تحليل المخدرات..تعديلات برلمانية لتحقيق التوازن بين الردع والعدالة
قبل سنوات، جاء قانون الكشف عن تعاطي المواد المخدرة للعاملين بالجهاز الإداري للدولة كإحدى الأدوات التشريعية التي استهدفت حماية المرافق العامة ورفع كفاءة الأداء الوظيفي، من خلال ضمان وجود بيئة عمل آمنة وخالية من تأثير المخدرات، خاصة في القطاعات التي ترتبط بشكل مباشر بحياة المواطنين وسلامتهم.
ومثل القانون في حينه خطوة مهمة ضمن جهود الدولة لمواجهة ظاهرة تعاطي المواد المخدرة والحد من آثارها السلبية على مؤسسات العمل والإنتاج.
ومع مرور الوقت وتطبيق القانون على أرض الواقع، برزت تساؤلات عديدة تتعلق بمدى التوازن بين متطلبات حماية المصلحة العامة وضرورة توفير الضمانات القانونية والإنسانية للعاملين، خاصة في ظل الجدل الذي أثير حول بعض حالات الفصل المرتبطة بنتائج التحاليل وإجراءات الكشف، وما إذا كانت المنظومة الحالية تحتاج إلى مزيد من الضمانات التي تكفل العدالة الإجرائية وتحافظ في الوقت ذاته على الانضباط الوظيفي وكفاءة الجهاز الإداري للدولة.
وعاد ملف تحليل المخدرات للعاملين بالدولة إلى واجهة النقاش البرلماني مجددًا، بعد تقدم النائب أحمد البرلسي، عضو مجلس النواب، بمشروع قانون لتعديل بعض أحكام القانون رقم 73 لسنة 2021 بشأن شروط شغل الوظائف أو الاستمرار فيها، وهو القانون المنظم لإجراءات الكشف عن تعاطي المواد المخدرة للعاملين بالجهاز الإداري للدولة والهيئات والمؤسسات المختلفة.
ويستهدف مشروع القانون، بحسب مذكرته الإيضاحية، تحقيق معادلة متوازنة بين الحفاظ على كفاءة مؤسسات الدولة ومواجهة مخاطر تعاطي المواد المخدرة من جهة، وتعزيز الضمانات القانونية للعاملين وصون حقوقهم الوظيفية والإنسانية من جهة أخرى.
لا فصل لمجرد ثبوت التعاطي
ومن أبرز التعديلات المقترحة، عدم اعتبار مجرد ثبوت تعاطي مادة مخدرة سببًا كافيًا لإنهاء خدمة العامل، إذ يشترط مشروع القانون إثبات وجود العامل تحت تأثير المادة المخدرة أثناء ساعات العمل، وأن يكون لذلك تأثير مباشر على أدائه الوظيفي أو سلامة بيئة العمل، مع إلزام جهة العمل بإجراء تحقيق إداري شامل قبل اتخاذ أي قرار يتعلق بإنهاء الخدمة.
ويهدف هذا التوجه إلى التفرقة بين حالات التعاطي والحالات التي تؤثر فعليًا على سير العمل وكفاءة الأداء، بما يضمن عدم توقيع عقوبة الفصل إلا بعد استكمال جميع الإجراءات القانونية اللازمة.
ويتضمن المشروع أيضًا وضع ضوابط أكثر دقة وشفافية لعمليات تحليل الكشف عن المواد المخدرة، حيث ينص على إجراء التحليل بحضور العامل نفسه، مع تحرير محضر رسمي يتضمن جميع الإجراءات التي تمت أثناء الفحص ونتائج التحليل، بالإضافة إلى إثبات الأدوية والعقاقير التي يتناولها العامل وقت إجراء التحليل لتجنب أي نتائج قد تكون مضللة أو غير دقيقة.
كما يمنح المشروع العامل الحق في إجراء تحليل توكيدي حال ثبوت إيجابية العينة، مع إمكانية طلب إعادة التحليل لدى جهة مختصة أو توقيع الكشف الطبي عليه من خلال مصلحة الطب الشرعي، دون تحميله أي أعباء مالية إضافية.
حماية الخصوصية والسمعة الشخصية:
وشدد مشروع القانون على أهمية الحفاظ على سرية البيانات والإجراءات المرتبطة بعمليات التحليل، وعدم المساس بسمعة العامل أو أسرته، باعتبار حماية الخصوصية إحدى الركائز الأساسية التي يجب الالتزام بها طوال مراحل تطبيق القانون، بما يضمن احترام الحقوق الشخصية والإنسانية للعاملين.
واستحدث المشروع مادة جديدة للتعامل مع حالات الإدمان، تقوم على منح الأولوية للعلاج والتأهيل بدلًا من الفصل الفوري، حيث تنص التعديلات على أنه إذا ثبت من التحقيق الإداري ونتائج التحاليل أن العامل يعاني من الإدمان، يتم إيقافه عن العمل لمدة أسبوعين وإحالته إلى أحد المراكز المرخصة لعلاج الإدمان.
وخلال فترة العلاج، يعامل العامل باعتباره في إجازة مرضية وفقًا لأحكام قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات، مع حظر إنهاء خدمته أثناء تلقيه العلاج، باستثناء حالات محددة مثل عدم الالتزام بالبرنامج العلاجي أو الانقطاع عنه دون مبرر قانوني.
إعادة المفصولين
وتضمنت التعديلات المقترحة أحكامًا انتقالية لمعالجة أوضاع العاملين الذين انتهت خدمتهم استنادًا إلى القانون الحالي، من خلال إلغاء قرارات إنهاء الخدمة الصادرة منذ بدء العمل بالقانون، وفق ضوابط وآليات يصدر بها قرار من رئيس مجلس الوزراء.
كما يقترح المشروع إنشاء لجنة عليا تتبع رئاسة مجلس الوزراء، تختص بفحص الشكاوى والتقارير المتعلقة بأي مخالفات أو تجاوزات قد تكون شابت إجراءات التحليل أو تحريز العينات أو غيرها من الإجراءات المرتبطة بتطبيق القانون.
ووفقًا للمذكرة الإيضاحية لمشروع القانون، فإن الهدف من هذه التعديلات لا يتمثل في التهاون مع جرائم تعاطي المواد المخدرة أو التقليل من خطورتها، وإنما في ترسيخ ضمانات قانونية تحقق العدالة والشفافية، واستبدال سياسة الفصل الفوري بمنظومة أكثر توازنًا تعتمد على التحقيق والتدرج في الجزاءات وإتاحة فرص العلاج والتأهيل.
ويرى مؤيدو التعديلات أن هذه المقاربة قد تسهم في الحفاظ على حق العامل في العمل والعلاج وإعادة التأهيل، وفي الوقت ذاته تضمن حماية المصلحة العامة والحفاظ على سلامة وكفاءة بيئة العمل داخل مؤسسات الدولة، بما يحقق التوازن بين مقتضيات الانضباط الوظيفي والاعتبارات الإنسانية والاجتماعية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض