ابنة أبيها.. وصورة فلسطين المقاومة
"رولا خالد غانم".. "تنهيدة" إبداعية تطمئن في القاهرة
كانت شوارع الضفة الغربية تتنفس حلمًا تحت غبار الحجارة، حين أمسكت طفلة فلسطينية قلمها لتغزل حرفًا مقاومًا، يوثق انتفاضة الحجارة الأولى عام 1987.
ومن لحظة إدراك عفوي، اتسعت أحلام طفولية في وطن أكبر من الجغرافيا، وذاكرة لم يستطع الاحتلال مصادرتها، فاحتملت أوراقها مشروعًا أدبيًا ينمو على مهل، كأشجار الزيتون، وينضج ثمره على موقد المقاومة.
بعينين واسعتين يقظتين، تطلان من أسفل حجاب بنفسجي داكن، وتنظران إلى العالم بعين الإصغاء، أطلت الأديبة الفلسطينية الدكتورة رولا خالد غانم على حضور ندوة لجنة العلاقات الخارجية بـ"اتحاد كتاب مصر"، ورسمت بأحرفها صورة بانورامية عن رحلتها مع الكتابة التي تشكلت في ثنائيات متتالية (اليتم المبكر/ التدليل، الحصار/ المقاومة، قلق البدايات/ سرعة النشر، والأكاديمية/ الإبداع).
وفي بيت بمدينة طولكرم تجاورت فيه الأغنيات مع الحجر، والطفولة مع أسئلة الحرية، تعرفت "رولا" مبكرًا على الفقد، توفيت والدتها وهي لا تزال رضيعة، ولاقت من عناية الوالد" خالد غانم"، وتدليله براحًا، وعوضًا عن فراغ سببه غياب الأم، وتكونت في اللاوعي حبكة القصة.
لم يكن في العائلة كاتبًا، ولذلك كانت مرحلة تدوين تفاصيل الانتفاضة رحلة ذاتية وجدانية كبرت معها علاقتها بالكتابة، وأثرت قدرتها الإبداعية في فنون الإنشاء بمراحل تعليمها الأولى، تقول "رولا": بدأت قراءة القصص القصيرة دون أن يدلني أحد، وسلكت طريقي نحو الكتابة بلا خطط واضحة، ولم أكن أعلم أنني سأصير روائية شهيرة ذات يوم".
الأديبة ذات الرداء المطرز بألوانه البنفسجية الحمراء، وزخارفه الهندسية المتشابكة، كأنها تحمل أينما حلت ذاكرة المكان، وهويتها الفلسطينية، تضيف أنها التحقت لاحقًا بقسم اللغة العربية خلال مرحلتها الجامعية، وأطلت حينذاك على عالم الأدب الفلسطيني من نافذة أدب "غسان كنفاني".
تشير "الأديبة" التي أنتجت نصها الأول على صورة "خاطرة" عنونتها بـ"بيتنا العتيق" إلى أنها لم تكن واثقة من صلاحيته للنشر، لكنها رغم ذلك أرسلته لصحيفة الحياة، وفوجئت بسرعة نشره.
وعبر حواجز المحتل كانت "رولا" الطالبة الجامعية وقتذاك، تحلق بأجنحة الرغبة بحثًا عن الإبداع، وتصاحب المعاناة في حضور فعاليات الكتاب، والأدباء، داخل هذه الحاضنة الأدبية الفلسطينية تبحث عن ملامح مشروع إبداعي لم يتبلور بعد، لكن سؤال "د. جميل"- أحد أساتذتها بقسم اللغة العربية- فجر دهشة، ورسم طريقًا" لماذا لا تكتبين الرواية؟".
تقول "رولا خالد غانم"- بعد أن عرجت على امتنانها لأبيها، وفخرها بتخليد اسمه- كانت خطوتي لروايتي الأولى أشبه بانتفاضة موازية لما يجري في شوارع فلسطين، تصارعت فيها عواطفي الإنسانية، ولغتي، وكتبت سيرة غيرية بطلها أبي، تحت عنوان "الخط الأخضر".
وواقعًا، عايشت الأكاديمية/ الأديبة سيرة "أمهات الأسرى"، بعد أن سطرتها أدبًا، ومشاعر إنسانية، ومعاناة على صفحات روايتها، حسب قولها-، وتستطرد: "صرت واحدة منهن بعد اعتقال ابني "يزن"، جربت الشعور، وتبنيت قضية الأسر".
لم تنعزل الروائية التي خطت 6 روايات بلورت مشروعها الأدبي عن قضايا الإنسان عمومًا، فبينما تنسج أعمالها من خيوط المواطن الفلسطيني، وأحلامه المؤجلة، وتجعل من الوطن كائنًا حيًا يتنفس في شخصيات رواياتها، والأمكنة، استطاعت غزل تفاصيل القضايا الإنسانية الكبرى، وصناعة المعنى وسط العواصف الكبرى، وناقشت –حسب قولها- قضايا المرأة، والهوية، متشبثة في رحلتها السردية بأسئلة الحب، والفقد، والحرية.
"رولا" التي حصلت على درجة الدكتوراه في اللغة العربية من جامعة طنطا، لم تخف على طاولة اتحاد كتاب مصر ارتباطها وجدانيًا بالقاهرة الفاطمية "شارع المعز، والحسين، والسيدة زينب"، كما أعلنت عن مصر التي في فؤادها "وطنًا ثانيًا"، وملاذًا، وحاضنة للإبداع، والمبدعين.
"الأديبة" التي كرمتها لجنة العلاقات الخارجية برئاسة الدكتور بسيم عبد العظيم الأديبة "رولا غانم"، في حضور عدد من الكتاب والمثقفين، بينهم الدكتورة نوران فؤاد، والكاتبة آيار عبد الكريم، والإعلامي الشاعر محمد رمضان، اختتمت قائلة:"كتبت روايتي "تنهيدة حرية الفائزة بجائزة كتار أثناء الحصار، وهي بالنسبة لي نافذة أمل على جبل الركام".
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض



