنة التي عاش تفاصيلها في بيت العرب؛ بدءاً من قضية فلسطين الحبيبة التي تسكن القلب والعقل، ومروراً بملف لبنان ودقته، وسوريا الصامدة، واليمن الجريح، وليبيا الفتية، وصولاً إلى السودان الغالي الذي يتألم الجميع لألمه. كما أشار إلى جهود الأمانة غير المرئية في مجالات التكامل الاقتصادي، الأمن السيبراني، الذكاء الاصطناعي، والسياسات الاجتماعية، والعمل على "إصلاح بيت العرب"، معتبراً أن جدول أعمال الجامعة زاخر بالمنجزات التي قد يغفل الإعلام العربي عن إبراز قيمتها الحقيقية للمواطن.
محطة الوصول
واختتم السفير حسام زكي كلمته بلمسة وجدانية قاهرية، مشيراً إلى أن ميزة الوداع داخل العاصمة المصرية تجعل الكلمة بمثابة "إلى اللقاء" في دروب القاهرة وأمكنتها وليست فراقاً نهائياً. وأكد، في إجابة عن تساؤل قلبي، أنه لو عادت عقارب الساعة إلى الوراء لاختار مجدداً الاستمرار في الجامعة العربية لكامل المدة، لأن متعة الرحلة توازي متعة الإنجاز، معلناً بضمير مستريح وبنفس راضية: "نحمد الله على سلامة الوصول.. وصون الأمانة".
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض