رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

أزﻣﺔ اﻷﺳﻤﺪة ﺗﻀﺮب ﺣﻘﻮل ﻗﺼﺐ اﻟﺴﻜﺮ

الذهب الأخضر فى خطر

بوابة الوفد الإلكترونية

اﻟﺼﻌﻴﺪ ﻳﺼﺮخ: اﻵﻓﺎت ﺗﻠﺘﻬﻢ اﻟﻤﺤﺼﻮل.. وﻣﺸﻜﻠﺔ اﻟﻤﺒﻴﺪات ﺗﺘﻔﺎﻗﻢ

ﻣﺰارﻋﻮن: ﻧﺨﺸﻰ ﺿﻴﺎع ﻣﺼﺪر رزﻗﻨﺎ

أﻣﻴﻦ ﺟﻤﻌﻴﺔ ﺗﺠﺎر اﻷﺳﻤﺪة: اﻟﻬﻴﻜﻠﺔ وراء ﺗﺮاﺟﻊ اﻟﻜﻤﻴﺎت

 

فى الحقول الممتدة بمحافظات صعيد مصر، حيث يقف قصب السكر كأحد أهم المحاصيل الاستراتيجية التى تعتمد عليها آلاف الأسر كمصدر رئيسى للدخل، تتصاعد شكاوى المزارعين من أزمة تتكرر كل موسم، لكنها هذا العام تبدو أكثر حدة وخطورة، فبين نقص الأسمدة الموردة من الجمعيات الزراعية، وارتفاع أسعار البدائل فى السوق الحرة، وغياب المبيدات الفعالة لمواجهة الفطريات والآفات الزراعية، يجد مزارعو القصب أنفسهم فى معركة مفتوحة تهدد إنتاجهم وأرزاقهم.
يقول عدد من المزارعين إن كميات الأسمدة التى تصل إليهم لا تكفى الاحتياجات الفعلية للمحصول، بينما يتأخر صرف الحصص المقررة فى كثير من الأحيان، ما ينعكس بشكل مباشر على نمو النباتات وجودة الإنتاج النهائى.
هذه الأزمة، التى تتدرج من نقص فى المدخلات الزراعية إلى تدهور واضح فى حالة المحصول، باتت تُلقى بظلالها على آلاف المزارعين الذين يعتمدون بشكل أساسى على القصب كمصدر دخل رئيسى، فى وقت تتزايد فيه تكاليف الإنتاج وتتراجع فيه القدرة على التدخل العلاجى الفورى داخل الحقول.
بداية الأزمة
مع انطلاق الموسم الزراعى، كان المزارعون يأملون فى انتظام منظومة صرف الأسمدة المدعمة أو المقررة، باعتبارها عنصرًا أساسيًا فى نمو قصب السكر، الذى يحتاج إلى تغذية متوازنة على مدار دورة طويلة تمتد لأشهر.
لكن الواقع، بحسب شهادات ميدانية متطابقة، جاء مختلفًا؛ إذ يشير مزارعون إلى تأخر فى التوريد، وعدم كفاية الحصص المخصصة، إلى جانب تفاوت فى التوزيع بين المناطق، وهو ما خلق فجوة واضحة بين احتياجات الأرض وما يتم توفيره فعليًا.
يقول خالد أبوحمص، أحد مزارعى القصب بمحافظة الأقصر: «إحنا بنزرع القصب على أمل إن الموسم يغطّى مصاريف السنة كلها، لكن لما السماد يقل أو يتأخر، المحصول نفسه بيبدأ يضعف من أول مرحلة.. النبات محتاج تغذية منتظمة، وإحنا مش قادرين نوفر البديل من السوق الحرة بسبب الأسعار».
هذا التراجع فى الإمدادات لم ينعكس فقط على النمو الخضرى للمحصول، بل امتد ليؤثر على قدرة النبات على مقاومة الأمراض، وهو ما مهد لظهور أزمة أخرى أكثر خطورة وهى انتشار الآفات والفطريات، مع ضعف التسميد، ما يجعل المحصول أكثر عرضة للإجهاد البيئى، وهو ما يفتح الباب أمام الفطريات والآفات الزراعية للانتشار بشكل أسرع وأكثر شراسة.
وأضاف: غير أن المشكلة، لا تتوقف عند هذا الحد، فهناك نقص واضح فى المبيدات الزراعية أو عدم توافرها فى التوقيت المناسب، ما جعل مكافحة الأمراض النباتية غير فعالة فى كثير من الحالات.
ويصف أبوحمص، المشهد قائلًا: «بنلاقى الفطريات بدأت تظهر على القصب، ولما نروح نطلب مبيد مناسب مش بيكون متوفر، ولو موجود بيكون بسعر عالى جدًا.. وفى الآخر بنحاول نلحق اللى نقدر عليه، لكن الضرر بيكون حصل بالفعل.
والتقط طرف الحديث، ياسر أبوخلف الله، وقال: «الأرض كأنها مكشوفة.. مفيش وقاية ولا علاج كافى.. وإحنا واقفين بنتفرج على المحصول وهو بيضعف يوم بعد يوم».
يُعد قصب السكر من المحاصيل التى تتطلب إدارة زراعية دقيقة، تبدأ من تجهيز الأرض، مرورًا بعمليات الرى والتسميد، وصولًا إلى المكافحة الوقائية والعلاجية للآفات، وأى خلل فى هذه المنظومة ينعكس مباشرة على الإنتاجية النهائية للفدان، نظرًا لأن القصب يعتمد على تراكم السكريات داخل الساق خلال فترة نمو طويلة، ما يجعل أى ضعف فى التغذية أو إصابة مرضية مؤثرًا بشكل مباشر على جودة وكمية الإنتاج.
ويحذر مزارعون من أن استمرار نقص الأسمدة والمبيدات قد يؤدى إلى انخفاض ملحوظ فى الإنتاج، وهو ما ينعكس بدوره على مصانع السكر وسلاسل الإمداد المرتبطة به.
تكاليف تتصاعد ومزارع تحت الضغط
فى المقابل، لا تتوقف الأزمة عند حدود نقص المدخلات فقط، بل تتزامن مع ارتفاع مستمر فى أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعى فى السوق الحرة، ما يضع المزارع أمام معادلة صعبة: إما تقليل استخدام السماد والمبيد وتحمل خسائر فى الإنتاج، أو شراء المستلزمات بأسعار مرتفعة تؤثر على هامش الربح.
محمد أبوحماد يصف الوضع قائلًا: «إحنا بين نارين.. يا إما نزرع من غير ما نكمل السماد ونخسر فى الإنتاج، يا إما نشترى من السوق بأسعار عالية ونخسر برضه.. فى كل الحالات المزارع هو اللى بيدفع الثمن».
هذا الضغط الاقتصادى المتزايد يدفع بعض المزارعين إلى تقليل معدلات التسميد أو تأجيل بعض عمليات الرش، وهو ما يفاقم الأزمة داخل الحقول، مع ضعف التغذية النباتية وغياب الحماية الكافية، بدأت تظهر فى بعض الحقول علامات واضحة لإصابات فطرية، إلى جانب انتشار آفات حشرية تؤثر على ساق النبات وأوراقه، ويؤكد «أبوحماد»، أن هذه الإصابات لا يتم التعامل معها بالسرعة المطلوبة، إما بسبب نقص المبيدات أو تأخر صرفها أو عدم قدرة المزارعين على شرائها من السوق الحر.
أما فى محافظة قنا، فوصف محمد عبدالله الآفات الزراعية التى تظهر على المحصول قائلًا: «الفطر بيبدأ بسيط فى الورق، وبعدها بينتشر فى الساق.. ولو ما اتلحقش بدرى بيبوظ جزء كبير من المحصول». ويقول بصوت يحمل مزيجًا من القلق والإرهاق: «إحنا مش طالبين حاجة صعبة.. عايزين السماد يوصل فى وقته، والمبيد يكون موجود.. غير كده الموسم كله فى خطر»، ويختتم: «القصب ده رزقنا.. ولو ضاع الموسم، مفيش بديل يعوض الخسارة».
يمثل قصب السكر ركيزة أساسية لصناعة السكر فى مصر، وبالتالى فإن أى تراجع فى إنتاجيته ينعكس على سلاسل التصنيع والتوريد، بدءًا من المصانع وحتى الأسواق النهائية، ويخشى مزارعون وخبراء زراعة من أن استمرار الأزمة الحالية قد يؤدى إلى انخفاض فى إنتاجية الفدان، وبالتالى زيادة الضغط على استيراد السكر أو رفع تكلفة الإنتاج الصناعى.
هيكلة منظومة التسميد
من ناحية أخرى أكد الدكتور عمرو الدجوى، الأمين العام للجمعية المصرية لتجار وموزعى الأسمدة، أنه لا توجد أزمة حقيقية فى الأسمدة داخل السوق المصرية، مشيرًا إلى أن مصر تُعد واحدة من أكبر الدول المنتجة للأسمدة فى المنطقة، وتمتلك فائضًا تصديريًا يعزز مكانتها فى هذا القطاع الحيوى.
وأوضح «الدجوي»، فى حديثه لـ«الوفد»، أن ما يلاحظه بعض المزارعين من نقص فى الكميات خلال الموسم الزراعى الحالى لا يعود إلى عجز فى الإنتاج، وإنما يرتبط بتطبيق استراتيجية جديدة تتبناها وزارة الزراعة، تستهدف التحول التدريجى من استخدام الأسمدة الأحادية إلى الأسمدة المركبة NPK، وعلى رأسها اليوريا بنسبة 46% آزوت.
وأضاف، أن الهدف من هذا التحول هو تحسين كفاءة التسميد الزراعى من خلال توفير أسمدة أكثر تكاملًا تحتوى على عناصر غذائية متعددة مثل الفوسفور والبوتاسيوم والكالسيوم، بما يسهم فى رفع جودة التربة وزيادة قدرة المحاصيل على مقاومة الآفات الزراعية، بدلًا من الاعتماد على عنصر واحد فقط.
وأشار إلى أن هذه السياسة تزامنت مع خفض نسبى فى معدلات التسميد الموردة للمزارعين، حيث يتم حاليًا توفير نحو 50% من الكميات المعتادة خلال فترة التحول، موضحًا أن ذلك انعكس على الحصص التى يحصل عليها الفلاح، إذ كان يتسلم فى السابق نحو 8 شكاير للفدان، بينما يحصل حاليًا على نحو 4 شكاير فقط.
وفى سياق متصل، لفت الأمين العام للجمعية إلى وجود تحديات مرتبطة بمنظومة الإرشاد الزراعى، فى ظل نقص الكوادر المتخصصة وعدم ضخ دماء جديدة من المهندسين الزراعيين، مشيرًا إلى أن بعض إدارات الجمعيات الزراعية تضم عناصر غير مؤهلة بالشكل الكافى، وهو ما يؤثر على كفاءة الدعم الفنى المقدم للمزارعين، ويدفع بعض الكفاءات إلى العمل خارج البلاد.
وأكد «الدجوي» أن مصر تنتج نحو 16 مليون طن من الأسمدة، بتركيز يصل إلى 15% أزوت، فى حين يبلغ الاستهلاك المحلى نحو 7.1 مليون طن فقط، ما يعنى وجود فائض يتم توجيهه للتصدير.
وحذر من أن استمرار خفض كميات التسميد الموجهة للمزارعين قد ينعكس على الإنتاجية الزراعية، متوقعًا أن يؤدى ذلك إلى تراجع المحصول بنسبة تتراوح بين 10% و20% بنهاية الموسم، حال استمرار الوضع الحالى دون إعادة ضبط آليات التوزيع.
تحديات
من جانبه، أكد حسن فندى، رئيس شعبة السكر باتحاد الصناعات سابقًا، أن قطاع قصب السكر تأثر خلال الفترة الأخيرة بعدد من المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية، فى مقدمتها نقص بعض الخامات، والتوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب بين إيران وإسرائيل، إلى جانب تقلبات أسعار الدولار، إلا أن الدولة نجحت فى احتواء تداعيات تلك التحديات والحفاظ على استقرار سوق السكر.
وأوضح فندى، فى حديثه لـ«الوفد»، أن الجهات المعنية، وعلى رأسها وزارات التموين، تعاملت بكفاءة مع المتغيرات التى شهدتها الأسواق، وهو ما ساهم فى الحفاظ على وفرة المعروض من السكر محليًا، سواء المنتج من قصب السكر أو بنجر السكر، مؤكدًا أن السوق المصرية لا تعانى حاليًا من أى نقص فى هذه السلعة الاستراتيجية.
وأشار إلى أن الأزمة الحقيقية التى قد تواجه المزارعين ربما تتعلق بتراجع أو نقص كميات الأسمدة الموردة، موضحًا أن استمرار هذا الوضع قد يؤثر بصورة مباشرة على إنتاجية محصول القصب وجودته فى نهاية الموسم الزراعى.
وأضاف أن منظومة زراعة القصب فى مصر تعتمد على شراكة متكاملة بين المزارعين وشركات إنتاج السكر، وفى مقدمتها شركة السكر والصناعات التكاملية المصرية، حيث يتم التعاقد مع المزارعين قبل الموسم وتقديم مختلف أشكال الدعم الفنى والإرشادى، إلى جانب المساندة المتعلقة بمدخلات الإنتاج، بما يضمن تحقيق أعلى إنتاجية ممكنة للمحصول.
وأكد فندى أن هذه العلاقة التعاقدية تحقق مصالح مشتركة للطرفين، إذ يستفيد المزارع من ضمان تسويق محصوله والحصول على الدعم الفنى اللازم، فيما تستفيد الشركات من تأمين احتياجاتها من المادة الخام اللازمة لتشغيل المصانع وتحقيق استقرار الإنتاج.
وشدد رئيس شُعبة السكر السابق على أن مصر تقترب من تحقيق أهدافها فى ملف الأمن الغذائى المرتبط بالسكر، لافتًا إلى أن الدولة تستهدف الوصول إلى الاكتفاء الذاتى من السكر خلال الموسم الحالى، مستفيدة من التوسع فى زراعة البنجر وتحسين إنتاجية القصب.
وأوضح أن المستهدف خلال الموسم الجارى يصل إلى نحو 3.2 مليون طن من السكر، وهو ما يعزز قدرة السوق المحلية على تلبية احتياجات الاستهلاك وتقليل الاعتماد على الواردات الخارجية، رغم التحديات الاقتصادية والظروف العالمية المتقلبة.
أنقذوا الموسم قبل أن يضيع
داخل الحقول، لا تبدو الأزمة مجرد أرقام أو تقارير، بل هى واقع يومى يعيشه المزارع بين محاولات إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومراقبة محصوله وهو يتأثر تدريجيًا، حتى الآن، لا تزال الأزمة محل شكاوى متكررة من المزارعين، دون حلول جذرية على الأرض، بينما تتسع الفجوة بين احتياجات الزراعة الفعلية وما يتم توفيره من مدخلات.
وفى ظل هذا المشهد، يبقى السؤال مطروحًا: هل تنجح المنظومة الزراعية فى إنقاذ موسم قصب السكر قبل أن تتفاقم الخسائر؟ أم أن الحقول ستدفع ثمن نقص المدخلات الزراعية موسمًا بعد آخر؟
أزمة قصب السكر الحالية لا تبدو مجرد نقص فى الأسمدة أو المبيدات، بل هى اختبار حقيقى لمدى قدرة المنظومة الزراعية على حماية محصول استراتيجى يرتبط بالأمن الغذائى والصناعى.. وبينما ينتظر المزارعون حلولًا عاجلة، تبقى الحقول شاهدة على معركة صامتة بين الأرض والآفات، بين الأمل فى موسم ناجح، وخوف متزايد من موسم خاسر.