كبسولة فلسفية
هناك لحظات لا ننسى شكلها مهما مرت السنوات، وكأنها بقيت محفورة في عمقنا لا لتُذكر فقط، بل لتشكل جزءًا من هويتنا. فالذاكرة، يا عزيزي القارئ، ليست مجرد خزانة صور ووقائع، بل عالم كامل نعود إليه لنفهم من كنا، ومن أصبحنا، وإلى أي مدى تغيرنا من الداخل. كل ما عشناه يعود بطريقة ما ليصبح قطعة من شخصيتنا، حتى إن لم نلاحظ ذلك في حينه. والمثير أن الإنسان لا يحمل ذاكرته فقط، بل تتسرب الذاكرة إلى طريقته في الكلام، وفي اختياراته، وحتى في خوفه ورغبته وتردده.
قد تجد نفسك تتصرف اليوم برد فعل قديم لشيء حدث منذ سنوات، أو تتعلق بشخص لأنك رأيت فيه ملامح ذكرى ما، أو تبتعد عن شيء لأنه يذكرك بجرح لم يلتئم بعد. وهنا، يا صديقي، ندرك أن الذاكرة ليست مجرد قصة، بل قوة خفية تشكل ملامحك بعمق. والذاكرة ليست عادلة دائمًا، فهي تختار ما تريد أن تتركه فينا. تحتفظ بوجع صغير وتنسى سعادة كبيرة، تهول موقفًا بسيطًا وتخفف من وقع صدمة حقيقية. لكنها رغم ذلك تبقى جزءًا لا ينفصل من تكويننا، وجزءًا من الطريقة التي نرى بها العالم.
حتى الأحلام التي نسعى إليها اليوم كثيرًا ما تكون امتدادًا لحكايات قديمة ظلت تعيش داخلنا دون أن ننتبه لها. وفي الحقيقة، يا عزيزي، لا أحد يستطيع أن يتخلص من ماضيه، لكنه يستطيع أن يتصالح معه. يمكنه أن يفهم كيف أثر فيه، وكيف دفعه للأمام أو أوقفه فترة. يمكنه أن يختار من ذاكرته ما يساعده على النمو، وما يمنحه القوة، بدل أن يظل أسير صور قديمة تحجب عنه الطريق. الذاكرة ليست سجنًا إلا إذا تركناها كذلك، وليست نعمة إلا إذا عرفنا كيف نقرأ ما بداخلها، صديقي القارئ.
نحن لا نصبح ما نحن عليه فجأة، بل عبر أشياء تراكمت فينا بصمت؛ لحظات، وجوه، خيبات، وذكريات لم تغادر تمامًا. لكن بعض ما مرّ بنا لم يكتفِ بصنعنا... بل كسر شيئًا فينا أولًا. فكيف يولد الإنسان من انكساره؟ هذا الباب سنفتحه في الكبسولة الفلسفية القادمة.
بقلم/ محمد جادالله
كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض