على فكرة
فى مثل هذه الأيام قبل 13 عاما، شاهد العالم أجمع انتفاض الشعب المصرى بجمع فئاته العمرية والمهنية والنوعية، ومن جميع توجهاته السياسية والفكرية، ومستوياته الثقافية والتعليمية، ضد حكم جماعة الإخوان، مطالبا برحيله عن السلطة، لتغدو ثورة 30 يونيو بذلك، هى الثورة البيضاء الثانية لتغيير نظام الحكم فى تاريخ مصر المعاصر، بعد ثورة 23 يوليو.
وكان بعض من شاركوا فى هذه الثورة، قد منحوا أصواتهم لمرشح الجماعة فى الانتخابات الرئاسية رفضا لمنافسه القادم من المؤسسة العسكرية، بعدما وصفوه بمرشح الفلول، ودعما لما أسموه الحكم المدنى، الذى تم حصر مفهومه لديهم فى أنه ضد الحكم العسكرى، دون التزام ببقية شروطه المسطورة فى كتب العلوم السياسية ، التى تقتضى لكى تكتسب الدولة صفتها المدنية، ألا تكون دولة دينية، وأن تفصل بين السلطات والمؤسسات الدينية، وأن تلتزم بالحياد التام تجاه مواطنيها، أيا كانت انتماءتهم الدينية أو الفكرية أو السياسية.
ولأن شعارى «الفلول» و«الحكم المدنى» هما فى الأصل صناعة إخوانية، نمت وترعرت فى ساحات 25 يناير المضللة، لإشاعة الفرقة بين المتظاهرين وبين المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذى كلفه الرئيس مبارك بتولى إدارة شئون البلاد، بعد تخليه، عن رئاسة الجمهورية فى الفترة الانتقالية، فقد تم ترويجهما بهدف تمهيد الطريق للإخوان للصعود إلى السلطة.، وإفساح الطريق أمام غيرهم من الانتهازيين، وجماعات المصالح للاستفادة من خيراتها.
ولم تكد تمر بضعة أسابيع على حكم جماعة الإخوان ، حتى أدرك المصريون، أن ما سمى فى دعاية الجماعة حكم أول رئيس مدنى منتخب فى تاريخ مصر، ما هو إلا مشروع يؤسس لدولة دينية، تفتت البلاد إلى طوائف ومذاهب وتفرق بين النساء والرجال وبين الإخوانى وبين غيره، فى مختلف الفرص المتاحة فى البلاد، وتجعل الولاء لمكتب الإرشاد،، هو الباب الوحيد للصعود الاجتماعى، وتلغى بالقرارات أو التشريعات الاستبدادية، حقوق المساواة وحقوق المواطنة، التى تقوم عليها الدولة الوطنية المدنية الحديثة، وتؤدى بموجبها أدوارها، المشروطة بتنفيذ تلك الحقوق.
أسقط المصريون بمساندة من جيشهم الوطنى، رموز الدولة الدينية من السلطة، لكن أفكار جماعة الإخوان وأنصارها من السلفيين وثقافتهم، بقت فى المجتمع وتغلغلت فى مؤسسات الدولة، وباتت تعبر عن نفسها فى حالة الدروشة الدينية الشكلية التى تلاحقنا آناء الليل وأطراف النهار، بعدما أُغلق إلى أجل غير مسمى ملف تجديد الفكر الفكر الدينى.
وفى ملف آخر، تم تأجيل التحولات الديمقراطية التى يقضى بها دستور ثورة يونيو، لحين الانتهاء من القضاء على الإرهاب، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإجراء التحولات التى تنهض بالاقتصاد الوطنى. ثم مواجهة ما استجد على جدول الأعمال الوطنى من التزامات فرضتها جائحة كورونا، بجانب النتائج الكارثية لحرب تدمير غزة والضفة، والحرب المزدوجة على إيران. مرت 13 سنة، وترسخ فى ذهن الواقع السياسى والحزبى ولدى الرأى العام، مدى هامشية قضية التحول الديمقراطى فى الفكر السائد لدى من يديرون الدولة، ومدى تجذر الرؤية التى تذهب إلى أن البيئة السياسية المغلقة الراهنة غير صالحة لاستقبال التحول فى حال حدوثه، وأن مزيدا من الحريات الديمقراطية، هو مغامرة غير محسوبة تهدد الاستقرار وتقود إلى الفوضى، دون وجود مؤشرات تدل على نية البدء بأى إجراءات تبشر بإصلاح تلك البيئة السياسية.
ما يهد الاستقرار الاجتماعى والأمنى ويشجع على الفوضى هو حالة الركود القائمة، لأن إنعاش الحياة الديمقراطية من شأنه أن يساعد، فى مد جسور الثقة بين المواطن وبين المسئولين التنفيذيين الذين أقسموا على رعاية مصالح الشعب رعاية كاملة، وأن يسهم فى جهود مكافحة الرشوة والفساد وتعقب الجرائم والاعتداءات على المال العام، وهو ما أصبح يقيد القرار السيادى للدولة!
لا يفقد المصريون الأمل فى أن تحقق ثورة يونيو أهدافهم فى نظام للعدالة بالاجتماعية، وفى دولة ديمقراطية مدنية حديثة تساوى بين أينائها فى الحقوق والواجبات، والله كريم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض