كواليس الساعات الحرجة وعقيدة عبور الأزمات..
أبو الغيط يودع الجامعة العربية مسترجعًا محطات عقد من الدبلوماسية
"هذه هي مصر.. لقد نشئنا وتربينا في هذا البلد ليس فقط على الحفاظ على المصالح المصرية، بل على كيفية الدفاع عن العرب برمتهم، ويجب أن نعي جميعاً بأننا امتداد لبعضنا البعض، وهذه هي القوة الحقيقية لهذه الدولة".. بهذا التصريح القومي الراسخ، ودع الأمين العام لجامعة الدول العربية، السيد أحمد أبو الغيط، منصبه خلال احتفالية الوداع التاريخية والمؤثرة التي أقيمت له بمقر الأمانة العامة بالقاهرة في أواخر شهر يونيو 2026.
وجاءت هذه الاحتفالية تكريمًا للأمين العام والسفير حسام زكي الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، بمناسبة انتهاء مسيرته ما الحافلة بالانجازات لمدة عقد في قيادة المنظومة العربية.
وشهد الاحتفالية حضورا دبلوماسيا وسياسيا رفيع المستوى من مختلف الدول الأعضاء والمنظمات الدولية.
وفي لفتة تميزت بالشفافية، كشف أبو الغيط لأول مرة عن كواليس تلك اللحظة الفارقة في عام 2014، حينما تلقى اتصالاً مفاجئاً من وزير الخارجية المصري، سامح شكري، يبلغه برغبة الدولة في ترشيحه للمنصب. وأوضح أن مصر كانت حينها قد عبرت لتوها خطوة تاريخية هائلة في 30 يونيو؛ وهي الخطوة العظيمة التي أنقذت الشعب المصري والمنطقة بأسرها من عصور مظلمة كادت تعصف بمستقبلها، وهو أمر شدد على ضرورة أن يعيه تماماً كل ضيوف الجامعة.
وأضاف أنه عندما عرض عليه الأمر، طلب من الوزير مهلة للتفكير، وابتعد فوراً عن شرفة المنزل صاعداً إلى السطح؛ لكي لا يربك زوجته لعلمه التام بمدى زهدها في السلطة ورغبتها في الاستمتاع بحياة هادئة بعد سنوات طويلة من النضال بجواره.
وعندما طلب مهلة أيام للتفكير، أبلغه شكري بأن الظروف الضاغطة تفرض تقديم الترشيح المصري في اليوم نفسه، فوافق على الفور مدفوعاً بإيمان عميق بأن هذا الترشح يمثل رد اعتبار لكل من تفانى في خدمة الدولة المصرية في مراحلها الصعبة.
وانتقل أبو الغيط في كلمته إلى مرحلة توليه المسؤولية فعلياً في عام 2016، واصفاً الواقع الذي واجهه بالمعقد للغاية؛ إذ كانت الجامعة العربية تمر بأزمة مالية خانقة وصلت إلى حد وشك الإفلاس، وغياب أي احتياطي استراتيجي يكفي حتى لإضاءة أنوار المقر. وتزامن ذلك مع واقع إقليمي مرير كانت فيه الدولة الوطنية العربية مهددة بالضياع، وانزوت فيه القضية الفلسطينية — التي هي أساس عمل الجامعة — بعد أن دفعت المنطقة ثمناً غالياً لما سُمي ظلماً بالربيع العربي.
واعترف أبو الغيط بأنه رغم قضائه سبع سنوات كوزير لخارجية مصر وحضوره ما لا يقل عن 14 اجتماعاً وزارياً في تلك القاعة، إلا أنه لم يكن على دراية كاملة بآليات الأمانة العامة وكوادرها عند بدئي للمهمة. ومن هنا، اتخذ قراره بالاستعانة بالسفير حسام زكي — الذي خدم معه سابقاً في مكتب وزارة الخارجية — ليكون عوناً له في هذه المسيرة، لما يمتلكه من خبرة دبلوماسية ممتدة في لندن ونيويورك، وعمله السابق مع الأمين العام الأسبق عمرو موسى.
مستذكراً العبارة التي كانت نبراساً لهما: "لا تنسَ أنك هنا تمثل العرب جميعاً وليس مصر فحسب"، وهي العقيدة التي واجهوا بها كافة التحديات المالية والسياسية العاصفة عبر عقد من الزمن.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض