رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

الراوى

من عجائب الحياة الجامعية أن لكل شيءٍ موعدًا معلومًا، باستثناء تلك المادة التى تأبى أن تدخل جدول الاهتمام إلا قبل الامتحان بساعات معدودات؛ مادة عجيبة، لا أحد يكرهها، ولا أحد يحبها، لكنها تحظى بإجماعٍ نادر بين الطلاب؛ إجماعٍ لا يتحقق فى السياسة أو الرياضة أو حتى فى مواعيد المحاضرات الجامعية!

إنها «المادة الأخيرة»؛ تلك التى تجلس وحيدةً فى نهاية جدول الامتحانات، كضيفٍ مؤدبٍ يظن الجميع أنه لا يزال أمامه متسعٌ من الوقت للترحيب به، حتى يكتشفوا فجأة أنه يقف على الباب يحمل ورقة الأسئلة!

فى بداية الموسم الامتحاني، يتعامل الطالب معها بثقة القادة قبل المعركة. ينظر إلى الجدول ويقول مبتسمًا:

«دى آخر مادة… لسه بدرى عليها».

ثم تمر الأيام، وتمضى الامتحانات والمواد واحدةً تلو أخرى، بينما تظل المادة الأخيرة رابضةً فى الأفق البعيد، كجبلٍ يراه المسافر صغيرًا، حتى يقترب منه فيكتشف أنه كان ينظر إلى نصفه فقط!

وتبدأ المأساة الكوميدية المعتادة.

فبينما تنال المواد الأخرى نصيبها من المراجعة والتلخيص والشرح والأسئلة المتوقعة، تُترك هذه المسكينة لمصيرها المجهول. لا ملخصات تُفتح، ولا محاضرات تُراجع، ولا حتى عنوان الكتاب يُقرأ أحيانًا. وكأن هناك اتفاقًا غير مكتوب بين الطلاب ينص على أن المادة الأخيرة ستتفهم الظروف النفسية التى يمرون بها!

وحين يأتى اليوم السابق لامتحانها، يتحول المشهد إلى ما يشبه غرفة عمليات الطوارئ.

تظهر فجأة رسائل فى مجموعات الدفعة:

«يا جماعة حد معاه ملخص؟»

«هو المنهج كام صفحة أصلًا؟»

«المحاضرة الخامسة داخلة؟»

«حد يعرف الدكتور بيركز على إيه؟»

أما الطالب الأكثر تفاؤلًا فيرسل رسالة تاريخية لا تخلو من العبقرية:

«ممكن حد يشرح المادة كلها فى فويس خمس دقائق؟»

وفى تلك اللحظات الحرجة، يكتشف الجميع أن المادة التى كانت تمتلك أسبوعًا كاملًا من الفراغ الزمني، أصبحت تحتاج إلى معجزة زمنية تُلخص سبعين ساعة دراسة فى ساعتين فقط!

والأعجب من ذلك أن هذه المادة تمتلك قدرة خارقة على إثارة الشعور بالذنب؛ فكلما فتح الطالب كتابها تذكر فجأة عدد الساعات التى أهدرها فى تصفح الهاتف، ومتابعة المقاطع القصيرة، ومناقشة قضايا كونية لا علاقة لها بمستقبله الأكاديمي.

لكن، رغم كل هذا الإهمال، يبقى هناك أملٌ غريب يسكن قلوب الطلاب؛ أملٌ لا يستند إلى منطقٍ علمى أو خطةٍ دراسية، بل إلى تلك العبارة السحرية التى تتكرر كل عام:

«إن شاء الله الامتحان ييجى سهل».

وما إن ينتهى الامتحان حتى تتحول المادة إلى ذكرى بعيدة، ويبدأ الجميع فى الضحك على ما حدث، كأنهم خرجوا من مغامرةٍ نجوا منها بأعجوبة.

وهكذا تظل المادة الأخيرة بطلةً موسميةً لقصةٍ تتكرر كل عام؛ قصة التأجيل، والثقة الزائدة، والوعود المؤجلة، ثم المراجعة المستحيلة فى الليلة الأخيرة.

وفى النهاية، لعل الحكمة التى تمنحنا إياها هذه المادة ليست أكاديميةً بقدر ما هى إنسانية؛ فبعض الأمور لا نهملها لأنها غير مهمة، بل لأننا نظن دائمًا أن الوقت لا يزال طويلًا… حتى يطرق الامتحان الباب!!

أستاذ الإعلام بكلية الآداب – جامعة المنصورة

[email protected]