لم يعد الريف كما عرفناه قديما ، ولم تعد الخضرة تمتد إلى الأفق ، ولم تعد الترع الممتلئة بمياه النيل تمنح القرى روحها ، ولم تعد البيوت البسيطة تنبض بالطمأنينة التي تغنى بها الشعراء والفنانون.. واختفت إلى حد كبير تلك الصورة التى رسمتها أغنية "محلاها عيشة الفلاح"، لتحل محلها معاناة يومية وصراع من أجل لقمة العيش وتوفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
قبل خمسين عاما كانت القرية المصرية أكثر هدوءا وبساطة ، وكانت الحياة أقل تكلفة ، وكانت العلاقات الإنسانية أقوى من الخلافات.. أما اليوم فقد أصبحت تكاليف المعيشة في الريف لا تختلف كثيرا عن المدينة ، بل إن المدينة تمتلك ميزة توافر فرص العمل والخدمات ، بينما يعانى الريف من نقص كل شيء .
الصورة التي كانت تُقدَم عن القرية باعتبارها جنة الله على الأرض ، حيث الشجر الأخضر والناس الطيبون والقناعة والبركة ، لم تعد تعكس الواقع الذى يعيشه ملايين الفلاحين .. فقد ارتفعت أسعار كل شىء ، الأسمدة والبذور ، وزادت تكاليف تجهيز الأرض ، وتراجعت جدوى الزراعة بالنسبة لكثيرين ، في الوقت الذي تتآكل فيه الأراضي الزراعية وتعانى من نقص مياه الرى والشرب وتلوثهما.
وخلال زيارتي الأخيرة إلى قريتي منشأة الأمير التابعة لمركز أولاد صقر بمحافظة الشرقية ، شاهدت حجم المعاناة اليومية لآهالينا الفلاحين عن قرب.. آلاف الأفدنة أصبحت مهددة بالبوار بسبب غياب مياه الرى ، رغم اعتماد الأهالي على مياه المصارف الملوثة ، وهي مياه تشكل خطرا على صحة المواطنين قبل أن تكون غير كافية للزراعة.. ورغم مخاطبة الجهات المختصة أكثر من مرة بدءا من وزير الرى الدكتور هانى سويلم ، ومديرية رى الشرقية وادارة رى اولاد صقر ، وشركة مياه الشرب بالشرقية ، ومحافظ الاقليم ، لم يتحرك أحد لإيجاد حل حقيقى لهذه الأزمات..ولا تقف المعاناة عند الزراعة ومياه الشرب فقط ، فحالة الطريق الممتد من أولاد صقر إلى قصاصين الأزهار مرورا بمنشأة الأمير وبني عبس وأبوراس أصبحت سيئة ، كما تعانى الوحدات الصحية والمستشفيات من ضعف الخدمات والادوية المهمة ، وهو ما يزيد من أعباء المواطنين..ولم تتغير أوضاع الخدمات فقط، بل تغيرت أيضا طبيعة العلاقات داخل القرية.. فقد كانت الخلافات قديما تُحل بالصلح والجلسات العرفية وبوس الرؤس ، وكان التماسك الاجتماعى هو السمة الغالبة.. أما اليوم فقد أصبحت المحاكم تمتلئ بالقضايا العائلية ، وتحولت مواقع التواصل الاجتماعى لدى البعض إلى ساحة لنشر الخلافات والفضائح ، وهو تحول يعكس تغيرا مؤلما فى النسيج الاجتماعي داخل القرية..
إن ما يمر به الريف المصرى ليس مجرد أزمة زراعة ، بل أزمة تنمية متكاملة تحتاج إلى وقفة جادة من الدولة.. فالفلاح الذى يؤمّن غذاء الوطن يستحق أن يجد مياها نظيفة ليشربها وليروى بها أرضه ، وطريقا آمنا يسير عليه ، ومواصلات ادمية ليركبها ، ومستشفى يعالج أبناءه ، وخدمات تحفظ له كرامته..لقد فاض الكيل بأهالى الريف من كثرة الوعود وقلة التنفيذ ، ومن حقهم أن يسمع المسؤولون صوتهم ، وأن يؤدى أعضاء مجلس النواب دورهم الحقيقى في نقل مشكلات وآهات المواطنين والعمل على حلها ، لا الاكتفاء بالظهور في مواسم الانتخابات وفى الحفلات ..إن إنقاذ الريف المصرى لم يعد رفاهية ، بل ضرورة وطنية ، لأن قوة أى دولة تبدأ من قوة قراها ، وإذا انهارت القرية ، انهارت الزراعة ، وازدادت الهجرة لعناصر بشرية مهمة ، واتسعت دائرة الفقر ، وخسر الوطن أحد أهم أعمدته.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض