تحول الغش في الامتحانات من محاولات فردية إلى سلوك عدواني وبلطجة. هذا التحول ظهر في الأحداث الأخيرة حيث تحولت الكثير من لجان الامتحانات إلى ساحات للاعتداء البدني واللفظي، ووصلت الأمور في بعض المحافظات إلى حد تهديد حياة الطلاب أو المراقبين. فمجرد رفض طالب متفوق أن يغشش زميله صار سبباً كافياً لتعرضه للضرب المبرح أو ملاحقته بالتهديد بالأسلحة البيضاء، مما حول البيئة التعليمية إلى مكان يفتقر للأمان.بعد أن أصبح الطالب الغشاش يشعر أن من حقه الاستيلاء على مجهود غيره بالقوة والترهيب.
الحقيقة أن الغش ليس جديداً، فهو يمتد في مصر إلى بدايات القرن العشرين، متزامناً مع نشأة نظام التعليم الحديث وظهور الامتحانات العامة كبوابة وحيدة للتوظيف الحكومي. لكنه لم يتحول إلى ظاهرة خطيرة إلا فى أواخر السبعينيات والثمانينيات، مع بداية مرحلة الانفتاح الاقتصادي وظهور ثقافة الاستهلاك والمكسب السريع، وهو ما توازى مع تراجع دور المدرسة الحكومية وانتشار الدروس الخصوصية كمنظومة موازية. في هذه الحقبة، تحول التعليم تدريجياً من قيمة معرفية وتربوية إلى سلعة تجارية، وبدأ مفهوم الغش يتسع ليشمل تدخل بعض أولياء الأمور بنفوذهم وعلاقاتهم لتسهيل غش أبنائهم، وظهرت لجان امتحانات شهيرة في بعض المحافظات وُصفت بلجان الأكابر أو لجان أولاد الذوات، حيث كان يتم نقل طلاب بعينهم إليها لضمان تساهل المراقبين وحصولهم على مجاميع مرتفعة. فى تحول تاريخي للغش من مخالفة فعل فردى إلى امتياز طبقي هز الثقة فى العملية التعليمية كلها وفى نتائج الامتحانات، ومهد الطريق لظهور السلوكيات الإجرامية والبلطجة التي نشهدها اليوم، فهى ليست سوى تطور طبيعي لعقود من إفراغ العملية التعليمية من محتواها التربوي والأخلاقي.
وتتجلى فوضى الغش بوضوح في وقائع تسريب الامتحانات عبر منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات تطبيق تليجرام التي باتت تُعرف بصفحات "شاومينج"، حيث تُنشر أسئلة امتحانات الشهادة الثانوية العامة والدبلومات الفنية وأحياناً الإعدادية وتُتاح إجاباتها بعد دقائق معدودة من بدء اللجان، بل وقبلها في بعض الأحيان. هذه الحوادث المتكررة، وما يصاحبها من محاولات اقتحام بعض أولياء الأمور لمحيط اللجان في بعض المحافظات "لتغشيش" أبنائهم عبر مكبرات الصوت أو إحداث حالة من الشغب، تعكس الانفلات الذي يحول الامتحان إلى ساحة معركة لانتزاع الدرجات بالقوة.
ولا يمكن اختزال سبب كل ذلك في انتشار الجهل أو انعدام التربية ، فالأسباب متشابكة وهى تربوية واجتماعية وسياسية تعليمية. حيث يلعب غياب القدوة وتراجع منظومة القيم الأسرية دوراً كبيراً، بعد أن تخلت بعض الأسر عن دورها التوجيهي واستسلمت لثقافة المكسب السريع، فتشجيع بعض أولياء الأمور لأبنائهم على الغش سببه رغبتهم فى تعويض ما ينفقونه على الدروس الخصوصية. وهذا يرسخ لدى الجيل الناشئ أن التفوق لا يأتي بالجهد بل بالذراع وبالبلطجة. ومع ذلك، فإن تحميل المسؤولية كاملة للأفراد وسلوكياتهم يغفل الجانب الأهم والأعمق، فقد تحول التعليم إلى منظومة تعتمد على الحفظ والتلقين، واختزال مستقبل الطالب بالكامل في عنق زجاجة اسمه تنسيق الثانوية العامة، حيث تحدد نصف درجة مصير ومستقبل الطالب المهني والاجتماعي. مما جعل من الامتحان مسألة حياة أو موت للأسر، وخلق بيئة خصبة تبرر الغش كوسيلة للدفاع عن النفس أمام نظام تعليمي غير مرن. ورغم محاولات التطوير وإدخال المنظومة الرقمية والتابلت، فإن غياب الرؤية الشاملة والاعتماد على الحلول الأمنية والتكنولوجية لمكافحة الغش دون معالجة جذور المشكلة وجوهر التقييم، أثبت عدم كفايته ، فالأزمة ليست في طريقة رصد الغشاشين، بل في فلسفة النظام التعليمي الذي يجعل من المجموع والشهادة الورقية الهدف الأسمى بدلاً من الفهم واكتساب المهارات الحقيقية.
والنتيجة الكارثية لكل ذلك هى تخرج طلاب نجحوا بالغش ليصبحوا أطباء ومهندسين ورجال قانون وقادة في مواقع مختلفة. إن تَخرُّج طبيب بالغش يعني حرفياً وضع أرواح البشر وأجسادهم بين يدي من يفتقر للمهارة والمعرفة اللازمة ، مما يحول المستشفيات إلى فوضى، ووجود مهندس نال شهادته بالغش ينعكس مباشرة على سلامة البنية التحتية والمنشآت، فضلاً عن إهدار الموارد الاقتصادية للدولة فى مشروعات تفتقر لأبسط القواعد الهندسية السليمة.
كوارث الغش في اللجان لا تنتهي بانتهاء الامتحان أو إعلان النتائج، بل هي عملية ضخ مستمرة للجهل والفساد في شرايين الدولة، مما يهدد الأمن القومي للمجتمع في حاضره ومستقبله، ويحرمه من القدرة على النهوض والمنافسة في عالم لا يحترم إلا العلم الحقيقي والإتقان.فالنجاح بالغش ظلم يعني إقصاء الكفاءات الحقيقية والطلاب الشرفاء الذين سهروا واجتهدوا، مما يصيب جيل الشباب المجتهد بحالة من الإحباط واليأس، ويدفعهم إما إلى الهجرة أو الانكفاء والعزلة والزهد في العطاء. وعندما يتولى غير المؤهل للمهن ، ثم يتولى من بعدها القيادة والإدارة، تنتشر العشوائية والفساد الإداري والمالي .
ولمواجهة هذه الفوضى ، لابد من إلغاء فكرة الامتحان القومي الموحد الذى يحدد مصير الطالب من خلال ساعتين تكتنفهما الفوضى والبلطجة ، والاستعاضة عنه بنظام التقييم التراكمي على مدار سنوات المرحلة الثانوية، بحيث يرتكز على قياس مهارات التفكير والتحليل والإبداع، لا الحفظ والتلقين. وعندما تصبح الأسئلة معتمدة على الفهم، يصبح الغش والتسريب بلا قيمة، لأن الإجابة لن تكون نصاً منقولاً من كتاب بل نتاج استيعاب عقلي حقيقي، وهو ما يتطلب أيضاً تطوير المناهج لتواكب هذا التحول وتكف عن حشو عقول الطلاب بمعلومات جامدة تتبخر فور الخروج من اللجنة.
ولابد من تفعيل القوانين الصارمة التي تجرم الغش وتصل عقوبتها إلى الحبس والغرامة الكبيرة، ليس فقط للطلاب بل لكل من يشارك في المنظومة الإجرامية من صفحات تسريب أو أولياء أمور يمارسون البلطجة حول اللجان. وأن يتوازى هذا مع ضمان حماية المراقبين والطلاب المتفوقين، ، فضلاً عن حرمان أي طالب يثبت تورطه في أعمال بلطجة أو اعتداء من دخول الامتحانات لسنوات متتالية، ليكون عبرة لغيره ولتسترد لجان الامتحانات وقارها .
ولابد التوعية المجتمعية عن طريق وسائل الإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية لإعادة صياغة الوعي ، من خلال إطلاق حملات قومية مستمرة تفكك الموروث المشوه الذي يرى في الغش شطارة أو حقاً مستباحاً، وإعادة الاعتماد على الخطاب الديني المستنير الذي يربط بين حرمة الغش وفساد الحياة والمال، ويوضح للأسر أن مساعدة أبنائهم على الغش هي خسارة لمستقبلهم ومستقبل الوطن. ولابد من استعادة هيبة المعلم والمدرسة الحكومية ، ليعود التعليم رسالة بناء للإنسان لا مجرد مستند يُشترى بالبلطجة والتدليس.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض